الثلاثاء 25 يونيو 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

أميون في ميدان السياسة

أميون في ميدان السياسة

تطفو على المشهد العراقي أحداث متزاحمة، كل جزئية منها جديرة بالمزيد من العناية والكثير من التحليل في ظل حالة التصعيد المصاحب للخلافات المفتعلة في المنطقة التي تسعى فيها القوى الإقليمية والدولية إلى إعادة رسم خارطة المصالح المشتركة، وتغيير أنماط تقسيم المكاسب.

أدوات العملية السياسية في العراق التي تمر بحالة من العشوائية والتخبط؛ تسير على غير هدى وهي تترقب مصيرًا بات في قبضة أيدي المتحكمين بها أكثر من أي وقت مضى، فلا تبدو حالة المرونة التي كانت الولايات المتحدة تمنحها لها حاضرة في الأداء، ولا يظهر من سلوك إيران ما يؤمّن لها مستقبلًا (مضمونًا)، بعدما انصرف الطرفان صوب مصالحهما العليا وانشغلا بمناكفات جلّها مفتعل والبعض القليل منها يعكس خلافًا مصلحيًا هو في الحقيقة ليس بجديد إلا فيما يتعلق بنوعية الخطاب ومستواه ومَدَيَاته؛ في حالة يُراد لها أن تبقى حاضرة لتغذي في العراق والمنطقة حالة الفوضى التي تعد نقطة أساسية تمنح المشروع الغربي وحليفه الإقليمي مسارات ومساحات تمهّد لمراحل لاحقة.

“الأميّون في العمل السياسي، خسروا قضية وفكرة ادعوا أنهم يعملون في ظلالها رغم أنها بكل يقين تلفظهم”

وإذا كانت أحزاب العملية السياسية رهينة الإرادتين الأمريكية والإيرانية قد وقعت في دوّامة الاضطراب والقلق وهي تترقب مصير لعبة الخلاف ومخرجات التصعيد؛ فإن أصحاب الدور الهامشي ممن يقتاتون على صدقات شركائهم ويرضخون كالموالي لإشارات يؤذن لهم من خلالها باتخاذ المواقف والمضي نحو اتجاهات لا يدركون مآلاتها حتى يجدوا أنفسهم في متاهات معقدة لا فكاك منها إلا بالركون في زوايا ضيقة؛ هم أشد اضطرابًا وأكثر تخبطًا، فيُحاولون تغطية هذا الحال بتشويشات يحسبون أن فيها فكاكًا من أزمتهم وخلاصًا من تبعات تورطهم في الانتماء لمنظومة استوردها الاحتلال وزج بهم فيها مجردين عن الصلاحيات، إلا ما كان في إطار اقرارهم بواقع خرب ونظام مزدحم بالأنقاض ومنحهم إياه نصيبًا من (شرعية) مغلوطة.

قبل ما يزيد على عقد من الزمان حينما كانت العملية السياسية في مراحلها الأولى؛ كتبنا عن التجربة السياسية في العراق بين حقيقة مبدأ مزعوم وانحراف سلوك المشاركين فيها ولاسيما من الأحزاب والشخصيات التي تؤطر (أيديولوجياتها) بإطار إسلامي مُفترض؛ أثبتت تلك التجربة أنه مرن وشفّاف إلى حد يعجز عن مقاومة أدنى درجات الاختراق، مما جعله في جزئيات وقضايا أساسية يقترب من التلاشي!

“أدوات العملية السياسية في العراق التي تمر بحالة من العشوائية والتخبط؛ تسير على غير هدى”

الاتكاء الذي تطلبه الأحزاب والشخصيات المعنية بوصف انحراف السلوك وانعدام المبدأ؛ من إعادة كرّة التبرير غير المنضبط لفشل تجربتهم، ومحاولة رمي تبعات ذلك الانحراف على عاتق غيرهم؛ أسلوب عقيم يتكرر من حين لآخر، وليس فيه ما يحقق لأصحابه سوى قناعات مصطنعة ومنمّقة ليغترّ بها جمهور سبق ترويضه وتدجينه، إذ إن اجترار الأحداث بطريقة مجتزأة ومضغ الأكاذيب بإسفاف وبلا حياء، لن يُغيّر من حقائق تأريخ قريب الأحداث ما يزال أكثر معاصريه أحياء، ولن تنال من تأريخ ولا مواقف الشيخ الجليل حارث الضاري ـ رحمه الله ـ مغالطات وافتراءات يدركُ مَن أجج الحديث عنها مؤخرًا قبل غيره أنها وسيلة مشوهة لا تكشف عن شيء أوضح من بيان أميّة سياسية تغشى طائفة من الجبناء ممن لا يزالون حتى اللحظة يرفضون الاعتراف أمام الملأ باعوجاج مسارهم وبفداحة ما أقدموا عليه من تحكيم الهوى على الثوابت، وتقديس الوسائل على حساب الغايات.

الأميّون في العمل السياسي، خسروا قضية وفكرة ادعوا أنهم يعملون في ظلالها رغم أنها بكل يقين تلفظهم؛ لتغافلهم عن ثوابتها، وانحرافهم عن مبدئها، وممارستهم عقوقًا فظًا تجاهها؛ ولأن تصحيح المسار يفرض على من يدعي الانتماء لقضية أثيرة دفع ثمن باهض للعودة إلى منطلقات الصوّاب؛ ولأنهم ما زالوا غير مؤهلين فكريًا ولا تربويًا لبذله أو العمل على بذله؛ يكون لزامًا على من يرفع اللواء بحق وصدق أن يتخذ موقفًا حازمًا يجعله لله ومن ثم للتأريخ في تنظيف الصف من الأدعياء وحفظ كيان الفكرة وأصالة القضية.

المصدر:جريدة البصائر

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات