الأحد 18 أغسطس 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

كيف تشتري صمت الحكومة البريطانية؟

كيف تشتري صمت الحكومة البريطانية؟

من الصعب، هذه الايام، العثور على خبر رسمي أو غير رسمي في أجهزة الاعلام البريطانية عن العراق. الا ان الشهور الأخيرة شهدت بعض المتابعة من جهات رسمية. فقد طرح أسقف كوفنتري، في الاسبوع الماضي، سؤالا على الحكومة، عن تقييمها للتقارير التي تفيد بأن حوالي 45000 طفل في مخيمات النازحين العراقيين، لا يحملون وثائق هوية مدنية، وما هو الموقف من الحكومة العراقية لضمان عدم استبعاد هؤلاء الأطفال من المواطنة والمجتمع العراقي في المستقبل؟ فكان جواب اللورد أحمد وزير الدولة، مصاغا بعناية دبلوماسية معتادة، بأن الحكومة البريطانية على دراية بالتقارير الإعلامية، وإن لم يتم التحقق من الأرقام المذكورة. وإن الحكومة مدركة لهشاشة وضع هؤلاء الأطفال ومخاطر استبعادهم من الجنسية العراقية والمجتمع في المستقبل. لذلك تستمر الحكومة ببيان قلقها للسلطات العراقية بما في ذلك أهمية الاعتراف الرسمي بجميع الأطفال. والمعروف ان عدد الأيتام، بالعراق، وصل حوالي 800 ألف طفل حتى نهاية 2017.

“الشركات الأمنية البريطانية تعمل في 17 دولة من بين 30 دولة تدرجها وزارة الخارجية تحت تصنيف دول لا تراعى فيها حقوق الإنسان”

آخذين بنظر الاعتبار ان الحكومة البريطانية برئاسة توني بلير وقفت جنبا الى جنب مع الادارة الأمريكية برئاسة جورج بوش، مستخدمة «تحرير العراق»، وإرساء حقوق الانسان، من بين ذرائع الحرب، وان معظم الوزراء واعضاء البرلمان، الحاليين، يعترفون بان شن الحرب كان خطأ تاريخيا، سيكون السؤال البديهي: لم لا تتخذ الحكومة اجراءات ردع أكثر فاعلية، بصدد انتهاكات حقوق الانسان التي تمارسها الحكومة العراقية، ضد مواطنيها، والتي تمس بشكل خاص الشرائح الأكثر ضعفا في المجتمع كالاطفال؟ ما الذي يمنع الحكومة البريطانية من اتخاذ موقف واضح صريح، تجاه حكومات ما بعد «التحرير»، على الرغم من كثرة التقارير المحلية والدولية عن انتهاكات حقوق الانسان، وبضمنها تقارير منظمة الأمم المتحدة؟ ثم ما هي آلية الضغط التي تتحدث عنها الحكومة البريطانية فيما يخص الالتزام بحقوق الانسان القانون الدولي؟ وهل هناك سابقة في هذا المجال؟
هناك آليات ضغط عديدة بامكان الحكومة البريطانية اللجوء اليها اذا شاءت. ونعم هناك سابقة تتعلق بالعراق. حيث « شهد عام 2002 نشرًا غير مسبوق لوثيقة عن حالة حقوق الإنسان في بلد واحد. في تشرين الثاني/نوفمبر، نشرت وزارة الخارجية ملفًا عن انتهاكات حقوق الإنسان، بعنوان «صدام حسين: الجرائم وانتهاكات حقوق الإنسان – تقرير عن التكلفة الإنسانية لسياسات صدام». جاء فيه تفاصيل عن التجاهل المنهجي للنظام العراقي لحقوق الإنسان لمواطنيه، بما في ذلك استخدامه للتعذيب واضطهاد الأقليات وعمليات القتل التعسفي المتكررة التي تحدث هناك». اذا كانت الحكومة البريطانية قد وقفت بهذا الشكل «الانساني الرائع» ضد سياسة النظام العراقي السابق في انتهاك حقوق الانسان لمواطنيه، لماذا السكوت الآن، وانتهاكات حقوق الانسان وصلت حدا لا يمكن السكوت عليه؟

هناك عدة أسباب، من بينها:

أولا: ان القوات العسكرية البريطانية، نفسها، منغمسة في كثير من الخروقات وبعضها يصل حد ارتكاب جريمة حرب. وتعمل الحكومة جاهدة على تشريع قانون يمنع محاسبة القوات مهما كانت الجرائم التي ارتكبها افرادها في البلدان المحتلة.
ثانيا: عقود النفط الموقعة بين شركات النفط البريطانية ووزارة النفط العراقية لصالح الشركات وفي جو الفساد المستشري بلا محاسبة.
ثالثا: العقود التجارية، اذ تشهد الصادرات من السلع والخدمات البريطانية إلى العراق ارتفاعا مضطردا، بمعدل زيادة عشرة بالمئة سنويا. وكان وزير شؤون الشرق الأوسط، قد زار العراق نهاية كانون الثاني/يناير، مؤكدا: «تجمع بيننا طائفةٌ من الأولويات المشتركة والمتزايدة باطراد، ومن بينها الأمن والتنمية والسياسة الخارجية والتجارة». تبعه وزير التجارة الدولية، معلنا أثناء زيارته العراق في 14 نيسان/ أبريل أن المملكة المتحدة ستوفر دعما إضافيا قدره مليار جنيه إسترليني للشركات البريطانية العاملة في العراق.
رابعا: تصدير السلاح والمعدات العسكرية. هناك زيادة كبيرة في عدد تراخيص التصدير. فخلال أربع سنوات فقط، من 2013-2017، زاد إجمالي عدد التراخيص أكثر من 12 مرة من 46 إلى 559 ترخيصا.
خامسا: تعتبر العقود التي حصلت عليها الشركات الامنية العسكرية البريطانية، بعد الغزو، من غنائم الحرب الكبيرة. هناك 80 شركة عسكرية بريطانية تعمل في العراق، ويقال إن بعض الشركات الكبرى تدين بوجودها للأرباح المكتسبة في الحربين ضد العراق وأفغانستان. ولوجود الشركات الامنية أذرع متعددة تمتد ما بين توفير الحماية والأمن الى القتال كمرتزقة، وان تفضل الشركات والدول التي تستأجرها عدم الاشارة الى ذلك. ما تفضل ذكره للتعريف بنفسها، كما تفعل شركة «أيجز» البريطانية الشهيرة، هو «شركة بريطانية للأمن وإدارة المخاطر مقرها لندن… لدينا خبرة كبيرة وقاعدة عملاء عالمية… نحن مزود أمن رئيسي للحكومة الأمريكية».

“القوات العسكرية البريطانية، نفسها، منغمسة في كثير من الخروقات وبعضها يصل حد ارتكاب جريمة حرب”

وتؤكد الشركة انها تعمل في العراق منذ عام 2004 ولديها «مجموعة كبيرة من عملاء قطاع النفط والغاز». تضاهيها بالعمل في حقول نفط البصرة، شركة «جي فور أس» البريطانية ذات التاريخ الطويل في إدارة نقاط التفتيش وسجون الاحتلال الصهيوني، حيث يتواصل التعذيب والمعاملة اللا إنسانية المهينة. وهي ذات الانتهاكات التي تعرض لها المواطن العراقي بالاضافة الى تدمير الممتلكات، وإساءة استخدام السلطة، وقتل المدنيين، كما في ساحة النسور ببغداد. وللشركة بالبصرة لوحدها 500 مسلح بأحدث الاسلحة و200 مصفحة عسكرية. وكان رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي قد منحها عقدا طويلا بعد ان تم الغاء عقود عالمية معها بسبب تاريخها السيئ.
يشير تقرير لموقع «رصد العنف المسلح» الى ان الشركات الأمنية البريطانية تعمل في 17 دولة من بين 30 دولة تدرجها وزارة الخارجية تحت تصنيف دول لا تراعى فيها حقوق الإنسان، وبضمنها العراق. فما الذي تفعله هذه الشركات هناك؟ ما هي الرقابة الموجودة في هذه العمليات، خاصة في بعض الأماكن التي تتورط فيها الحكومة في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان؟ ومن الذي يدفع هذه الشركات؟ يجيب التقرير: لا نعرف. والسبب هو انها تمارس اعمالها وحتى عناوينها واسماء الشركات بطرق تضليلية، كما ان تأسيسها، غالبا، من قبل عسكريين سابقين او بالتعاون مع عسكريين بريطانيين، يجعل التوصل الى تشعبات اعمالها ومدى تدخلها بالشؤون الداخلية للبلدان التي تستأجر فيها، صعبا جدا.
أما ما يرش الملح على الجروح فهو اعلان وزير شؤون الشرق الأوسط، اليستر بيرت عن تخصيص 16 مليون جنيه إسترليني لصندوق الإصلاح وإعادة الإعمار في العراق. وهو مبلغ يقل عن واحد بالألف لايزيد عن كونه فتاتا بالمقارنة مع مما غنموه من شن الحرب وتدمير البلد، و ما يغنمونه وهم يعبرون عن «قلقهم» على وضع اطفال بلا وثائق.

المصدر:القدس العربي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات