الأحد 24 مارس 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

استراتيجية واشنطن وحكومة الميليشيات الموازية

استراتيجية واشنطن وحكومة الميليشيات الموازية

لم تَحُل الظاهرة الصوتية التي تتبناها خطوط من الحشد الشعبي والتيارات السياسية الداعمة لها بشأن التصريحات المضادة للوجود الأمريكي في العراق؛ دون مجيء مزيد من المسؤولين الأمريكيين إلى بغداد لفرض الإرادات وتسيير مركب العملية السياسية ومتعلقاتها وفق الوجهة الأمريكية التي لا تواجه تعارضًا حقيقيًا مع الرؤية الإيرانية، بخلاف ما هو شائع أو يُراد له أن يكون باديًا في الإعلام.

“تخشى إيران أن يكون أصحاب الخط الثاني من أتباعها في العراق قد صدّقوا ادعاءاتها بعداء أمريكا

القائم بأعمال وزير الدفاع الأمريكي أو ما يطلقون عليه وزيرًا بالوكالة باتريك شاناهان، جاء إلى العراق كالعادة بشكل مفاجئ للجميع، ودون علم مسبق من الحكومة التي ما تزال متجردة عن الحياء وهي تتحدث عن السيادة والاستقلالية، وبعد أن رتب الزائر بعض القضايا مع قوّات بلاده هناك، وبحث خططًا تتعلق بمستقبل التحالف الدولي؛ خصص شيئًا من وقته لمقابلة رئيس حكومة بغداد الحالية؛ ليُحيطه علمًا بما سبق أن أكده سلفه جيمس ماتيس الذي استقال مؤخرًا بعد تصاعد وتيرة خلافاته مع الإدارة الأمريكية على خلفية مزاعم الانسحاب من سورية؛ بأن بقاء الوجود العسكري في العراق هو بطلب وإقرار حكومي مسبق ولا ينبغي لبغداد أن تغفل عن أن للولايات المتحدة استراتيجية ستمضي بتطبيقها، وهذا ما يُستنتج على الأقل ظاهريًا.

وبالعودة سريعًا إلى تصريحات نشرت قبل أيام خلت؛ تظهر أطرافُ حقيقةٍ طالما حاول المتحركون في فلك العملية السياسية تعميتها؛ حينما أصدرت سفارة الولايات المتحدة في المنطقة الخضراء ببغداد تصريحًا قالت فيه: إن (المشرّعين العراقيين) ـ مجلس النوّاب ـ لا يفهمون حقيقة الوجود الأمريكي في العراق؛ وهي رسالة صريحة تحاول واشنطن من خلالها تذكير بيادقها بحقيقة وظيفتهم، والدور الذي يمارسونه في إطار مشروعها ذي الأبعاد المتعددة، والمدى الذي يجب أن يتوقفوا عنده في التعامل مع المشهد.

وبين هذا وذاك؛ يلفت الأنظار تسارع حكومة الميليشيات الموازية في بغداد ـ بتفويض إيراني ـ في كبح قيادات من الحشد وإغلاق مقرات لمجاميع منه رغم أنها كانت قبل أشهر تعدّ مهمّة في نظر السلطات الحكومية وذات أثر فعّال في الملف الأمني حيث استعملتها وسيلة ضغط في الميدان السياسي، ولعل المسلك الإيراني في ذلك أعمق بكثير مما هو في ظاهر ما تناولته وسائل الإعلام بالحديث عن كبت كل من ينتقد سياسة طهران أو يكشف عن تورطها في تصفية خصومها السياسيين من ناشطين وأصحاب رأي جماهيري.

“ثقة كل من واشنطن وطهران مقتصرة على فئات معينة في العملية السياسية أحزابًا وميليشيات”

تخشى إيران أن يكون أصحاب الخط الثاني من أتباعها في العراق قد صدّقوا ادعاءاتها بعداء أمريكا وعزمها على التصدي لوجودها العسكري، ولاسيما أولئك الذين لا يحظون بثقتها المطلقة وليس لديها معهم اتصال مباشر إلا من خلال سلسلة من المراجع أو ممن سخّرتهم للعمل عندها كأدوات مرحلية وفق معايير مصلحية تتحكم في ولائهم؛ ورغم أن هذا الصنف من الأتباع غير مؤهل لذلك؛ إلا أن نظام طهران بات قلقًا من ألا يتمكن أولئك من فهم اللعبة كما هي على أصولها المتفق عليها مع واشنطن، والتي يفهمها كبار قادة الميليشيات ويدركها أقطاب العملية السياسية؛ وحيث يبقى احتمال عرقلة النسق وإعاقة تنفيذ قائمًا، تطلب أن تكون هناك خطوة استباقية تحول دون التورط في تضييع المكاسب وتقنين المصالح وتأخر خطوات المشروع المشترك، فشرعت عمليات إبعاد العوائق تأخذ دورها في هذه المرحلة التي تطلبت حضورًا أمريكيًا إلى بغداد ليعطي انطباعًا آخر ويصرف الأنظار عن التآلف المُحكم بين الطرفين.

وفيما يجب أخذه بعين الاعتبار أن ثقة كل من واشنطن وطهران مقتصرة على فئات معينة في العملية السياسية أحزابًا وميليشيات رئيسة وأن ما دونها مجرد أوراق وقتية؛ فإن أكثر ما ينبغي أن تُصرف الأنظار عنه، هي النظريات التي تتحدث عن صِدام وشيك بين إيران وأمريكا؛ إذ ما تزال سياسة التخادم بينهما تمثل قطب الرحى في المشهد العراقي خاصة وفي مستقبل المنطقة بشكل عام، والمعطيات التي تبرز من حين لآخر؛ ليست سوى لمحات تخفي وراءها حراكًا أكثر اتساعًا وأدق تنفيذًا، تشير إلى أن هذه السياسة ما تزال بعيدة المديات، وليس من المتوقع أن تشرف على نهايتها في الوقت القريب.

المصدر:جريدة البصائر

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات