الخميس 21 مارس 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

عن يوم المرأة وجيل عراقي بلا عُقد حزبية

عن يوم المرأة وجيل عراقي بلا عُقد حزبية

كما جرت العادة، ستقام بمناسبة يوم المرأة العالمي، احتفالات رسمية في معظم البلدان العربية. حيث سيقوم أولياء الامر من الحكام والساسة ورؤساء الأحزاب وأصحاب منظمات المجتمع المدني، بتلاوة المديح النسائي والتسبيح عليها وطليها بالثناء، وكيف انها تشكل نصف المجتمع ولولاها لما قامت للمجتمع قائمة… وأنها…. الى آخر الأسطوانة المشروخة، وهم ذات الحكام والساسة الذين يمارسون كل أساليب القمع والاضطهاد والتمييز ضدها، أما بشكل مباشر أو غير مباشر. فخطاب الوقوف بجانب المرأة والدفاع عنها كليشيه، تزويقية، ضرورية للأنظمة العربية للظهور بمظهر حضاري ومتمدن ونفي سمات التخلف والرجعية.
ولا يقتصر استغلال « قضايا» المرأة على الأنظمة، بل استنسختها، في ظل « الديمقراطية» منظمات المجتمع المدني، المتلقية للدعم بحجة «تمكين» المرأة والدفاع عن حقوقها. وكما جرت العادة، ما ان تشارف ساعات « يوم المرأة» على الانتهاء حتى يكرر المسؤول والسياسي وعوده بتحسين الأوضاع وإصدار القرارات بين يديه ويرميها بأقرب سلة مهملات. أما منظمات المجتمع المدني فإنها ستواصل خطاب التمكين الى أن ينتهي الدعم المالي المكرس للتسويق والذي وفر لأصحابها ما لم يكونوا يحلمون به لولا المتاجرة بقضايا المرأة.
هذا، بطبيعة الحال، لا ينطبق على كل منظمات المجتمع المدني، اذ يخوض عدد منها صراعا قد يستهلكها، أحيانا، من اجل الحفاظ على استقلاليتها المادية والعملية. كما تبرز، بين الآونة والأخرى، مجموعات مكونة من ناشطين، يجمعهم هدف الحراك من أجل الكل، بلا استثناء، وبلا تمييز بين المرأة والرجل، مما يعيدنا الى حقب حركات التحرر الوطني، التي شارك في خوضها ودفع ثمن التحرر من الاستعمار وهيمنته واستغلاله للشعوب، كل أبناء الشعب من الرجال والنساء معا. مثل هذه النشاطات، بآليتها وسيرورتها، المستقلة، تساعد على التشبث بالأمل، وابعاد شبح الأسى والإحباط العام، بعيدا عن « الأيام» المُختطفة من قبل الأنظمة والساسة.
من بين النشاطات التي نثرت حماسا، غير معهود، في الأسابيع الأخيرة، في الاوساط العربية، والعراقية خاصة، بلندن، وهي المنشغلة عادة بمراكمة المآسي، قيام مجموعة من الناشطين، بنشاط نوعي جديد، استحوذ على تغطية إعلامية متميزة، نسبيا، من قبل أجهزة الاعلام الغربية.
تضمن النشاط أوجها عدة. اعتصامات وأفلام وملصقات ومعرض وورشة فنية. فخلال شهر كامل، سبق افتتاح المتحف البريطاني معرضا بعنوان «أنا آشور بانيبال ملك العالم ملك آشور» عن الامبراطورية الآشورية، ومركزها نينوى عملت المجموعة (لا يزيد عدد أفراد نواتها على أصابع اليد الواحدة) على الاعتصام المتكرر داخل وخارج المتحف، بحضور مئات المشاركين، وتصوير كل ما يحدث ومن ثم نشر الأفلام والتصريحات والمقابلات عبر مواقع التواصل الاجتماعي باستهداف مكثف. احتج الناشطون على تمويل شركة النفط البريطانية «بريتيش بتروليوم» للمعرض. وهي الشركة التي تركت آثار استغلالها البشع على كل البلدان التي عملت فيها، ومنها العراق «ووفقاً لوثائق الحكومة البريطانية الصادرة في عام 2011، كانت شركة بريتش بتروليوم مستقتلة للدخول إلى العراق قبل غزو عام 2003، حيث «مجال النفط الكبير». مما يجعل الشركة، متواطئة في حرب أسفرت عن مقتل مئات الآلاف من العراقيين وتشريد الملايين، حسب تصريح الناشطين.

عند مراجعة تفاصيل نجاح المجموعة، والتغطية الإعلامية التي حظيت بها، من قبل صحف معروفة مثل « الغارديان» و«الاندبندنت»، وعدد من المواقع الفنية، نتوقف لنتساءل: ما الذي جعلها تحقق ما لم تتمكن نشاطات أخرى للجالية العراقية وغيرها من تحقيقه؟
هناك أسباب عديدة.
أولا: قامت المجموعة بعدة نشاطات متنوعة لتستقطب بذلك جمهورا متعدد الاهتمامات. ثانيا: تمت الاعتصامات داخل وخارج حيز غير سياسي، بل معروف، عالميا، باحتضانه للحضارات من جميع ارجاء العالم، بحيث ان « استعمارية» المكان، من ناحية الاستيلاء على كنوز وآثار البلدان المستَعمرة، مختلف عليها حتى بين الكثير من المثقفين الذين تعيش بلدانهم حروبا ونزاعات «أهلية». إذ يرون في المُستعمِر من يحافظ على الآثار في مكان واحد بينما يقوم أبناء البلدان، أنفسهم، بتهريب آثارهم لتباع في الأسواق العالمية وتُركن، الى الابد، في خزانات لا يمكن حتى القاء النظر عليها. ولم تستهدف الاعتصامات «حضارية» المكان بل تمويل المعرض لتضيء جانبا يحمل أقسى التناقضات.
ثالثا: لم يقتصر النشاط، بأوجهه المتعددة، الاحتجاجية والفنية، على تأثير سياسة الشركة على العراق، لوحده، بل فضح سياستها في بلدان مختلفة من العالم. هذه المعالجة أنقذت المجموعة من السقوط في «غيتو» الصراع بين الضحايا وتنظيم نشاطات تفتقد الى التواصل التضامني. وهو مطب كبير، بات سائدا في العقدين الأخيرين، حيث يتم جلب الانتباه الى مأساة بلد ما أو مجموعة بشرية أو أقلية أو جندر، دون ربطها بما يجري للآخرين في البلد نفسه أو في بقية ارجاء العالم، فتكون النتيجة تفتيت القضايا الإنسانية واستهلاك جهد الناشطين.
رابعا: رأينا في النشاط المتنوع عودة الى التضامن، بمفهومه الحقيقي، بين مجموعة من الناشطين الذين ينتمون الى بلدان مختلفة ويجمعهم الوعي بعولمة الاستغلال من قبل شركات احتكارية عابرة للأوطان، يهيمن عدد منها على الثروات الوطنية، بينما تقوم أخرى ببيع السلاح.
وتراعي كلها تبييض الوجوه بـ«المساعدة الإنسانية» وتوفير الدعم لنشاطات ثقافية وحضارية. ازدواجية هذه الأدوار، تطرق اليها منظمو الاعتصامات والمعرض بشعارات ذكية واعمال فنية رائعة، ساعدت الجمهور على النظر أبعد من الاعراض السطحية.
خامسا: ينتمي أفراد المجموعة التي قامت بالتنظيم، كونهم شبابا، الى جيل عراقي لا يحمل حقائب العُقد السياسية، وموروث صراعات الماضي، وانعكاساته على نشاطات المنتمين الى الأحزاب السياسية التقليدية. ما يحملونه هو حب العراق والاعتزاز بحضارته وعدالة قضيته، وهذا هو الأهم. وهم يماثلون، بذلك، الجيل الفلسطيني الذي وُلد وعاش، بعيدا عن الوطن، ولم يزر افراده فلسطين الا ان فلسطين، بالنسبة اليه، قضية عادلة، تمس جوهر الوجود الإنساني، ولا يمكن التخلي عنها الا إذا تجرد الفرد من انسانيته.

المصدر:القدس العربي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات