الخميس 20 يونيو 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

هل يحبطنا الرئيس؟

هل يحبطنا الرئيس؟

في الكواليس يتم تداول أن زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر معتكف عن التواصل مع الوسط السياسي العراقي منذ أسابيع، البعض يقول إنه محبط مما آلت اليه الامور في حكومة عادل عبد المهدي، فيما ان حالة احباط عام بدأت تتسلل على خلفية الطريقة غير المتوقعة التي تم من خلالها ادارة ملف تشكيل حكومة مازالت ناقصة وتتلاقفها اعتبارات وتقسيمات متناقضة.

ولكن وقت الاحباط مازال مبكراً، والزمن مازال متاحاً قبل الحديث عن فقدان الأمل، فعبد المهدي يعرف أكثر من سواه انه لم يكن نتاج توافق سياسي، وانما نتاج الوهن السياسي العام، كما انه ليس نتاج قرارات ورؤى قاسم سليماني وبريت ماكورغ، فحلفاء طهران جمعوا عددياً وبطرق مختلفة الكتلة الأكبر، ومع هذا لم يتمكنوا من استخدامها لاختيار رئيس الوزراء، وواشنطن مازالت تسأل عبر مراكز بحوث حائرة ومرتبكة عن انتماء عبد المهدي وميوله وخلفياته وطبيعة سياساته.

“عبد المهدي يعرف أكثر من سواه انه لم يكن نتاج توافق سياسي”

وعبد المهدي نفسه يدرك ايضاً انه ناتج لقاءات عراقية صعبة ومعقدة، بين خواء حزبي انتهى الى فشل مطبق، وغضب شعبي قد ينتهي الى فوضى عارمة، وبين انهيار لكل الستراتيجيات والنظريات المكتبية الاقليمية والدولية في التعاطي مع القضية العراقية لمدة 16 عاماً.

قبيل اختياره رئيساً للحكومة، وخلال تداول اسمه ضمن المرشحين للمنصب كتب عبد المهدي مقالاً لافتاً بعنوان: “رئاسة الوزراء.. اشكركم، فالشروط غير متوفرة” فُهم على نطاق تحليلي بانه وضع للشروط على الطاولة، وكانت لفتة جديرة بالتقدير فعلاً، حيث يقول: “اؤكد اعتذاري عن المنافسة، ساواجه باغلبيات لن تسمح بتوفير الدعم اللازم”.

و”الدعم اللازم” حسب عبد المهدي يمتد الى جوهر الدولة، وتحريرها من انظمة الفساد السياسية والادارية والمالية والقانونية والقضائية والامنية التي تحيق بها، والى تلك القوى التي ستحاول الذهاب به حسب اراداتها، وسوف تواجهه وتعرقل اداءه عند كل مرحلة وفي كل عقدة تتطلب اتخاذ قرار لصالح مستقبل البلد.

اراد عبد المهدي ان يقول في ذلك المقال ان القضية لم تعد تتعلق بقبول القوى السياسية في لحظة انهيارها وضعفها وتخبطها به رئيساً للوزراء بعد ان رفضته لاربع دوارت متتالية، بل قبوله هو بها هذه المرة وفق الاليات والتقاليد التي صاغت السقوط الشامل للبلاد، كما لم يكن يحلم ألد اعداء العراق به.

عندما تضع شروطك تلك على الطاولة، ليس مقبولاً ان تتحدث بعد اسابيع من تسلمك المنصب عن أنك غير معني باختيار وزيرة التربية، وان هذا دور القوى السياسية والبرلمان، رغم انك انت من دفع اسمها، امام منصة مجلس النواب!، وليس مقبولاً، ان تسمح بتمرير قائمة وزارية لاترتقي بمعظمها الى الاعتبارات التي وضعها مقال عبد المهدي نفسه، كما ليس معقولاً ان تحول مناصب مفصلية كوزارتي الداخلية والدفاع الى مادة للارادات الحزبية والاراء والاجتهادات، وتحديات كسر العظم بين زعماء سياسيين اصبحوا جميعاً بمجرد تسلمك المنصب التنفيذي الاعلى في العراق محكومين بارادتك وبشروطك للقبول بالمنصب!.

“واشنطن مازالت تسأل عبر مراكز بحوث حائرة ومرتبكة عن انتماء عبد المهدي وميوله وخلفياته وطبيعة سياساته”

لايمكن الصمت طويلاً على عبد المهدي مقارنة بغيره، لأن الرجل منح الجميع حق عدم الصمت على أي نكث لتعهدات وثقها بمقالاته التي كانت جزءاً من مسار المراجعة والدعوة للتغيير والاصلاح حفلت بها السنوات الماضية، ولهذا يقف الجميع بذهول امام ترهل اداء وزراء في حكومته كاجتهاد وزير بالتخلي عن شركة كبرى من شركات وزارته الى مؤسسة امنية بشكل غير قانوني ولا ينتمي الى اي عرف او سلوك اداري واضح! وليس اقل من ذلك الاخبار التي لايرد عليها عن بيع المناصب الحكومية، واستفحال شبكات علاقات تابعة لشخصيات متنفذة معروفة بفسادها بابتزاز وزراء والضغط عليهم للحصول على صفقات والتهديد بشن الحروب الاعلامية في حال لم تنفذ مطالبهم!.

لا ينصح منصف الصدر باستعجال الاحباط في هذه المرحلة، ولا يمكن ان يقدّم مطلع على تعقيدات الوضع العراقي والاقليمي وحراجة موقف عبد المهدي، النصح للقوى المدنية والثقافية والريادية والشبابية في المجتمع باستعجال اتخاذ المواقف الرافضة لما يبدو للوهلة الاولى تخلخلاً في ثبات الاقدام على مسار التعهدات، فمن انتج مراجعات مثالية في لحظة استرخاء طويلة استمرت لسنوات، مازلنا نأمل أن بامكانه تطبيقها على الارض.

المصدر:جريدة الحياة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات