الإثنين 25 مارس 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

على وقع التهديدات الأمريكية.. الحشد الشعبي يتصدع من الداخل

على وقع التهديدات الأمريكية.. الحشد الشعبي يتصدع من الداخل

جاء خبر اعتقال زعيم مليشيا أبو الفضل العباس، المدعو أوس الخفاجي، لتثبت حقيقة لطالما نوهنا عنها وهي أن تلك المليشيات وزعاماتها لا تملك من أمرها شيئًا وتحركها القيادة الإيرانية كيفما تشاء وتتخلص منها إذا أصبحت غير ذات جدوى أو حملًا ثقيلًا يجب التخلص منه.

أوس الخفاجي الذي لمع اسمه في المعارك ضد تنظيم داعش في العراق، ومشاركته هو ومليشيته المسماة بـ”أبو الفضل العباس” في معارك النظام السوري ضد أبناء شعبه، وتصدره القنوات الفضائية ليلقي من خلالها سمومه الطائفية، وهو نفسه من خاطب أتباعه في أثناء الهجوم على مدينة الفلوجة، قائلًا لهم: “الفلوجة منبع الإرهاب، لا يوجد فيها شيخ عشيرة آدمي، ولا إنسان وطني ولا ملتزم دينيًا، حتى في مذهب أهل السُنة”، وأضاف “هذه المعركة فرصة لتطهير العراق واستئصال ورم الفلوجة منه وتطهير الإسلام منها”.

“أي تمرد أو انتقاد للتوجهات الإيرانية أو لتوجهات أتباع إيران في العراق، يجب أن يُقابل بحزم ليقطعوا دابر التمرد “

اليوم، يُقاد هذا الرجل إلى المعتقلات لأنه تجرأ وأشار إلى منبع الإرهاب الحقيقي المتمثل بالنظام الإيراني، من خلال دفاعه عن ناشط مدني هو الروائي علاء مشذوب الخفاجي وتعهده بالقصاص من قتلته، وبالتأكيد لم يكن دفاعه عن هذا الناشط لأنه أديب ومثقف، وليس لأنه ناشط مدني يناضل من أجل الحرية لبلده، بل دافع عنه حميةً عشائرية، كون ذلك الروائي ينتمي لذات العشيرة التي ينتمي لها أوس الخفاجي.

على ما يبدو أن أوس الخفاجي قد نسي نفسه وظن أنه لديه حظوة عند أسياده تُعفيه من المحاسبة إذا ذكر بعض جرائمهم أو توعد بالانتقام من مقترفيها، ولو كان ذلك مجرد كلام لامتصاص نقمة أبناء عشيرته أو نقمة أتباعه، لكن الرد جاء سريعًا، ليكون عبرة لغيره من قادة المليشيات، حتى لا يمنوا أنفسهم مجرد أمنية، بالتطاول على أسيادهم الذين جاءوا بهم من العدم ليجعلوهم أسيادًا وما هم بأسياد.

ومن ملاحظة تصرفات قيادات الحشد الشعبي ذات الولاء الإيراني، يتضح لنا بشكل جلي أنهم في موقفٍ لا يتيح لهم التغاضي عن أي طرف يتعدَّى على النفوذ الإيراني في العراق أو على أدواته الفاعلة فيه، ذلك لأنهم وفي خضم التحديات التي يواجهونها بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي أكد فيها بقاء قواته في العراق، لمراقبة إيران وأدواتها في العراق، وما تبعها من زيارة لوزير الخارجية الأمريكي للعاصمة بغداد، حاملًا لرسالة من الإدارة الامريكية للقيادة العراقية تُفيد بضرورة حل المليشيات، تجد تلك القيادات إن من أهم أولياتها الآن الحفاظ على الصف الداخلي لمجاميع المليشيات المنضوية تحت الحشد الشعبي وتوحيد توجهاتها التي تخدم الأجندة الإيرانية خلال مواجهتها للتحدي الأمريكي الجديد في العراق، كون العراق يمثل لإيران حجر الزاوية الذي يرتكز عليه البنيان الإيراني بالمنطقة، وإذا تزحزح فبنيانهم كله سينهار.

وبالتالي فإن أي تمرد أو انتقاد للتوجهات الإيرانية أو لتوجهات أتباع إيران في العراق، يجب أن يُقابل بحزم ليقطعوا دابر التمرد من الجذور، وفي هذا السياق تندرجُ كل عمليات الاغتيال التي تطال الناشطين والمثقفين الرافضين للوجود الإيراني في العراق، وتطال أيضًا كل من يدافع عن أولئك الناشطين كائن من كان، وهنا جاءت خطيئة أوس الخفاجي الكبرى، حينما ندَّد بقتلة الناشط المدني علاء مشذوب الخفاجي، حميةً عشائريةً لا دفاعًا عن حرية الرأي، فدفع ثمن ذلك غاليًا.

“التوجه الحاليّ للحشد الشعبي وبتوجيه إيراني هو فك ارتباط الحشد الشعبي بالمليشيات التي أسسته بالأساس”

وهذا المصير الذي لاقاه أوس الخفاجي أمام أعين جميع المليشيات العراقية وقادتها، هل يا ترى سيكون مصيره عبرة لهم؟ وهو الذي أثبت إخلاصه لإيران وقاتل لأجلها بكل الساحات، سواء في العراق أم سوريا، وهل حادثة الاعتقال تلك ستزيل الغشاوة عن أعينهم ويدركون أن إيران لا تنظر إليهم سوى كونهم مجرد بيادق شطرنج تركتهم ليلعب بهم قاسم سليماني، وتضحياتهم لا قيمة لها ولا تساوي عندها شيئًا، إذا تعلق الأمر بمصالح إيران العليا ومستعدة لرميهم وقت ما تشاء حالهم حال كل مرتزق؟

لقد أثبتت لنا حادثة الاعتقال أن المليشيات ليست أكثر من نمر من ورق، فحينما شاءت إيران تصفية إحداها، لم يستغرق معها ذلك سوى بضع ساعات، لتعتقل فيها زعيمها وكل أفراد حمايته الذين أرادوا الدفاع عنه، وبالتالي فإن تلك المليشيات أقل شأنًا من أن تكون قوة قادرة على التصدي للقوات الأمريكية كما يدَّعون ويطبلون، وأضعف من أن يكون لديهم رأي مستقل أمام أسيادهم، فساعات قليلة كانت كافية لاعتقال زعيم مليشيا يُقدر أعدادها ببضعة آلاف، وكافية لتفرق صفهم وتنهي وجودهم، بل إن البيان الصادر من هيئة الحشد يصفهم بأنهم مجاميع مسلحة تدَّعي بانتمائها للحشد ويجب إخلاء مقراتها في بغداد.

وهكذا سيكون على الأرجح مصير باقي المليشيات، لا سيما أن التوجه الحاليّ للحشد الشعبي وبتوجيه إيراني هو فك ارتباط الحشد الشعبي بالمليشيات التي أسسته بالأساس، وهي عملية يُراد منها تفادي العقوبات الأمريكية التي أُقرّت ضد المليشيات في العراق، وبنفس الوقت سوف تكون جميع المليشيات مدمجة بمسمى واحد هو الحشد الشعبي، وبقيادة واحدة هي قيادة أبو مهدي المهندس ذي الولاء الإيراني المطلق، وهي بذلك تتخلص من مجاميع تلك المليشيات التي يصل عددها لأكثر من 70 مليشيا، لتجعلها بتنظيم واحد اسمه الحشد الشعبي، إيراني الولاء والطاعة ويتبنى عقيدة ولاية الفقيه ويأتمر بأوامر الولي الفقيه علي خامنئي.

المصدر:نون بوست

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات