الأربعاء 21 أغسطس 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

في تغليب أمن إيران على مصلحة العراق

في تغليب أمن إيران على مصلحة العراق

كما كان متوقعاً، فإن الكلام الذي أدلى به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مقابلته مع تلفزيون سي. بي. إس. قبل ثلاثة أيام والذي صرّح فيه من بين ما صرّح به أنه ينوي إبقاء القوات الأمريكية في العراق لأنه يريد «مراقبة إيران قليلاً إذ أن إيران مشكلة حقيقية»، ذلك التصريح أثار ضجة كبيرة في بغداد، ناهيكم من وقعها في طهران. وقد توالت تصريحات التنصّل أو الإدانة من أطراف عدة، من بينها على سبيل المثال لا الحصر الرئيس العراقي، برهم صالح، وقائد حركة «عصائب أهل الحق»، قيس الخزعلي.
والحقيقة أن ردود الفعل تلك إنما غلّبت مصلحة الدولة الإيرانية على مصلحة العراق وشعبه. ليس القصد هنا أن ما صرّح به ترامب هو لصالح العراق، بل على العكس تماماً، القصد هنا أن نوايا ترامب المعلنة إزاء العراق أخطر بكثير مما قاله بصدد إيران. فإن الاحتجاج كان ينبغي أن يتركّز على نوايا ترامب في العراق وليس على صون مصلحة إيران في بلاد ما بين النهرين. والحال أن ترامب كان دقيقاً في كلامه: قال تحديداً إن «مراقبة إيران قليلاً» هي «أحد الأسباب» التي تجعله يريد الإبقاء على قاعدة «عين الأسد» الجوّية في منطقة الأنبار. وقد أبدى إعجابه بالقاعدة التي زارها في نهاية العام المنصرم على طريقة زيارة قاسم سليماني لقواته وأعوانه في العراق، أي كالمحتل الذي يزور أرضاً محتلة يصول ويجول فيها كما يروق له بدون إذن من أصحاب الأرض الشرعيين.

“ردود الفعل تلك إنما غلّبت مصلحة الدولة الإيرانية على مصلحة العراق وشعبه”

إن السبب الرئيسي لنيّة ترامب الإبقاء على قوات بلاده في العراق في حين أنه يعلن بفخر على الملأ رغبته في سحبها من سوريا وأفغانستان، السبب الرئيسي في ذلك ليس إيران. وقد استغبى ترامب الناس على عادته بقوله إن قاعدة عين الأسد «متواجدة في مكان ممتاز لمراقبة شتى أنحاء الشرق الأوسط المضطرب» تفسيراً لرغبته في الاحتفاظ بها. ذلك أن منطقة الشرق الأوسط مليئة بالقواعد الأمريكية الجوّية والبحرية، وأهمها في تركيا والكويت والبحرين وقطر فضلاً عن التواجد العسكري الأمريكي في الإمارات والمملكة السعودية ومصر، فضلاً عن الأسطول الأمريكي الخامس، بحيث أن مراقبة إيران كما ضربها عسكرياً متاحان تماماً لواشنطن (ناهيكم من أن التكنولوجيا العصرية ولاسيما الأقمار الصناعية قادرة على «مراقبة» دقيقة بدون حتى الحاجة إلى قاعدة). ومن جهة أخرى فإن كانت الغاية من البقاء في العراق تتعلّق بمحيطه، كيف يبرّر ترامب رغبته في الخروج من أفغانستان وهي تقع في موقع استراتيجي بالغ الأهمية بين الصين وقلب روسيا؟

إن الحقيقة وراء عزم ترامب على إبقاء قوات بلاده في العراق تكمن في الفرق الرئيسي بين أفغانستان وسوريا من جهة، والعراق من الجهة الأخرى، وهو الفرق ذاته الذي يميّز الكويت وليبيا عن البلدين الأولين، والذي يميّر فنزويلا عن كوريا الشمالية، فرقٌ ترمز إليه أحرف ثلاثة بالعربية والإنكليزية على حد سواء، قصدنا بالطبع: نفط. ولا بدّ لأي عاقل من أن يوقن أن أمريكا لا تتدخل بكثافة سوى حيث ترى مصلحتها وليس لأي أسباب متعلّقة بحماية الناس أو تحقيق الديمقراطية، وهي التي تضمّ قائمة أعزّ أصدقائها ما يكفي ويفي من القتلة والمستبدّين! فحتى إعلانات ترامب أن أحد أسباب موقفه العدائي إزاء إيران هو حرصه على «حماية إسرائيل»، كما كرّر في مقابلته مع القناة الأمريكية، إنما لا تعدو النفاق هي أيضاً. ذلك أن إيران كفنزويلا دولة نفطية أساسية، يزيد من أهميتها أنها تقع في أهم مناطق العالم النفطية وأنها تشكّل تهديداً امنياً وسياسياً لمصالح أمريكا الإقليمية المتمثّلة بالدول العربية النفطية التابعة لواشنطن، وأن وظيفة إسرائيل هي بالتحديد في لعب دور كلب الحراسة صوناً للمصالح الأمريكية تلك.

“الاحتجاج كان ينبغي أن يتركّز على نوايا ترامب في العراق وليس على صون مصلحة إيران في بلاد ما بين النهرين”

أما العراق فلا يني ترامب يكرّر في مناسبة وغير مناسبة أنه يحوز على ثاني أهم احتياطي نفطي في العالم (في حين أن العراق في المرتبة الخامسة من حيث الاحتياطي النفطي المؤكد بعد فنزويلا والمملكة السعودية وكندا وإيران، إلّا أن دقّة المعلومات ليست من سمات الرئيس الأمريكي كما هو معروف). وهو يشير بذلك إلى ما صرّح به مراراً في السنوات السابقة لتولّيه رئاسة الولايات المتحدة وخلال حملته الرئاسية بالذات، وألمح إليه أكثر من مرّة بعد ذلك بما فيها عندما تحدّث مع رئيس الوزراء العراقي السابق حيدر العبادي قبل شهر من زيارته لقاعدة «عين الأسد». فلم يخفِ ترامب أبداً نيته الاستيلاء على نفط العراق ورأيه أن ذلك من «حقّ» بلاده نظراً لما أنفقته في «تحرير» العراق، وكأنّ الولايات المتحدة احتلّت العراق حرصاً على تحرير شعبه من الاستبداد، وقد انطلقت قواتها من أجل ذلك من المملكة السعودية، جارة العراق وجنّة الحرية والديمقراطية بعرف العالم أجمع!
أن يصرّح رئيسٌ أمريكي أعلن مراراً نيّته الاستيلاء على نفط العراق، أن يصرّح بأنه ينوي الإبقاء على قوات بلاده في بلاد ما بين النهرين خلافاً لرغبته في سحبها من شتّى البلدان التي لا تحوز على ثروة نفطية، فهذا، وليس الحرص على أمن إيران، ما يجب أن يكون سبب الاحتجاج، بل سبب المطالبة بانسحاب القوات الأمريكية من العراق، كما من المنطقة بأسرها.

المصدر:القدس العربي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات