الخميس 14 نوفمبر 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

نظرية الحرب بين التوصيف والتوقعات

نظرية الحرب بين التوصيف والتوقعات

قالها وزير الخارجية الأمريكي (مايك بومبيو) بصراحة ووضوح: إن على بريطانيا تأمين حماية سفنها بنفسها في الخليج العربي؛ لأن الولايات المتحدة الأمريكية لا تريد الحرب مع إيران.. وسبق أن بادله المسؤولون الإيرانيون بتلميحات جليّة المقصد وتصريحات واضحة الإشارة بأن طهران غير عازمة ـ في الحقيقة ـ على خوض حرب مع واشنطن، بل صرّح (جواد ظريف) بأن بلاده لا تريد التصعيد أصلًا في هذا الملف؛ ليبدو ما في المشهد من مناكفات وشجارات بين الطرفين ليس سوى وجه من وجوه المناورة التي تستلزمها المرحلة الحالية، وهذا أمر بات مألوفًا لدى كثير من الناس، ويقينًا عند المهتمين منهم بعمق الرصد والتحليل في الميدان السياسي.

“ليس لشعب العراق ومن بعده أبناء الأمة كلهم من سبيل في تحقيق تطلعاتهم سوى تربية رصينة ومنهج سوي وهمّة متقدة”

وإذا كانت واشنطن تتنكر للندن بهذا الشكل وبلا مواربة وهي حليفتها الأولى على مدى عقود وشريكتها الدائمة في العدوان على المنطقة سواء في مطلع الألفية الثالثة باحتلال العراق وما قلبه في حربَي الخليج، أو بمحطة تكوين (التحالف الدولي) الذي كان وما يزال الهدف منه إعادة توصيف مشروع الاحتلال وتحديث أنماطه في إطار مشروع الاستحواذ الإقليمي على منطقة (الشرق الأوسط)؛ فإن بطلان نظرية الحرب على إيران بات مؤكدًا أكثر من أي وقت مضى.

وعلى هامش هذه التحركات سارع رئيس حكومة بغداد مهرولاً صوب طهران ليكون أول تصريح يُدلي به هناك هو أن العراق ـ وبمعنى أدق حكومته ـ لن يكون جزءًا من أي (عقوبات) تُفرض على إيران؛ ليعيد مساق الحديث إلى مربع سبق الانتهاء منه وإغلاق ملفات أحداثه عمليًا؛ لكن في العودة إليه دلالة أخرى على أن بغداد التي باتت ساعي البريد الأمثل في هذه القضية تحظى بتعزيز ثقة طهران بها بعدما تيقنت من أن موقفها إزاء العقوبات لن يجلب لها سخط واشنطن، لاسيما وأن كلا الطرفين يريد للعملية السياسية البقاء على قيد الحياة كونها أرضية مشتركة للجانبين يحصدان منها مكاسب شتى رغم إجماع الآراء عليها بأنّها مستنقع فاسد لا جدوى منه في تحقيق استقرار أو بناء مشروع معتبر.

الأمر لا يقف عن هذا الحد في محاولة توصيف الحرب الموهومة على إيران على أنها مجرد فوضى كلامية لا تقدم في الميدان شيئًا سوى فتح أبواب للتوقعات والآمال المؤطرة في غالبها عاطفيًا؛ فهذه مجلة (ناشيونال إنترست) الأمريكية تقول بصريح العبارة: (إن أي حرب أمريكية على إيران ستصب في مصلحة طهران على حساب العالم العربي (السُّنّي) الضعيف..)، في توصيف طائفي يتناسب وحالة المشاعر المؤججة التي تغشى المشهد، من شأنه وضع مزيد من الاعتبارات في حسابات الأنظمة المحلية وشعوب المنطقة بأن بقاء إيران على ما هي عليه رغم كل خطورتها وتهديدها المباشر على أمن الإقليم ومستقبله الإيديولوجي وتوسعها على حساب الهوية والدين والثقافات؛ أمر واقع وحاصل برغبة القوى الكبرى وعلى الجميع أن يرضى به.

“لا يكتفي النظام العربي الرسمي بهذا التغافل؛ بل يعمل على تغييب الشعوب عن إدراك الحقيقة حين يحجر عليها ويُصادر إرادتها”

لكن تلك الأنظمة تتغافل عن مآلات ذلك وتلوي رأسها عن مقاصده بإحالة الدول العربية وقودًا يُستنزف وطاقة تُبدد حتى تصل درجة الإضعاف والخمول ثم التعطل التام.. ولا يكتفي النظام العربي الرسمي بهذا التغافل؛ بل يعمل على تغييب الشعوب عن إدراك الحقيقة حين يحجر عليها ويُصادر إرادتها؛ ويبقيها في حالة من الدوار وهي تستعر بعاصفة طائفية موجهة بإعلام مؤدلج له غايات متعددة وأغراض تتكاثر على مدى الأيام، وفي العراق وأحداثه المتلاحقة من هذا القبيل دلائل وشواهد.

الحقيقة التي ينبغي أن ترسخ في أذهان الجماهير والعراقيين منهم في الطليعة؛ أن الكرة كانت وما زالت في ملعبهم، وأن زمام المبادرة في تصحيح المفاهيم وصناعة الرأي المتزن الممهد لمواجهة هذا الغزو المركبّ المتنامي؛ لم يكن يومًا بعيدًا عن أيديهم، وليس لشعب العراق ومن بعده أبناء الأمة كلهم من سبيل في تحقيق تطلعاتهم سوى تربية رصينة ومنهج سوي وهمّة متقدة لا تعطلها اعتبارات الزمن ولا تثبطها حدود الأرض؛ وحين تترسخ هذه القيم وتأخذ دورها العملي في مضمار الحياة، يكون الواقع المرير الذي يولّد المعاناة قاب قوسين أو أدنى من الانهيار.

المصدر:جريدة البصائر

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات