الأربعاء 23 أكتوبر 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

هل غير النظام البرلماني دولة العراق؟

هل غير النظام البرلماني دولة العراق؟

الكل يسأل الكل في العراق، والكل يعترف بانه لايمتلك اجابة، فان تكون التجربة السياسية قد فشلت برمتها، وان تكون القوى والاحزاب قد عجزت عن انتاج نظام سياسي يتلاءم مع ظروف مابعد الحرب على “داعش”، وان تكون الدولة حائرة في توصيف نفسها وفلسفتها وعلاقاتها الداخلية والخارجية، وان لايكون ثمة عقد محدد بين الشعب والسلطات التي تصدت لقيادته، فكل ذلك يتطلب العودة الى الاسئلة البديهية.

ومن تلك الاسئلة الاولى حديث متقطع يرتفع ثم يخفو عن طبيعة النظام السياسي العراقي، واذا كان بالفعل هو السبب الجوهري لكل العجز عن الانجاز والارتباك في تحديد الاولويات، بل واليأس احياناً امام مهمات من المفترض ان تكون حلولها بديهية بدورها مثل القضاء على الفساد وترطيب البيئة السياسية المتوترة.

“امام بلد يتم استباحته بشكل منتظم على يد بيئة سياسية غارقة في الفساد والفوضى والصراعات والتسقيط المتبادل، ليس ثمة بديهية”

ويبدو ان الوقوف اليوم لمحاكمة تجربة النظام البرلماني برمتها، وتحميلها مسؤولية كل الخراب الحالي، امر خطير، ولايمكن التسليم به تماما، في ضوء حقائق تتعلق بطبيعة التطبيقات العملية لهذا النظام، والضغوط والظروف غير الطبيعية التي رافقت صوغه، وعجز القوى المختلفة عن تطويره وتقويمه وسد نواقصه، وتدعيم آلياته، لكنه مع كل ذلك سؤال بديهي لم تتم الاجابة عنه خلال السنوات الطويلة الماضية.

هل غير النظام البرلماني الدولة العراقية؟ كان يجب ان يفعل، وكان يجب لدولة تنتقل من ارث قرن كامل من القوانين والاليات والانظمة المكيفة لخدمة نظام رئاسي شمولي يتخذ القرار فيه من شخص واحد، ان تعيد صوغ نفسها لتتكيف مع النظام الجديد، وكانت نحو 13 عاماً من التطبيق الفعلي للنظام أكثر من كافية لتحقيق ذلك.

يقول وزير عراقي محنك وصاحب تجربة ادارية طويلة، ان آليات عمل الوزارات العراقية قائمة على نظام شديد المركزية يضع الوزير بمنزلة الرئيس المطلق المتحكم، وان محاولات تغيير قوانين الوزارات التي تمت بعد 2003 لم تغير في هذا الواقع شيئاً بل انها ربما زادت تعقيده، بما سمح لوزراء بتحويل وزاراتهم الى ضيعات لاحزابهم ومكوناتهم وحتى عائلاتهم، في مقابل ان النظام لايمنح رئيس الوزراء نفسه مثل هذه الهيمنة، ما دفع برؤساء حكومات سابقين الى محاولة تأسيس دولة ظل للاستحواذ على قرار كل وزراة من وزيرها عبر ما باتت تعرف اليوم بـ”الامانة العامة لمجلس الوزراء”، او حتى من خلال الهيئات المستقلة التي وجد رئيس الحكومة مدخلاً لتصبح تحت هيمنته.

تلك مقاربة واحدة من بين مقاربات لاتقل أهمية، تخص عجز الوزارات عن التكيف مع اللامركزية مثلاً، وتمنع النظم والقوانين والثقافات عن التكيف مع دور البرلمان كسلطة اساسية لصنع القرار، وايضاً قيادة توجهات الحكومة وخطوطها العامة ومراقبتها ومحاسبتها وتغييرها اذا تطلب الامر، حتى ان صلاحيات رئيس الجمهورية المحددة في نطاق الدستور، لايتم فهمها على مستويات ثقافية وشعبية مختلفة ، فالرئيس في رؤية معظم العراقيين مازال عليه ان يكون صاحب القرار التنفيذي ورأس السلطة.

“هل تكيف العراقيون على كل المستويات مع طبيعة النظام البرلماني بعد 13 عاماً من تطبيقه؟”

ليس الأمر لعباً بالمحظورات، فامام بلد يتم استباحته بشكل منتظم على يد بيئة سياسية غارقة في الفساد والفوضى والصراعات والتسقيط المتبادل، ليس ثمة بديهية، والاصل هو العودة لمناقشة اسس كل هذا الارتباك ومواجهة الاسئلة الصعبة والاجابة عنها بشكل جماعي.

ومن الغريب ان تكون أكثر الاسئلة صعوبة هي أكثرها بديهية مثل : هل تكيف العراقيون على كل المستويات مع طبيعة النظام البرلماني بعد 13 عاماً من تطبيقه؟ وماهي المحاذير التي تمنع تطويره او تغييره اذا تطلب الامر؟ ولماذا تخشى الاحزاب السياسية مواجهة الجمهور بحيرتها امام التضارب الصارخ في فلسفة الدولة الادارية وفلسفتها السياسية؟ وماهي آليات التغيير آلامنة والمطمئنة للجميع اذا حصلت قناعة التغيير؟

ليس لدى احد في العراق الوقت للاجابة .. فالكل مشغول بالتنابز بالاسئلة، كما التنابز بالاتهامات، وتدوير الحيرة وتوريثها للاجيال القادمة.

المصدر:جريدة الحياة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات