الخميس 20 يونيو 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

قوالب جاهزة للخندقة والتصنيف

قوالب جاهزة للخندقة والتصنيف

الخندقة والتصنيف والازدهار والتصحر والترهل والانحسار مفردات تجدها مضافة للعلاقات الانسانية لقولبة الأفكار بقوالب شتى، ولا شك أن الاستغراق فيها واعتمادها سيولد مزيدا من الشقاق والتفرق والصدود وعدم اللقاء بين من يتبناها وبين الآخرين، ولكي تكون هذه المفردات التي يطرحها المقال مفهومة معلومة دعني أحدثك عزيز القارئ عن بداياتها القريبة بحادثة فيه لمحة منها.

فقد حدثني رجل خاض المعتركات السياسية في العراق على تقلبات المراحل واختلاف قادتها منذ عهد الحكام السابقين وحتى وصولنا الأليم لمرحلة الحكام السارقين، كما ورد وصفهم بقصيدة شاعر بصري، يقول الرجل المعارض لكل الحكام السابقين والرافض المناهض لكل الحكام السارقين في عصرنا الحاضر، إنه كان في يوم من الأيام قبل عقود مضت مع أولاده في شارع الرشيد كان يشتري لهم الملابس والأحذية استعدادا للعيد الذي سيأتي بعد ثلاثين يوما لكنه آثر أن يقسط حاجيات أولاده كل واحد منهم أو كل اثنين في شهر ومن ثم عاد إلى بيته واستراح فوق السطح، ينظر إلى النجوم ويتفكر في حال البلد فأخذته هذه الأفكار إلى مساحة الحلم فنام، ولم يستيقظ إلا على وقع أفراد جهاز الأمن وهم يتقافزون عليه من سطح الجيران هكذا هي الطريقة السابقة في قديم الزمان كانوا يوقظون الشارع من بدايته حتى بيت الرجل المطلوب.

“الخندقة والتصنيف والازدهار والتصحر والترهل والانحسار مفردات تجدها مضافة للعلاقات الانسانية”

يا ترى هل تعلم عزيزي القارئ لماذا كل هذا، أنا سأقول لك بكل شفافية لأن الجيران في السابق أهل وكانوا لحمة واحدة تتزاور مواعينهم بينهم في الغداء والعشاء، وفرح بيت بينهم فرحهم جميعا وكذلك الحزن، فمن الطبيعي أي جهاز قمعي يتحسب من هذه العلاقة المريبة التي تهدده، كل بيت من بيوت المحلة يشعر أن ابن جيرانه يعني ابنه فلذلك كانت الأجهزة الأمنية تدخل عددا من بيوت المحلة التي تحيط ببيت الهدف مخافة أن يفلت منهم، وبحمد الله لم يفلت صاحبنا منهم فقد كان يغط في همٍّ عميق، ويلوك بين أضراسه متطلبات لا يقوى على القيام بها لأسرته ولا يستطيع أن يتناساها، ولو فلت منهم لما كانت وصلتنا هذه الحكاية.

ويتابع صاحبنا الحاج أن الدورية التي اقتادته سلمته إلى دائرة التحقيق ركلًا فتسلمته الأخرى لكمًا حتى انتهى إلى غرفة التحقيق وقد تراءت أمامي في أثناء وصفه لها صورة الأفلام القديمة غرفة مستطيلة وطاولة مربعة يجلس ضابط على كرسي ويوجه أسئلة غبية، ومفوض بالضرب عند رأس المتهم يضربه كلما تلكأ في الجواب، يقول صاحبنا كان السؤال غريبًا لماذا تريد حرق بناية الدائرة التي تعمل فيها؟ فقال المتهم أي دائرة؟ فجاءته ضربة تنبيهية على قفا رأسه فأجاب لم أفعل، فسمع هاتفًا من خلف رأسه وإذا به المحقق نفسه يقول له إنك تريد حرق الدائرة نكاية بحزبنا ونكاية بتوجهات القائد والزعيم وما إلى ذلك من أوصاف الجلالة الثورية وقتها وإن الدليل على فعلتك هذه، سلة المهملات القريبة من مكتبك فقد وجدنا فيها عقب سيكارة وأوراقا قابلة للاشتعال، ضحك المتهم ضحكة هستيرية ظل صداها يتردد بأرجاء الغرفة فقال له يا سيادة المحقق لو كان لدينا مثلك خمسة عشر شخصا آخر لما احتجنا الى وزارة الداخلية بكل تفاصيلها.. تفاجأ المحقق من قوله وقال له لماذا؟ فقال له لأنك من سلة المهملات القريبة مني عرفت أني أحرق أوراقا قابلة للاشتعال وهذه عجيبة مع أن كل الأوراق قابلة للحرق، ومع أني لا أدخن أصلًا، ربطت  وجود السيكارة بي، وكل من معي من الموظفين يعلم ذلك، ولكنك وحدك عرفت أنني من كنت أنوي حرق البناية فيا ليت مثلك في كل محافظة من محافظات العراق تستطيعون توجيه التهم للآخرين من سلة مهملاتكم فانهال عليه بالضرب وساقه إلى المحكمة فقضى في السجن بضع سنين.

“نشهد اليوم على مستوى الأحزاب والمؤسسات والتجمعات تخندقات بحسب الهوى والهوس والاهتمامات المملوءة والفارغة”

هنا انتهت قصة هذا الرجل السبعيني ونعود إلى أصل المقال أن القوالب الجاهزة للاتهام والتصنيف كانت سمة من سمات دوائر التحقيق ومنابزات الأحزاب فيما بينها لكنها حين تكون مرضا بين أبناء المجتمع فتلك هي الكارثة فقد أصبح الجميع يشك بالجميع والكل يتهم الكل، اعتماد هذا الأسلوب ليس صحيحا في الحياة ويوقعك في الخطأ كثيرا، فمثلا لو رأيت رجلًا يقرأ مبادئ المادية الديالكتيكية للحزب الشيوعي هل يعني ذلك أنه شيوعي قد يكون يقرأ للاطلاع أو الرد عليها ومثله كذلك لو قلت لمسؤول من السارقين الجدد ماذا قرأت اليوم فيقول لك قرأت قرآنا فهل يعني هذا انه مؤمن فقد يكون رياءً ولو سألت مثقفا عن مجموعة من الكتب أو سألته عن فكرة متبناة من حزب معين أو فئة أو مجموعة هل من الصحيح أنك تصنفه على هذا الأساس، الثقافة والتبادل الرأيي شيء وتبني الأفكار شيء آخر، ولذلك ترى تجارة خندقة العلاقات رائجة هذه الأيام فلا بد من تصنيف يضعك فيه من يمارسها من باب التحذلق والفطنة البائسة.

ثمة ممارسة مريضة تشهدها المجتمعات التي تعاني من أوبئة كثيرة ليس أقلها الاحتلال، ومن جاء معه فنشهد اليوم على مستوى الأحزاب والمؤسسات والتجمعات تخندقات بحسب الهوى والهوس والاهتمامات المملوءة والفارغة، وكل يصنف بحسب المجموعة التي تحيط به أو يقترب منها أو تجمعه بها اهتمامات مشتركة وانتقلت هذه العدوى إلى أفراد المجتمع فأضحى كل من أصابته متَّهَما بانتمائه ويتهم الآخرين تبعا لذلك، وسبيلهم في ذلك نقل الكلام بأسلوب مريض يشل الحياة.

المصدر:جريدة البصائر

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات