الجمعة 23 أغسطس 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

هذه المعارضة في العراق

هذه المعارضة في العراق

في قرارٍ يكشف جانباً من مهزلة ما تعرف بالعملية السياسية في العراق، أعلن تيار الحكمة الوطني (يتزعمه عمّار الحكيم) انضمامه للمعارضة، ووقوفه ضد سياسات حكومة عادل عبد المهدي، وبعد هذا الإعلان بأيام، طالب التيار نفسه بحصته من التعيينات الحكومية، وهو المعارض.
منذ فصلت الولايات المتحدة الأميركية قميص العملية السياسية في العراق، عقب غزوه وإسقاط نظامه السابق، لم يكن هذا القميص يتسع لأي معارضة، فقد كان ضيقاً، بالكاد يتسع لحفنةٍ من الأحزاب والمتسلقين ممن جاؤوا على متن دبابة المحتل. بعضهم ما لبث أن استولى على السلطة، وصار من وجوهها التي لا تتغير بتغيير الحكومات وتعدّد الانتخابات، وبعض آخر غادر بعد أن ملأ البنوك السويسرية والإماراتية واللبنانية بأموال العراقيين، بينما دخل لاعبون جدد يبحثون عن مغنم ما لم يغتنموه في بداية لعبة السلطة في العراق.

“قفز مؤشر الفقر إلى نحو 30%، في حين تفشّت البطالة لتصل إلى 22%”

لم تنتج هذه العملية السياسية أي معارضة حقيقية وفاعلة، وذلك للطريقة التي تشكلت فيها، فهي لم تقبل أي معارضة للمحتل ولا لحكوماته. وعمدت تلك العملية السياسية العرجاء إلى محاربة كل صوت رافض لها ولممارساتها، واجتثاثه واقتلاعه وطرده وتهجيره، بل الأكثر من ذلك، طاردت تلك العملية السياسية، بحكوماتها المختلفة، حتى الرافضين بعض سياساتها ممن هم داخل بناء العملية السياسية، وزير المالية السابق، رافع العيساوي، ونائب رئيس الجمهورية السابق، طارق الهاشمي، مثالان على ذلك.
لقد تشكلت العملية السياسية في العراق لخدمة من صنعها، سواء الولايات المتحدة الأميركية أو إيران التي استغلت فرصة احتلال العراق، لتدخل بقوة، وتفرض نفوذها بطرق شتى، وبالتالي فإنها ليست عملية سياسية طبيعية، وبقدر ما هي محاولة لتشكيل عملية سياسية وفق شروط وضوابط معينة، تحكمها مصالح القوى الفاعلة، لا مصالح العراقيين باعتبارهم شعبا.
ومنذ اللحظة الأولى لتشكل تلك العملية السياسية العرجاء، كانت هناك معارضة واضحة وقوية وكبيرة، سواء لها او لقوات الاحتلال الأميركي، لم تكن كلها مسلحة على طول الخط، وإنما معارضة رفضت الاشتراك في العملية السياسية، وهي تتنوع بين معارضة علمانية وأخرى إسلامية، غير أنها لوحقت وطوردت واغتيل عناصرها، حتى وجدت نفسها خارج الوطن بقوة من يملك السلطة والسلاح، سواء أكانت الدولة أم المليشيات المشكلة لأحزابها. وهنا يشار إلى هيئة علماء المسلمين، كمعارضة عراقية وطنية دعت، منذ اللحظة الأولى، إلى رفض الاحتلال ومقرراته ودستوره، لأنها كانت تؤمن أن العراق ما بعد الاحتلال يجب أن يديره ويحكمه أبناؤه، وليست الأحزاب القادمة من الخارج، والتي تحمل أجندته، وهي حذّرت، منذ اللحظة الأولى، من تداعيات ذلك وخطورته، ويبدو أن الأيام وما حملته العملية السياسية للعراق والعراقيين تقف مع الهيئة ونظرتها إلى مآلات الأحداث.
لقد تشكلت تيارات وطنية عراقية عديدة معارضة للعملية السياسية داخل العراق، ولكنها آنية لحظية، اضمحل الكثير منها وانتهى، إما بسبب القمع والتخويف والترهيب، أو أن بعضها تم إقناعه بالدخول في تحالفاتٍ مع تيارات سياسية فاعلة منذ العام 2003، ليتضاءل دورها وينتهي تدريجياً.
العراق اليوم بحاجة فعلية لمعارضة حقيقية، تقف وتناضل من أجل استرداد حق العراقيين من مخالب ساسة وأحزاب ومليشيات أضاعت العراق، وبددت حقوق أبنائه. اليوم لا يمكن للعملية السياسية أن تستمر بهذه الطريقة، فهي تضيّق الخناق على رقبتها ورقبة من يقف وراءها، سواء من أتى بها، المحتل الأميركي، أو من دعمها وأمد لها كل أسباب البقاء، والحديث هنا عن إيران.

“لم تنتج هذه العملية السياسية أي معارضة حقيقية وفاعلة، وذلك للطريقة التي تشكلت فيها”

كشفت المواجهة المتصاعدة بين إيران والولايات المتحدة، بما لا يقبل مجالاً للشك، أن العملية السياسية في العراق بضاعة رديئة، فكلا الصانعين، أميركا وإيران، تفرّقت مصالحهما في المنطقة، وتقاطعت، وبات العراق بين نارين، المحتل الأميركي الذي فصّل ثوب عملية سياسية تضيق بأي معارض، والمحتل الإيراني الذي أكمل الدور، وزاد من ضيق ثوب تلك العملية السياسية لترفض وتطرد كل من يعارضها، حتى وإن كان ممن يعمل من داخلها.

عمّار الحكيم، ومن قبل والده عبد العزيز الحكيم، كانا من أوائل الذين دخلوا العراق على ظهر دبابة أميركية، وشكلوا وتشكلوا داخل العملية السياسية، بعد أن وجدوا لهم حيزاً في ثوبها المرقع المصنوع بطريقة رديئة. واليوم، يبحث عن مساحة أوسع على رقعة الثوب الضيق، فهو لم يعد مستعداً للقبول بما حصل عليه طوال عقد ونصف من عمر الاحتلال وعمر مشاركته في تخريب العراق.
يحتاج العراق إلى معارضة، ولكن ليست معارضة الحكيم أو غيره، وإنما معارضة نابعة من رحم الشعب الذي يعيش أسوأ حالاته، بعد أن قفز مؤشر الفقر إلى نحو 30%، في حين تفشّت البطالة لتصل إلى 22% بحسب الجهاز المركزي للإحصاء في العراق. ناهيك عن قطاع تعليمي بات خارج التصنيفات، وقطاع صحي وصل إلى مرحلة أن ترعى الأغنام داخل ردهات المرضى، ومؤشرات فساد وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، بوأت العراق الصدارة بين أكثر الدول فساداً. أما معارضة الحكيم او غيره من رموز ثوب العملية السياسية الضيق، فهي تبحث عن مصالحها، تبحث عن حصصها داخل الحكومة، ولا تبحث عن حصة العراقيين من ثرواته وخيراته التي وجدت لها محضناً دافئا في بنوك العالم، بفضل الحكيم وغيره ممن يسمّون اليوم رموز العملية السياسية في العراق.

المصدر:العربي الجديد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات