السبت 07 ديسمبر 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

البحث عن محاربة الفساد في العراق

البحث عن محاربة الفساد في العراق

تحدّث رئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، أخيرا أمام أعضاء مجلس النواب، عن أكثر من أربعين ملفا للفساد، شمل كل ركن وزاوية في مؤسسات الدولة ومرافقها المختلفة، ووضع لكل ملف عنوانا: تهريب النفط، العقارات، المنافذ الحدودية، تهريب الأموال، الجمارك، تهريب الذهب، السجون ومراكز الاحتجاز، تجارة الحبوب والمواشي، التهرّب من الضرائب، الإتاوات والقومسيونات، تهريب العملة، ملف التقاعد، المخدّرات، ملف الشهداء، التجارة بالأعضاء البشرية، تجارة الأسمدة والمبيدات، تسجيل السيارات، التجارة بالعملة الأجنبية، بيع السيارات وشرائها، الإقامة والسفر، الأدوية، سمات الدخول، البطاقة التموينية، الرعاية الاجتماعية، الكهرباء، التعيينات وبيع المناصب، تهريب الحديد والسكراب، الامتحانات وبيع الأسئلة، القروض المالية والسلف بدون غطاء، الاتصالات والتلفونات وشبكات الإنترنت، ملف النازحين. وكان الرجل قد أعلن قبلها عن فقدان ثلاثمائة مليار دولار من خزينة الدولة خلال سنوات الاحتلال، أي بمعدل عشرين مليار دولار سنويا.

“أثبتت هذه الحكومات المتعاقبة عدم جدواها، وعدم قدرتها على محاسبة أي فاسد أو إقالة أي سارق”

لو حدث مثل هذا الفساد أو أقل منه بكثير في أي بلد، مهما بلغت حكومته من صلافة واستهتار، لحزمت حقائبها وولت الأدبار، خوفا من العقاب ومصادرة الأموال المسروقة، أو هربا من عقاب الناس، حيث كل ملف من هذه الملفات يشير إلى وزارة في الحكومة. لكن ما حدث عكس ذلك، حيث لجأت الكتل والأحزاب الطائفية المتهمة الأولى بالفساد، والتي هي عماد الحكومة والبرلمان، إلى الهجوم خير وسيلة للدفاع، فاتهموا زميلهم في المهنة، عبد المهدي، بالتقصير في محاربة الفساد والقضاء عليه، مستغلين في ذلك ما يمتلكون من أسلحة فتاكة، المليشيات المسلحة، ودعم المحتل الأجنبي، وتعويذة المرجعيات الدينية، ناهيك عن الحصن المنيع الذي يتمترس هؤلاء خلفه عند الشدّة، وهو القضاء العراقي، حيث جرت السيطرة المطلقة عليه، وخصوصا على رئيسه مدحت المحمود، ومن ثم تأدية واجبه من خلال منح صك البراءة لكل من توجّه له تهمة مفضوحة لا يمكن التستر عليها، وقد نجد نموذجا صارخا عنها، في منح البراءة إلى رئيس البرلمان السابق، سليم الجبوري والنائب محمد الكربولي والنائب بهاء الأعرجي ووزير المالية السابق هوشيار زيباري من كل التهم التي وجهت لهم علنا، والموثقة بالأدلة القاطعة والشهود والتسجيلات الصوتية، بل وتقديم الاعتذار لهم من الإزعاج، على الرغم من أن جلسات التحقيق لم تستغرق سوى دقائق؟

“عجزت هذه الحكومات عن تحقيق أي منجز سياسي أو اقتصادي أو خدمي لصالح العراقيين، ووقفت موقفا حازما ضد الإخلال بمعادلة المحاصصة الطائفية والعرقية”

ليست هذه المرة الأولى التي يخرج فيها رئيس حكومة أو نائب ليعلن عن مثل هذه الملفات، فقد فعلها قبله رؤساء الحكومات السابقة، لتنتهي هذه الملفات فوق الرفوف العالية ليعلوها الغبار، حيث الهدف من عرض هذه المسرحية المملة ذرّ الرماد في العيون، على أمل احتواء الاستياء الشعبي الذي بات يُنذر بانتفاضة عارمة في أي وقت. ومع ذلك، دعونا نحسن الظن، هذه المرة، برئيس الحكومة، ونسأل كيف له معالجة هذه الملفات، في ظل حكومة هي فاسدة أصلا، وبرلمان مزوّر على رؤوس الأشهاد، وقضاء مرتش؟ كيف يمكن له معالجة أمر خطير بهذا الوزن، في ظل الدولة التي تحولت إلى دولة مليشيات مسلحة؟ ثم من سيحاكم من، والكل يحتفظ بملف فساد ضد الآخر؟ ألم يؤكد هذه الحقيقة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، حين هدّد بكشفها، ردا على محاولة سحب الثقة منه؟ ألم يسِر على خطاه حيدر العبادي بعدما فقد الأمل بولاية ثانية؟ ألم يرد عليهم الآخرون بقوة، ويهدّدوهم بما تيسر لهم من ملفاتهم السوداء؟
نعم، ستنام هذه الملفات فوق الرفوف العالية، كما نامت من قبلها ملفات الفساد الأخرى. وقد أثبت عادل عبد المهدي نفسه هذه الحقيقة، فبدل أن يفي بوعوده التي قطعها على نفسه، بعد تسلمه رئاسة الحكومة، بمحاربة الفساد، وتقديم المفسدين إلى المحاكم العادلة، واسترجاع الأموال المسروقة، وإجراء إصلاحات جدية في العراق، خرج علينا بملفاتٍ جديدة أشد فسادا وأكثر انتشارا. وهذا أمر طبيعي، ففي العراق، كما أثبتت الوقائع العنيدة، لا تسير الأمور وفق قانون الجريمة والعقاب، وإنما وفق عنوانٍ أُسميه الجريمة والثواب، لأن الحاكم في العراق، وبكل بساطة، لا ينال العقاب جرّاء جريمة ارتكبها، وإنما يستحق الثواب عنها، بل كلما زادت جرائمه تضاعف ثوابه، فإذا كان غنيا يصبح مليونيرا، والمليونير يغدو ملياديرا، والمدير يرتقي إلى مدير عام، والوزير قد يكون رئيس وزراء وهكذا. أما نوع الجريمة، فلا تسأل عنها، فجميعها مسموح بها لحكام العراق.
أما الطامة الكبرى، فهي أن هذا الفساد المستشري لم يكن وليد المصادفات السيئة، وليس بسبب عدم كفاءةٍ أو نقصٍ في الذمة أو خلل في الضمير، كي يأمل الناس في استبدالهم أو إقصائهم أو  على الإصلاح في ظل هؤلاء، ولجوئهم، بدلا عن ذلك، إلى طريق التظاهرات والانتفاضات الشعبية التي كللوها بشعاراتٍ تدين الفساد، وتسمي رموزه وتتوعدهم بالعقاب، بل وصلوا إلى قناعة بأن الحل هو التغيير الشامل، وبأية طريقة متاحة. ولا يغير من هذه الحقيقة تراجع التظاهرات أو الانتفاضات، فهذه قد حدثت جرّاء آلة القمع الوحشية التي استخدمتها المليشيات المسلحة، ليس ضد التظاهرات فحسب، وإنما ضد أية محاولة متواضعة تهدف إلى نيل أبسط الحقوق المشروعة. بمعنى آخر أكثر وضوحا، لن تستطيع هذه الحكومة إيهام عراقي واحد بوطنيتها، وبقدرتها على محاربة الفساد وتحقيق أي إصلاح مهما كان بسيطامحاكمتهم، كما لم يكن سببه الجشع والطمع، كي تجري المراهنة على اكتفاء هؤلاء بما جنوه من أموال طائلة، وإنما كان نتيجة مخطط مدروس بعناية فائقة من المحتل، كحلقة مهمة من مخطط تدمير العراق دولة ومجتمعا. وإن هؤلاء قد جرى انتقاؤهم بدقة أيضا لتنفيذ هذا المخطط الغادر، ومنع أية محاولة شعبية لإسقاطه. وهذا ما يفسر لجوءهم إلى اتباع كل الوسائل لإشغال العراقيين، من خلال افتعال حروب طائفية وأهلية، او تقسيم فئات المجتمع بين مسلم ومسيحي وصابئي، أو شيعي وسني، أو تقسيم المجتمع الى مكونات، مثل كرد وشيعة وسنة، على العكس تماما، حين كان الناس يتباهون بالوحدة الوطنية والاعتزاز بالهوية العراقية والانتماء للوطن، والأخوة والعيش المشترك. ليس هذا فحسب، وإنما لجأ هؤلاء إلى انتهاج سياسة تجهيل المجتمع، وحرمانه من المعرفة والتعليم، الأمر الذي لا يؤهله للمطالبة بحقوقه المشروعة، أو من مراقبة السلطة ومحاسبتها.

“ستنام هذه الملفات فوق الرفوف العالية، كما نامت من قبلها ملفات الفساد الأخرى. وقد أثبت عادل عبد المهدي نفسه هذه الحقيقة”

هذا ليس استنتاجا أو تحليلا سياسيا أو رجما بالغيب، وإنما يستند إلى سجلات سوداء للحكومات العراقية السابقة. وبحسبة بسيطة، أو حسبة عرب كما يقال، أثبتت هذه الحكومات المتعاقبة عدم جدواها، وعدم قدرتها على محاسبة أي فاسد أو إقالة أي سارق، أو تقديم أي متهم إلى المحاكم المختصة. في المقابل، عجزت هذه الحكومات عن تحقيق أي منجز سياسي أو اقتصادي أو خدمي لصالح العراقيين، ووقفت موقفا حازما ضد الإخلال بمعادلة المحاصصة الطائفية والعرقية، ورفضت أي تعديل في الدستور، وجعله دستورا وطنيا يمثل الإطار العام للدولة الذي يحدّد هويتها، وشكل النظام فيها، وينظم سلطاتها العامة، ويرسم العلاقات في ما بينها، ويضع الحدود لكل سلطةٍ على حدة، ويعين الواجبات والحقوق الأساسية للأفراد والجماعات، ويحرص على ضمان استقلال البلد، وسيادته الوطنية ووحدة أراضيه، ويحافظ على ثرواته الطبيعة، وليس دستورا ملغوما يشجع على الطائفية والعرقية، وعلى تقسيم العراق دويلات.
المضيء في هذه الصورة السوداء إدراك عموم العراقيين هذه الحقيقة، والتخلي عن كل مراهنةٍ.

المصدر:العربي الجديد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات