الأحد 16 يونيو 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

روحاني في العراق.. موسم الحصاد

روحاني في العراق.. موسم الحصاد
حبر كثير سال تعليقاً على زيارة الرئيس الإيراني، حسن روحاني، إلى العراق، الأسبوع الماضي، وجدل أكثر حول هذه الزيارة، ليس لأنها لرئيس إيران وحسب، فقد سبق أن زار الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد العراق، ولكن كونها جاءت في ظرف حساس، ليس لإيران وحسب، وإنما للمنطقة بشكل عام، وللعراق خصوصاً. جاءت الزيارة بعد أن تضاءل وانحسر نفوذ تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، سواء في العراق أو سورية، وهو التنظيم الذي لعبت إيران دوراً في محاربته، دورا اختلف باختلاف الأهداف والنوايا الإيرانية بين العراق وسورية. كما أن الزيارة تأتي في ظل أزمة إيرانية – أميركية، بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، وفرض واشنطن عقوباتٍ اقتصادية على إيران، سريعاً ما وجدت صداها على الاقتصاد الإيراني الهش. وأيضاً جاءت زيارة روحاني مع تصاعد نبرة الإدارة الأميركية حيال النفوذ الإيراني في العراق، فالولايات المتحدة أكدت أنها عازمةٌ على مراقبة النفوذ الإيراني في العراق، من خلال وجودها العسكري المتمثل بأكثر من ستة آلاف جندي، ينتشرون في خمس قواعد عسكرية أميركية، زار إحداها الرئيس دونالد ترامب في عطلة أعياد الميلاد الماضية متخفياً، من دون أن يُبلغ مستضيفيه العراقيين الذين علموا بالزيارة بعد انتهائها. لهذه الأسباب وغيرها، كانت زيارة روحاني مختلفة، وحظيت باهتمام إعلامي كبير، ولعل الرئيس الإيراني الضيف أدرك جيداً قبل تلك الزيارة التي خطط لها قبل ثلاثة أسابيع من وصوله، أن زيارته ستكون محمّلة بالرسائل، فاختار أن ينقل بعضها صريحاً إلى من يهمه الأمر، بينما أبقى بعضها الآخر طي التأويل والتفسير المختلف.
“أراد روحاني أن يقولها صريحة لترامب وإدارته، أن إيران باقيةٌ في العراق وأنتم الراحلون”
تأتي زيارة روحاني إلى العراق بعد أكثر من خمسة عشر عاماً على احتلال الولايات المتحدة العراق، وإسقاط نظامه السابق، أكبر أعداء إيران، وسكين خاصرتها التي آلمتها كثيراً، هذا الغزو الذي رفضته طهران علناً، بينما عملت في الخفاء على تأييده وتشجيعه ومساندته حتى وتقديم كل دعم ممكن. تكلل الغزو الأميركي واحتلال العراق بنصر إيراني واضح، منذ الساعة الأولى لدخول قوات الغزو بغداد، فلقد رافقت كثيراً من تلك القوات الأميركية الغازية قوات شبه مسلحة عراقية، دربتها إيران منذ ثمانينات القرن الماضي، وساسة وأحزاب عراقية، كانت إيران راعية لها منذ سنوات، فمن هناك كانت بداية الظفر الإيراني الذي، ويا للكارثة، لم تستشعره أميركا التي كانت تصف إيران، بالإضافة إلى العراق وكوريا الشمالية، محور الشر في العالم.
منذ تلك اللحظة، وإيران تكبر وتتمدد في العراق، حتى حولت البلاد إلى حديقة خلفية، فهي لا تتحكم بالعملية السياسية وحسب، وإنما في كل مفاصل الدولة. والآن حان وقت جني المحصول، وحصاد ما زرعت طوال عقد ونصف العقد، فالعراق الورقة الإيرانية الأغلى والأهم بوجه عقوبات الولايات المتحدة، وهو، كما كان منفذاً إيرانياً للتحايل على العقوبات الأميركية قبل توقيع اتفاق النووي عام 2015، فإنه سيكون كذلك في ظل العقوبات الأميركية الجديدة.
ليس هذا فحسب، بل أراد روحاني أن يقولها صريحة لترامب وإدارته، أن إيران باقيةٌ في العراق وأنتم الراحلون، وأن لا قوة لأحد لمنع إيران من هذا الذي تراه حقاً لها، وإرثاً تاريخياً لأبناء فارس، العراق. الأخطر من ذلك أن الاتفاقيات التي وقعها روحاني وفريقه خلال زيارته العراق، رهنت العراق واقتصاده سنوات طويلة لإيران، ناهيك عن حصول طهران على حقوق وامتيازات، ما كانت لتحلم بها، مع أنها تستبيح البلاد منذ عقد ونصف العقد من خلال ساسة وحكومات غلب عليها الولاء لإيران على حساب العراق.
“أما كارثة شط العرب فمصيبة أخرى؛ لقد اتفق العراق وإيران، خلال زيارة روحاني، على إعادة العمل باتفاقية الجزائر الموقعة بين البلدين عام 1975”
خذ على سبيل المثال لا الحصر: وقع العراق اتفاقية للتبادل التجاري مع إيران، تهدف إلى رفع مستوى التجارة البينية إلى 20 مليار دولار، بعد أن وصلت إلى 12 مليار دولار سنوياً، فالعراق ومنذ 2003 وتفكيك مصانعه ومعامله والأضرار التي لحقت بزراعته، تحول إلى بلد مستورد لكل شيء، وبالتالي فإن إيران هي المستفيد الوحيد من اتفاقية من هذا النوع، سوف تسهم، بطريقة أو بأخرى، بالالتفاف على العقوبات الأميركية. الأمر الآخر، أن العراق وقع اتفاقيةً ألغى بموجبها رسوم التأشيرة على الإيرانيين، وهي تصل إلى 50 دولاراً للفرد، ولك أن تتخيّل كم خسر العراق جرّاء هذا الاتفاق، إذ يدخل العراق سنوياً من 5 إلى 7 ملايين إيراني. في المقابل، رفعت إيران التأشيرة نهائياً عن العراقيين الذين لا يتجاوز عدد من يزور إيران منهم 5 في المائة من مجموع عدد الزوار الإيرانيين للعراق.
أما كارثة شط العرب فمصيبة أخرى؛ لقد اتفق العراق وإيران، خلال زيارة روحاني، على إعادة العمل باتفاقية الجزائر الموقعة بين البلدين عام 1975، والتي ترسم الحدود، ومنها الحدود البحرية، حيث تم تقاسم شط العرب عند أعمق نقطة، وهي ما عرفت بخط التالوك، غير أن هذا الاتفاق بات اليوم مجحفاً للعراق، فبفعل الترسّبات، بدأ شط العرب يزحف باتجاه إيران، وإذا ما استمر الوضع كما هو عليه، فإنه سيتحول كله إلى شط إيراني. الاتفاقيات التي وقعت بين بغداد وطهران، خلال زيارة روحاني، رهنت ثروات العراق لإيران لسنوات مقبلة. صحيح أن إيران كانت تستنزف تلك الثروات عقداً ونصف العقد، غير أن هذا الاستنزاف، وهو الأخطر، بات رسمياً وبمباركة من الحكومة العراقية.

المصدر:العربي الجديد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات