الإثنين 24 يونيو 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

هل تهيئ أمريكا ملفات ابتزاز حلفائها؟

هل تهيئ أمريكا ملفات ابتزاز حلفائها؟

تختمر في أجواء استعدادات الادارة الأمريكية لشن حرب أخرى بعيدا عن أراضيها، أسئلة ملحة حول مدى وحجم التعاون أو الشراكة التي غالبا ما يتم ادعاؤها من قبل الادارة الأمريكية من جهة والحكام العرب من جهة أخرى. ولعل أكثر التساؤلات أهمية، هو مدى ودرجة التعاون الاستخباراتي بين وكالة الاستخبارات الوطنية الأمريكية واجهزة الاستخبارات العربية، وبالتحديد عما اذا كانت وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA) تتقاسم آلية استخدام المعطيات والبيانات الحديثة المسماة « آر تي – آر جي» مع الدول العربية؟ ثم ما هي هذه الآلية التي باتت تربط الاستخبارات الأمريكية بمعظم الدول الغربية بلا استثناء؟ وما هي أهميتها بالنسبة الى الدول العربية؟ وهل تستخدمها أمريكا للحرب ضد الإرهاب فقط أم لإعداد الملفات لابتزاز حلفائها أيضا؟

“ليس سرا قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على مراقبة المكالمات الهاتفية للاشخاص وتجميع المعلومات عنهم ومن ثم اتخاذ اجراء رادع بحقهم تحت ذرائع مختلفة”

ليس سرا قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على مراقبة المكالمات الهاتفية للاشخاص وتجميع المعلومات عنهم ومن ثم اتخاذ اجراء رادع بحقهم تحت ذرائع مختلفة، لعل اكثرها استخداما، منذ الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول هو « الحرب على الإرهاب». ويعود الفضل، بشكل خاص، لاثبات ما كان يعتبر نظرية مؤامرة يتداولها الموسومون بكراهية أمريكا الى أدوارد سنودن، موظف وكالة الاستخبارات الأمريكية ( سي آي أي) السابق الذي سرب تفاصيل برنامج مراقبة الولايات المتحدة للهواتف والإنترنت، والعسكري مانينغ واسانغ مدير ويكيليكس. كل واحد منهم يدفع، منذ سنوات، ثمن إظهار الحقيقة سجنا ونفيا، وفي حالة أسانج مواجهة ما لا يقل عن عشرين تهمة سيحاكم جراءها، اذا ما قامت السلطات البريطانية بتسليمه الى أمريكا.
كان لتسريبات سنودن وقع كبير على الادارة الأمريكية لأنها فضحت وأثبتت دورها في المراقبة اليومية المستمرة للمواطنين الأمريكيين بالإضافة الى المراقبة في فرنسا وايطاليا والمانيا. وتشير اعادة قراءة الوثائق المسربة من قبل موقع « انترسيبت» الاستقصائي المعروف بباحثيه، الى ان أمريكا ليست البلد الوحيد الذي استفاد من هذه الامكانية بل ان ما اهملته القراءة الاولية للوثائق، ويعاد تقييمه الآن، هو جانب التعاون المتبادل بين دول لم يكن معروفا عنها استخدام ذات الآلية مثل النرويج.

فضح سنودن قوة رقمنة تقاسم الاستخبارات، ووجود مركزين افتتحا بقاعدة بوغرام بافغانستان في تشرين الثاني/نوفمبر 2005. حيث بدأت هناك مهمة تطوير ما يعرف بـ « آر تي – آر جي» أي نظام معالجة البيانات التي أدخلت في عام 2007، من قبل وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA)، خلال احتلال العراق وأفغانستان، ومع تزايد قوة المقاومة العراقية. هذا النظام قادر على تخزين البيانات من مصادر عديدة، مثل الهواتف المحمولة والغارات والاستجوابات والإشارات التي يتم جمعها من أجهزة الاستشعار الأرضية، وكذلك بواسطة المنصات المحمولة جواً والطائرات بدون طيار والأقمار الصناعية. بواسطته أصبح لمحللي الاستخبارات، لأول مرة، القدرة على الوصول مباشرة إلى قواعد بيانات وكالة الامن القومي، ودمجها مع المعلومات الجديدة والبحث فيها وتحليلها. ومن ثم، وهذا هو الاهم، تبادلها مع القادة العسكريين المحليين في ذات الوقت الذي يتم فيه حدث ما ( الوقت الفعلي)، ويتطلب اتخاذ اجراء سريع، كالقصف أو قائمة بالأهداف المستهدفة بدون اللجوء الى بيروقراطية الأخذ والرد وانتظار الاوامر المكتوبة. واذا كانت افغانستان هي المختبر الاول لتجربة النظام المستحدث، حيث تفتخر القيادة الأمريكية بانها قتلت 6534 « عدو» في عام واحد، متجاهلة أعداد الضحايا المدنيين، فان العراق هو المكان الذي تم فيه التطبيق الاحدث لما وصفه الجنرال دافيد بترايوس، القائد العسكري للعراق سابقا، ورئيس السي آي أي السابق، بانه « اهم انجاز عسكري تم استخدامه حتى الآن.. وعامل رئيسي في نجاح عمليات « مكافحة التمرد»، متجاهلا هو الآخر مئات الآلاف من الضحايا المدنيين. وجاء النجاح، حسب بترايوس، بعد ان مكّن النظام وكالة الامن القومي ليس على مراقبة الاتصالات من العراق فحسب، ولكن أيضًا للهيمنة على أجهزة الهاتف والكمبيوتر العراقية، لفتح بوابة الوقت الحقيقي لتصبح كل المعلومات المتعلقة بالعراق متوفرة للمحللين والعسكر.
من أجل تغطية بغداد، حسب تقرير « انترسيبت»، كان يجب أن يكون النظام قادرًا على استيعاب 100 مليون «حدث مكالمة» أو سجلات بيانات وصفية، ومليون « صوت» أو تسجيلات للمكالمات الهاتفية، و 100 مليون سجل بيانات وصفية أخرى عبر الإنترنت – يوميًا. كما اقتضى تحولا تدريجيا في تجميع الاشارات التقليدية من جمع وتخزين فقط ما هو مطلوب للعثور على «الإبرة في كومة قش» إلى « تجميع كومة قش». أي جمع كل شيء وخزنه. وحسب الصحافي الاستقصائي غلين غرينوالد (15 تموز/يوليو 2013): « أن وكالة الأمن القومي تحاول جمع ومراقبة وتخزين جميع أشكال التواصل البشري». مما يعني انها تقوم بتحليل « نمط حياة» الاشخاص لا للاستهداف الآني فحسب بل لحين الحاجة. لذلك بلغ عدد المحللين بالعراق خمسة آلاف، يتم تمريرهم كمستشارين وفي افغانستان ثمانية آلاف.
استوقفني، كمثال على العمل الاستخباري، ما جاء ذكره في احد التقارير التي سربها سنودن والمتوفرة الآن على الانترنت، حيث فشل أحد المحللين في تحديد مكان تواجد عراقي « مشكوك بأمره»، لإلقاء القبض عليه، لأنه كان يتعمد تفكيك هاتفه الجوال حالما يقترب من مكان سكنه بحي الشعلة ببغداد، فقام المحلل بمتابعة اشارات هاتف زوجته وتكوين صورة عن تحركاتها وروتين ايامها ومن ثم ربطها بتحركات زوجها، الى ان تم القاء القبض عليه.
يعيدنا المثال الى التساؤل حول استعداد أمريكا لتوفير هذه الانظمة الاستخبارية المتقدمة لأجهزة استخبارات الدول العربية؟ وما هو دور الكيان الصهيوني وموقفه ازاء ذلك؟ وماذا عن الحكام والمسؤولين العرب الذين يرون في أمريكا حليفا لا يمكن الاستغناء عنه، إزاء نظام الهيمنة الجديد نسبيا إزاء مفهوم السيادة الوطنية؟ ما هي الاسرار التي سجلتها انظمة الاستخبارات الذكية عن نمط حياتهم وحياة افراد عوائلهم ربما ليس للتخلص منهم الآن ولكن… ما هي ضمانات عدم استخدام البيانات والمعطيات المحفوظة عنهم ككومة القش مستقبلا؟ وهل نحن هنا أمام مفهوم اوسع للابتزاز الامبريالي السهل بالجملة لكل من هو في موقع سلطة؟

المصدر:القدس العربي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات