السبت 24 أغسطس 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

بين أمريكا والعراق… الفاسد يعاقب الفاسد!

بين أمريكا والعراق… الفاسد يعاقب الفاسد!

نشر البنك المركزي العراقي تعميماً بتاريخ 24 يوليو/ تموز، أمر فيه المصارف العاملة في العراق بتجميد حسابات أربعة عراقيين «متورطين في قضايا فساد أو انتهاكات لحقوق الإنسان». العراقيون الأربعة هم: محافظ نينوى السابق، ومحافظ صلاح الدين السابق، وآمر كتيبة بابليون التابعة للحشد الشعبي، وآمر لواء 30 الحشد الشعبي.
كان من الممكن الاحتفاء بهذه الخطوة واعتبارها منطلقاً لتأسيس مسار حقيقي للقضاء على الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان، لو كان قرار التجميد قد جاء تطبيقاً لقرار قضائي أو قانوني عراقي، إلا أنه صدر وجاء تطبيقه من قبل المصرف المركزي بشكل سريع (لعله الأسرع منذ احتلال البلد عام 2003) ليس نتيجة قرار عراقي، بل استجابة للعقوبات الأمريكية الصادرة بحق الأربعة الذين تتهمهم الإدارة الأمريكية بالفساد وانتهاك حقوق الإنسان. جاءت هذه الخطوة في أعقاب سلسلة قرارات اتخذتها الإدارة الأمريكية، وأكدتها السفارة الأمريكية، ببغداد، لتبين التزامها « للعمل مع الحكومة العراقية وجميع العراقيين المناهضين للفساد وانتهاكات حقوق الإنسان المُرتكبة من قبل مسؤولين حكوميين.، كما أوضح سيغال ماندلكر، وكيل وزارة الخزانة لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية. وكان نائب الرئيس الأمريكي، مايك بنس، قد أضاف بعداً «إنسانياً» آخر على القرار حين صرح قائلاً: «الولايات المتحدة لن تقف متفرجة بينما تنشر الميليشيات المدعومة من إيران الرعب».

“ليس بالإمكان وضع الثقة بالفاسدين المحليين أو العالميين، والفساد في أدنى مستوياته وأقذرها حين يرتبط بالاحتلال”

ولا تقتصر العقوبات على الأشخاص الأربعة فقط، بل شملت ما فرضته وزارة الخزانة الأمريكية على شخصين آخرين بتهمة تهريب أسلحة إلى ميليشيات عراقية يدعمها الحرس الثوري الإيراني، بالإضافة إلى شركة «موارد الثروة الجنوبية» المتهمة بتسهيل «وصول الحرس الثوري الإيراني إلى النظام المالي العراقي من أجل التهرب من العقوبات».

كل هذا تم خارج نطاق القانون والقضاء العراقي وكل ما له علاقة بالسيادة الوطنية، لكنه تم حسب «قانون ماغنتسكي العالمي»، وهو قانون تم تطويره عام 2017 ليخول الرئيس الأمريكي، بالإضافة إلى سلطاته الحالية، سلطة فرض عقوبات على المواطنين غير الأمريكيين، ومعاقبة المسؤولين الحكوميين الأجانب «الفاسدين والمتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان» في أي مكان في العالم.

وقد لاقى تطبيق القانون على عدد من «المارقين»، أشخاصاً وحكومات، ترحيباً من عديد المنظمات الحقوقية الدولية، ما شجع دولاً أخرى على تطبيقه. الأمر الذي يثير تساؤلاً حول عدم ترحيبنا به والتهليل لمنجزاته. فلم لا نحتفي بقرار سيؤدي، عند تطبيقه، إلى إنهاء فيروس الفساد المستشري بالنظام العراقي الحالي، كما يضع حداً لانتهاكات حقوق الإنسان التي طالما طالبنا بمحاسبة مرتكبيها؟

هناك أسباب عديدة لا تدعو إلى التفاؤل بهذا المنجز، تتضح أمامنا حالما نلقي نظرة سريعة على السياسة الأمريكية تجاه العراق في مرحلة ما بعد الاحتلال، وسيرورتها الحالية. هكذا نفهم المستقبل. فمن لا يقرأ الماضي سيبقى أمياً إزاء المستقبل. فجوهر العلاقة هو الاستغلال الإمبريالي (نفط، أمن الكيان الصهيوني، حلبة للمناوشات مع إيران واستنزاف لدول الخليج)، ساعدها في الاستمرار وجود نظام طائفي عنصري فاسد، غير معني بالسيادة الوطنية والوطن.

نظام يتأرجح ما بين استجداء الحماية الأمريكية والإيرانية، لأنه يرى أن عدوه الأول هو الشعب. يغذي ديمومة هذه العلاقة النهب المنهجي لأموال البلد في سنوات الاحتلال الأولى، ومن ثم الفساد المتمثل بالعقود الضخمة، بقيمة مليارات، في مجالات الإعمار والسلاح والنفط والشركات الأمنية، التي تم منحها إلى شركات أمريكية بعد إعلان انسحاب القوات العسكرية، عام 2011. وتم التوقيع على معظمها في أثناء وجود نوري المالكي، أمين عام حزب الدعوة، رئيساً للوزراء مدة 8 سنوات، أشرف خلالها على تأسيس شبكة فساد منظم يقوم من خلالها رجال أعمال ومسؤولين حكوميين عراقيين حاليين وسابقين مرتبطين به، بالعمل مع شركات أجنبية مقابل دفع حصة معينة. وقد نشر موقع « ديلي بيست» الاستقصائي، المتابع لقضايا الفساد الأمريكية، في 24 يوليو/ تموز، تقريراً بعنوان «العلاقات المشبوهة لجنرال أمريكي متقاعد بالعراق». يضم التقرير تفاصيل دقيقة بأسماء الأشخاص والشركات والتاريخ والأماكن، عن شبكة العلاقات الخفية والعقود العسكرية والتجارية بين الجنرال فرانك هلمك، الذي كان من نجوم الاحتلال وتقاعد في 2011 ليصبح «رجل أعمال»، فتحت له علاقته بنوري المالكي أبواباً واسعة في مختلف الشركات المشبوهة المرتبطة بالنظام السياسي العراقي.

هذا غيض من فيض، يعطينا نموذجاً لنوعية العلاقة الفاسدة بين مسؤولي الإدارة الأمريكية والساسة العراقيين. فمنذ عام 2004، أي بعد عام من الغزو، تلاشى ما مجموعه 218 مليار دولار، أي أكثر من الناتج المحلي الإجمالي للعراق في العام السابق، في جيوب السياسيين ورجال الأعمال من الطرفين، وهو رقم رسمي يعتبره كثيرون ضئيلاً بالنسبة للتقديرات السابقة. وفي كل يوم تطفو على السطح معلومات جديدة، موثقة، عن الفساد المشترك وعلاقته بالإرهاب، وعن انتهاكات حقوق الانسان الصادرة عن منظمات حقوقية عراقية وأمريكية مستقلة، لتواجه جداراً من الصمت من الإدارة الأمريكية بل وإصراراً على مد النظام بالسلاح والحماية.

“نظام يتأرجح ما بين استجداء الحماية الأمريكية والإيرانية، لأنه يرى أن عدوه الأول هو الشعب”

فهل يلام من لا يحتفي بالإعلان الأمريكي عن فرض العقوبات على أربعة عراقيين وشركتين، بتهمة الفساد والانتهاكات، حين اقتضت مصلحتها في مسار المناوشات مع إيران؟ كيف يمكن الوثوق بدولة غزت البلد وأسست للطائفية والفساد والإرهاب، وجعلته نموذجاً محفوراً بذاكرة العالم، لإجراءات التعذيب التي جعلتها الإدارة الأمريكية قانونية؟ كيف يمكن الوثوق بجلاد؟ بإدارة يقودها رئيس متهم بالفساد والاعتداءات الجنسية، يتباهى بصداقة ودعم وترسيخ الكيان العنصري الصهيوني، على حساب الشعب الفلسطيني، ولم يبق بند من بنود حقوق الإنسان لم ينتهك، داخل وخارج أمريكا، تحت رئاسته؟ رئيس عنصري يشكك حتى بالأمريكي إذا كان لون بشرته مختلفاً، ووالداه من بلد آخر، فكيف إذا كان عراقياً؟
وهل يلام من لا يثق بوعود وتصريحات رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، بعد إعلان العقوبات الأمريكية، وبعد أن أوعز المصرف المركزي بتنفيذها، ليصرح بعد ايقاظه، فجأة، من سباته العميق: «أحلنا ملف عقوبات وزارة الخزانة الأمريكية على المستشارين القانونيين للبت بها»، وأن هناك «قضايا لم تحسم بمختلف مؤسسات الدولة بلغت بمجملها 4117 قضية»، لافتاً إلى وجود «1367 قضية فساد محالة إلى محاكم النزاهة»؟

ليس بالإمكان وضع الثقة بالفاسدين المحليين أو العالميين، والفساد في أدنى مستوياته وأقذرها حين يرتبط بالاحتلال والإرهاب. لذلك نرى تزايد الاعتصامات والمظاهرات، في أرجاء البلد، من قبل مختلف شرائح الشعب.
والحاجة ماسة جداً إلى التنسيق والتكاتف بين الجميع تحت الشعار الواقعي الموحد «الفساد يقتلنا»، بالإضافة إلى التنسيق مع منظمات التضامن والمنظمات الحقوقية خارج العراق، وبضمنها الأمريكية المستقلة، غير المرتبطة بالإدارة، المعنية بالشفافية والنزاهة وحقوق الإنسان. أحد الجوانب المهمة للعمل التضامني المتكافئ هو التمكن من كشف الاتفاقيات والمساومات الثنائية غير المعلنة، المقيدة، ومن ثم اتخاذ الإجراءات بصددها.

المصدر:القدس العربي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات