الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

جرائم الاختفاء القسري في العراق ...الدلالات والوقائع

جرائم الاختفاء القسري في العراق …الدلالات والوقائع

تحاول السلطة السياسية الحاكمة في بغداد إبعاد جميع الشبهات والوقائع التي تطال عملها وفعالياتها على الميدان وتعمل جاهدة لإثبات وجودها مع علمها الحقيقي بعدم فعالياتها في التفاعل والتعامل مع الأحداث الجسام التي تطال الشعب العراقي وتتعلق بحياته وديمومة وجوده وعدم قدرتها على اتخاذ القرارات المناسبة بل الرادعة التي تتعلق بالدفاع عن حرية وكرامة المواطن في العراق الذي استبيحت كرامته وعزته بل هددت حياته ووصلت الى حالة القتل والتعذيب والإقصاء والنيل منه ومن حقوقه المدنية بحيث أصبحت العدالة الاجتماعية مفقودة في العراق وحل محلها أدوات التعسف والظلم الاجتماعي والتعدي على حقوق المواطن وارتهان حياته ومستقبل أبنائه بأدوات القتل والتعذيب والتخويف وزرع حالة الإحباط واليأس في نفوس الأخرين في محاولة لتغليب طابع الخوف والسطوة التي تقوم بها العديد من المليشيات والمجاميع المسلحة التي أصبحت تشكل علامة بارزة في الحياة اليومية للعراقيين بل هي من تهيمن وتسيطر على الوضع الأمني في العديد من المحافظات والمدن العراقية دون الاهتمام بالتواجد الميداني للقوات العسكرية والأمنية العراقية ،ولهذا نرى استمرار حالة القلق والترقب التي تنتاب المواطن العراقي وخشيته على حياته واستمرار بقائه وعائلته في خضم الأحداث المتتالية التي عاشها وما يزال يعيشها أبناء الشعب العراقي و لا زالت الأدوات المهيمنة وذات النفوذ والتحكم في القرارات الأمنية والعسكرية في العراق ممثلة بمسؤولي المليشيات المسلحة تلعب دورا مهما وفعالا في تنفيذ أهدافها ومأربها الخبيثة في تعزيز دورها الميداني والعمل على استمرار النهج التعسفي في التعامل اليومي مع المواطن العراقي في الأماكن والمدن التي تتواجد فيها .

“أمام جميع هذه المعطيات والوقائع والأدلة والأرقام الواضحة والصريحة لا زالت حكومة بغداد صامته”

جاءت الأحداث الأخيرة التي كشفت عن حقيقة وأداء ومهمة مقاتلي وعناصر هذه المليشيات لتؤكد حقيقة دورها وضلوعها الميداني في عمليات الاختفاءات القسرية التي طالت الكثير من المواطنين العراقيين خلال السنوات الماضية والتي أمعنت كثيرا في تغيب المواطن بل عملت على قتله وفنائه والتنكيل به والتعامل اللاإنساني معه من قبل أدوات التعذيب والاعتقال القسري مبتعدة بذلك عن جميع الأعراف الدولية التي نصت عليها التشريعات الخاصة بالأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان وقبلها ابتعادها الحقيقي عن الإيمان بالله والالتزام بشريعته السمحاء احترام أدمية الإنسان التي كرمها الله سبحانه وتعالى .

القانون الدولي ينص على أن مفهوم الاختفاء القسري هو (الاحتجاز أو الاختطاف أو أي عمل يحرم الإنسان من حريته على يد جهة تابعة لسلطة أو أشخاص يتصرفون بدعمها أو إدائها ولا تعترف تلك الجهة بحرمان المختفي أو المختطف من حريته بل تنكر معرفة مصيره ومكان تواجده.) ، وبهذا يعتبر الاختفاء القسري الذي طال الألاف من أبناء الشعب العراقي على يد العديد من المليشيات والجماعات المسلحة جريمة ضد الإنسانية تمت بعدة مراحل عديدة من الاعتقال والاختطاف والاحتجاز والتعذيب ومن ثم قتل الضحية وإخفاء الجثة ويكون القتل سريا وإخفاء القاتل والفاعل الأساسي وانعدام الوقائع في تقديم الأدلة الميدانية عن وفاة الضحية.

أكدت هذه الوقائع والحقائق ضعف الأداء الحكومي في بغداد وابتعاد المؤسسات والأجهزة الرسمية في التعامل مع حالات الاختفاء القسري لأسباب عديدة منها التغاضي عن هذه الأفعال وعدم المبالاة في البحث عن الجناة الحقيقيين وأخذ جميع التدابير والخطوات الكفيلة بكشف طبيعة هذه الأعمال العدوانية التي تتنافى والقيم والأعراف الدينية والقوانين المرعية ومتابعة الجناة والكشف عنهم ،هي من شجع الجماعات المسلحة على الاستمرار بنهجهم وأعمالهم وسطوتهم في وقت تلاشى الدور الحكومي للسلطة الحاكمة في بغداد وعدم قدرتها على تسمية الفاعلين رغم معرفتها الحقيقية بهم كونهم يتمتعون بقوة مسلحة وبأدوات تخريبية وجهات مساندة لهم في عمليات التغييب والاختفاء القسري والتغيير الديمغرافي والإقصاء الميداني والإمعان في القتل والتعذيب والظلم الاجتماعي.

“يعتبر الاختفاء القسري الذي طال الألاف من أبناء الشعب العراقي على يد العديد من المليشيات والجماعات المسلحة جريمة ضد الإنسانية”

لا يخفى على الجميع الأماكن التي أستخدم فيها أبشع أساليب الاختفاء القسري وهي معروفة ومعلنة وتحديدا في مناطق (الرزازة واللطيفية والمحمودية وجرف الصخر والصقلاوية والبادية الغربية ومناطق عديدة في محافظتي نينوى وصلاح الدين ) حيث لا تزال أثار هذه الجرائم ماثلة تحاكي الظالمين وتشهد عليهم الدماء الزكية التي أريقت في هذه المناطق والمدن العراقية حتى بلغ أعدادا كبيرة تقدر ب(12-15) ألف في محافظة نينوى وفي محافظة الأنبار تجاوز العدد (6) الأف وفي صلاح الدين تجاوز (4) الألف بحسب المعلومات والإحصائيات التي أكدها المرصد العراقي لحقوق الإنسان .

أمام جميع هذه المعطيات والوقائع والأدلة والأرقام الواضحة والصريحة لا زالت حكومة بغداد صامته أمام هذه الجرائم الإنسانية وتحاول إيجاد الذرائع وإبعاد التهم والتقليل من أهميتها بل إخفائها والتستر على الفاعلين الحقيقين رغم أنها قد وقعت عام 2010 على اتفاقية الحماية من الاختفاء القسري والذي كان مجرد عملية شكلية لأنها لم تلتزم بالمعايير الأساسية التي احتوتها هذه الاتفاقية ولم تسع الى إصدار العديد من التشريعات والقوانين الداعمة لعمل وفعالية هذه الاتفاقية وجاءت الأحداث المتتالية لتثبت حقيقة عدم التزام حكومة بغداد بجميع البنود الواردة في هذه الاتفاقية وعدم الإذعان لتشكيل اللجان التحقيقية والبحث عن الجناة الميدانين المسؤولين عن ارتكاب هذه الجرائم الإنسانية ولم يتم ملاحقة الفاعلين أو محاسبتهم وإيقاع العقوبات القانونية بحقهم.

تصاعدت الأصوات المنددة بهذه الجرائم والدعوة الى متابعة وملاحقة مرتكبيها بعد المأساة الإنسانية التي طالت عملية القتل والتشويه لمئات من الجثث المجهولة والتي أعلن عنها قبل أسابيع في محافظة بابل، وأمام هذه الأصوات الحقيقية دعت الأمم المتحدة حكومة بغداد الى التحقيق في جميع حالات الاختفاء القسري وتحديد مصير المفقودين وأماكن وجودهم وإعادة المحتجزين الى عوائلهم وتحديد المسؤولين عن عمليات الاختطاف والقتل ومحاكمتهم ،وجاءت هذه الإملاءات من قبل (أليس وولبول ) نائبة الممثل الخاص للأمم المتحدة في العراق ضمن المهرجان الذي نظمته لجنة الصليب الأحمر الدولية في بغداد لأثارة قضية الألاف من الأشخاص الذين اختفوا في العراق خلال القوات التي تلت الاحتلال الأمريكي والذين لا يزال مصيرهم مجهولا.

تبقى هذه الجرائم الإنسانية وصمة عار في جبين القائمين على العملية السياسية في عملية التسابق على إخفائها والخوف من الإعلان عن الجناة ومداراة المليشيات والجماعات المسلحة خشية منها والعمل على إيجاد الذرائع التي تبعد الحقائق والوقائع الميدانية التي استهانت بالدم العراقي الطاهر وبحياة الإنسان العراقي المكافح.

المصدر:جريدة البصائر

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات