الجمعة 23 أغسطس 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

بأيّ نموذج سياسي تواجه أميركا نفوذ إيران في العراق؟

بأيّ نموذج سياسي تواجه أميركا نفوذ إيران في العراق؟

بات الحديث عن مصير “الساحة العراقيّة” متداولا في البلاد، باعتبارها من أهم ساحات الصراع الأميركي – الإيراني المحتدم، لاسيما بعد أن نحت الولايات المتحدة مؤخرا، منحى تنفيذيا حادا في خنق النفوذ الإيراني بالمنطقة، فالعقوبات الأميركية قد دنت من إتمام عزل النظام الخميني الإيراني حد الشلل، وإفقاده موارده المادية والميل نحو التقليص من نفوذه عراقيا، دون وجود أي مؤشرات عن بديل مستقبلي للبلاد.

يأتي ذلك في وقت بلغ فيه العراق مبلغا في معاناته، فالتردي الاقتصادي والخدمي والاجتماعي في ظل حكم أحزاب المنظومة الخمينية، وصل إلى ما دون عتبة الانهيار وفق ما تشير الوقائع والأرقام، فالنظام الخميني اليوم هو الأكثر علما بحال الشارع العراقي ولاسيما الشيعي منه، الذي كفر بالأحزاب الحاكمة التابعة للفقيه، وأدرك سبب تعاسته، فصورة الخميني قد حُرقت في مدن الجنوب، وهُتف ضد الولي الفقيه في كربلاء، ما يعكس بداية تلاش في تأثير الأدوات القروسطية الغيبية، التي تعتمدها الخمينية في تعزيز نفوذها، والقائمة على شعارات المظلومية الشيعية، وإقامة نظام ولاية الفقيه الإسلامي.

“ما يبدو من رهانات أميركية في هذه المرحلة لا يتعدى أدوات من شخوص سياسية متذبذبة”

فالنظام الإيراني بدأ يفقد بشكل واضح تأثير موارده الناعمة شيئا فشيئا، وهو الذي طالما اعتمد على قوة التأثير الديني، والاستثمار في مصادر القوة الناعمة للهيمنة على المجتمعات الشيعية، وهو ما تكرّس في ما عرف بـ”الخطة العشرينية” التي أقرّت عام 2005 لتكون الأولى من نوعها، والتي أرادت من خلالها طهران، وضع مسألة تعزيز النفوذ الثقافي والديني ضمن أولوياتها، لتجعل من نفسها بحلول 2025 النواة المركزية الملهمة للعالم الإسلامي، بغض النظر عن أي مشروع يحقق بعض الرخاء والكرامة للناس المستهدفين بتلك الخطّة.

في ضوء معطيات كهذه عن فشل المنظومة الخمينية في تحقيق أي نموذج يحفز الناس للدفاع عنه، وترافقها مع ميل إدارة دونالد ترامب للعودة القوية إلى العراق، يحضر الجدل عراقيا حول الخيارات الأميركية المطروحة على الطاولة، وتزداد التساؤلات حول البديل الأميركي في بلد تتحمل الولايات المتحدة وزر تدمير بناه الدولتية والاجتماعية، وتحويل تنوعه المذهبي والعرقي إلى منظومة محاصصة سياسية مهدت الطريق لكل هذا الخراب.

فما يبدو اليوم في جعبة إدارة ترامب عراقيا، ليس أغنى مما في جعبة الإيرانيين، فالمنظومة الخمينية اليوم لا تمتلك سوى تعزيز أدواتها القديمة، والتي ليس بوسعها أن تجعلها متجددة على صعيد الخطاب والممارسة السياسية في عراق منهك، بات قاب قوسين أو أدنى من حالة الانتفاض العارم، فخيارات إيران ليست سوى وجوهها الميليشياوية والتصعيد في الخطاب التعبوي المذهبي، فهي كمن يعيد ترميم عجلة مهترئة غير صالحة للسير، إنما تستطيع إيقاف العربة على حالها وحمايتها ميليشياويا، لتضمن على الأقل أن يبقى العراق ضمن فلكها، وبقرتها الحلوب في هذه المرحلة التي يساعد إدرارها على سد الرمق الإيراني والتخفيف من أثر العقوبات.

وكذلك تبدو العجلة الأميركية اليوم، حيث لا تملك الولايات المتحدة خيارات سياسية مقبولة من الشارع وتضمن لها استقرارا سياسيا ومجتمعيا يقدم للعراقيين بديلا مقبولا على صعيد الإنجاز، فلا تحركات أميركية مباشرة في هذا السياق، كما لم تعمل الولايات المتحدة على إنتاج نموذج سياسي تصدره كبديل لعراق ما بعد صدام حسين، سوى ما جُسد عقب الاحتلال عام 2003، ونظم مسار الحالة السياسية والمجتمعية حتى الآن، وأوصلتها إلى ما هي عليه وتستمر في الفشل بإنجاز ذلك النموذج.

“فالنظام الإيراني بدأ يفقد بشكل واضح تأثير موارده الناعمة شيئا فشيئا”

ما يبدو من رهانات أميركية في هذه المرحلة لا يتعدى أدوات من شخوص سياسية متذبذبة، من ذات الشريحة السياسية الفاعلة ضمن العملية السياسية الجارية في البلاد، والتي أوصلتها إلى هذا التردي، لكن بفارق أساسي عن أدوات إيران، فالأخيرة تستند إلى ميليشيات مسلحة تتحكم بكافة مفاصل الحياة السياسية والإدارية في مؤسسات “الدولة”، وهو ما يخيف الجانب الموالي للولايات المتحدة في العملية السياسية، الذي يعلم جيدا أن التحكم المفصلي ما زال لإيران على أرض الواقع.

ورغم ارتفاع منسوب القوة الأميركية وتأثيرها في إضعاف إيران عبر العقوبات، والتي ستتعمّق نتائجها تباعا، والعودة الأميركية عسكريا إلى العراق عبر تعزيز قواعدها غرب البلاد وشماله، إلا أنها لا تزال تفتقد للخيار السياسي والإداري، المستند إلى قوة فعلية تغير الموازين على أرض الواقع، وأما الرهان على شخوص العملية السياسية فإنه سيبقي الولايات المتحدة تسير على ذات العجلة. كل ذلك في ظل غياب حالة عراقية مستقلة تطرح ما لديها بندية وسيادية على خصومها وحلفائها.

المصدر:صحيفة العرب اللندنية

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات