الخميس 17 أكتوبر 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

أسباب وتداعيات هجرة العراقيين إلى أوروبا

أسباب وتداعيات هجرة العراقيين إلى أوروبا

خبر مؤلم لافت نشرته جريدة الغارديان البريطانية في ال27 من آب 2019 أضاف لي جرعة مهمة من الاهتمام والدافع الجدي للكتابة عن موضوع الهجرة العراقية الى أوروبا .

الخبر يشير إلى موت مواطن عراقي لم يتجاوز عمره الخمسين عاماً في محاولته الفاشلة للسباحة للنجاة إلى الساحل البريطاني عقب غرق القارب الناقل له وللمهاجرين للقارة الاوروبية حيث وجدت جثته قرب الساحل البلجيكي . علما أن سلطات خفر السواحل الأوروبية من بريطانيا وفرنسا تحديداً ومنذ يناير للعام 2019 تمكنت من انقاذ مايقارب من 1450 شخصاً من قوارب متهالكة أو غارقة فعلياً “قوارب الموت” ، عدد تجاوز الضعف للذين حاولوا عبور القنال الانكليزي في عام 2018 .

“موضوع الهجرة لابد من مقاربته بشكل موضوعي مع دول أخرى لاقتراح الحلول الناجعة مسألة بحق تقتضي بحثا معمقا”

من الطبيعي عندما تكون الأوضاع العراقية غير مواتية أمنياً –سياسياً – إقتصادياً – مجتمعياً وبيئياً وغيرها من مؤشرات سلبية يتضح لنا المدى الواسع الذي وصلت إليه أوضاع العراق من تردي وإنحدار نسبي منذ عام 2003 ، إذ أخذ يلحظ المراقب والمتابع الموضوعي لتطورات الشأن الداخلي العراقي أن منسوب الهجرة من العراق إلى دول العالم آخذ بتصاعد حاد في معدلاته إلى درجات غير مسبوقة . تشكل 2388 مجمل أعداد المهاجرين العراقيين إلى أوروبا نسبة 4.7% (حتى نهاية آب 2019) من مجموع النسبة العالمية. من هنا ، أهمية عرض الرؤية الستراتيجية (إن وجدت) لمعالجة الشأن العراقي بصورة كلية (تشخيصاً ومقترحات لحلول) ذلك من أجل تبيان ماهية دور المحركات الرئيسة للهجرة وما يستوجب من معرفة للأسباب الكامنة ورائها. في هذه المقال سأعرج على مراجعة وتحليل مركز لموضوع هجرة العراقيين إلى أوروبا بإعتبارها منطقة حيوية تسترعي إنتباه المهاجرين العراقيين نظراً لقربها الجغرافي النسبي ولتاريخ العلاقات معها من منطقة البحر الأبيض المتوسط أوالشرق الأوسط أياً كانت التسمية ممثلة بدول الاتحاد الأوروبي European Union . يضاف لما تقدم أهمية الأبعاد الجيوسياسية والجيوإقتصادية والجيوثقافية في تجذر وتطور الأزمة المستمرة التي تعمقت في إطار أنظمة سياسية لم تراعِ أبسط البسيط من مبادئ وقيم حقوق الانسان وحرياته الاساسية.

من هنا أهمية التقرير الذي أعده وموله الاتحاد الأوروبي ووزارة الخارجية الهولندية معاّ بخصوص هجرة العراقيين وغيرهم من سكان عالمنا الشرق أوسطي الفسيح . المنهجية العلمية التي أتبعت في إعداد وكتابة التقرير أعتمدت على مسوحات للرأي العام العراقي في إطار مايعرف ب”نظام المجموعات” . هدف التقرير إلى تشخيص وتقديم تفهم أفضل لطبيعة ومعطيات الهجرة إلى أوروبا من دول متعددة من ضمنها العراق ، أفغانستان ، نايجيريا ، باكستان والصومال. من الأهمية بمكان إذن أن نعتبر التقرير الخاص بالعراق الذي نحن بصدد مراجعته جزءاً لايتجزأ من التقرير الاوروبي العام الراصد ل”الأدلة الاقليمية” لما يعرف ب”مبررات أو أسباب الهجرة تحليلاً وسياسة”.

“أخذ يلحظ المراقب والمتابع الموضوعي لتطورات الشأن الداخلي العراقي أن منسوب الهجرة من العراق إلى دول العالم آخذ بتصاعد حاد”

من هنا أهمية توضيح الإطار العام للمشكلة أولاً بالتوافق مع تحديد مناسب لطبيعة البيئة المنهجية الخاصة بمعرفة العوامل المبررات الحقيقية لظاهرة النزوح أو الهجرة مايتطلب التركيز على 6 محاور رئيسة وفقاً للتقرير هي :

أولاً- التوصيف والتعريف ب”من هو المهاجر؟” ،

ثانياً- محركات الهجرة وصناعة القرار

ثالثأ- نقاط الضعف والمخاطر المترتبة على الهجرة

رابعاً- دور الوسطاء في التخفيف أو التصعيد من مخاطر الهجرة

خامساً – تصورات المهاجرين عن أوروبا

سادساً- اختيارات وخيارات المهاجرين. المعلومات التي جمعت من المهاجرين العراقيين لعام 2017 تقع ضمن إطار مسوحات رأي للمجموعات التالية : أولاً – العراقيون الذين يعيشون مرحلة إنتقالية في طريق للهجرة إلى أوروبا مقيمين غالبا في بلغاريا واليونان، ثانيا – المهاجرون العراقيون في إحدى محطات هجرتهم النهائية في أوروبا (هولندا) أو غيرها مثل ألمانيا وفرنسا ، ايطاليا واسبانيا وغيرها ، ثالثا- المهاجرون الذين عادوا بالفعل للعراق عقب عدم نجاح تجربتهم او كنتيجة للضغوط التي مارستها الدول المستقبلة لهم . طبيعة العينات التي أخذت تعرف بإنها عشوائية اساسية Basic Random إضافة لعينة يمكن تعريفها بكرة الجليد المتدحرجة snowball sampling وإعدادها من العراقيين كالتالي : من بلغاريا 976 شخصاً، من اليونان 254 شخصاً ، من هولندة 195، ومن العائدين للعراق من أوروبا 675 شخصاً . من المناسب الاشارة هنا إلى أن من جمع المعلومات قد سهل فعليا مهام إجراء المقابلات المباشرة التي اجريت من قبل عراقيين . نبتدأ بالإطار العام لتوصيف المهاجرين الذين عرفوا كذلك لإنهم يسعون بشكل عام لتحسين أوضاعهم ورفع من مستوى جودة حياتهم أو لغاية مهمة اولية وهي حفظ وجودهم أو بقائهم في ظل بلد آمن مزدهر. وصل العدد الكلي للذين أخذت آرائهم 2100 شخص 79% منهم ذكور و21% أناث، أما المعدل التقريبي لعدد أفراد العائلة الواحدة فهو من 6 أشخاص ، بينما الحالة الزوجية تصل ل 54% ممن استفتيت آرائهم . أما معدل أعمارهم فيصل إلى 31 عاماً. من المهم الإشارة إلى أن مايقارب من 30% من هؤلاء لم يكونوا انفسهم أصحاب القرار في الهجرة لخارج العراق ، أي أن قرار الهجرة يرجع إلى فئات أخرى : للزوجات بحدود 51% ، الأهل 42% ، الإخوة والأخوات 3% ومن الأشخاص الآخرين 4%. أما الإحصاءات الأخرى فتشير إلى أن لهؤلاء المهاجرين عوائل (73%) واصدقاء (74%) يقطنون أصلاً في أوروبا ماشجعهم كثيراً للقيام بمخاطرة الهجرة غير المحسوبة إلى أوروبا التي انتهت بالكثير منهم في “قوارب الموت” . نأتي لجانب آخر من صلب الموضوع وقد حدده التقرير عن تحديات المرحلة التي سبقت الهجرة إلى أوروبا – متعددة ومتنوعة – مثلت مايلي من إحصاءات : 73% من هذه التحديات ذات طابع شخصي ، قسم آخر منها تتسم بكونها ترجع إلى تهديدات مباشرة للأمن الشخصي للمهاجرأياً كانت مؤهلاته ولكنها تؤدي بالنهاية لخسارة العراق كثيراً من التخصصات التي بأمس الحاجة إليها ، تليها تحديات أخرى لم يتم تحديدها بشكل واضح ، ثم تأتي تحديات البطالة التي أتسع نطاقها بصورة جلية ومؤلمة خاصة بين الشباب العراقي الذي يأمل ويرنو لمستقبل زاهر يعيشه مع عائلته في العراق ، إلا أنه حالياً يقع في حومة الأماني أكثر منها وقائع قابلة للتطبيق او حتى للقياس كونها معاناة معنوية – نفسية أكثر منها مادية على أهميتها . يضاف إلى كل ذلك تحديات لها علاقة بالتمميز أو التمايز على أسس المحاصصة المقيتة (طائفية ، عرقية ، قبلية ، جهوية وغيرها) والتي لم تنتشر تداعياتها الخطيرة على تماسك المجتمع العراقي في مراحل سابقة كما هي في المرحلة التي تلت 2003 ، وأخيراً المشكلات المالية للقروض وللديون التي بذمة هؤلاء المهاجرين تجاه دائنيهم . أما على مستوى التحديات العائلية فقد تم تحديده بنسبة 72% توزع على الشكل التالي: تهديدات للأمن الشخصي للمهاجر ، تليه عدم توفر دخل شخصي كاف له يلبي أبسط إحتياجاته. من منظور مكمل علينا متابعة مسار التهديدات الاخرى المتنوعة للأمن بصورة عامة، من ضمنها قراءة موضوعية للتهديدات التي تؤد إلى إفتقاد الشريحة الاكبر للوظائف التي تدر عليها عيشاً رغيداً أو تدر للدولة قيماً مادية ضخمة ومعنوية “لاتقدر بثمن”.

إن أمراً كهذا ينسحب على “التحديات المجتمعية” التي وصلت إلى نسبة عالية جداً مايقارب 78% مايجعلنا نفكر مراراً بإن التنمية المستدامة قد تصبح آمالاً أكثر منها واقعاً ملموساً تؤثر سلباً على مسيرة بناء وتنمية الاجيال القادمة . تأتي في مقدمة هذه التهديدات تلك التي تخص ضرورة حفظ الأمن والأمان ، تليها مسألة إفتقاد الوظائف العامة ِباعتبارها مصادر عيش أساسية للمواطنين ، تليها أخيراً حالة الانفلات الأمني في بعض مناطق العراق نظراً لعدم وجود دولة عدل أو قانون بالمعنى الحقيقي تحمي وترعى حقوق المواطنين وحرياتهم الاساسية بحيث تواجه بكل اقتدار أية تهديدات عنصرية أوأخرى تخص أحوال ومشاعر الكراهية. ننتقل إلى محركات الهجرة حيث يمكننا تحديدها وفقا لما يلي : 58% أحداث سمتها أمنية في الجوهر ولكنها تدفع بإتجاه الهجرة لخارج العراق منها 27% ترجع لأسباب عائلية قد تدفع بعض الأسر لهجرة أفراد منها نظراً لضيق ذات اليد ، 15% لدوافع شخصية للمهاجر ترجع اساساً لحالة البطالة الراهنة التي شملت الكثير من أفراد شعبنا المكافح خاصة فئات وشرائح مجتمعية كلفت الدولة قيما كبيرة جداً طوال مسيرة تعليمها وتآهيلها وتدريبها. يضاف إلى ذلك 14% منها بصورة دعوات تأتي من أحد أفراد أو أصدقاء العائلة في أوروبا ، و 9% ترجع لفقدان الوظيفة الراهنة ،وأخرى 7% تروج للأطروحة التي تقول بإن عدداً كبيراً من أفراد المجتمع المحلي الذي ينتمي اليه الأفراد تشرع باتجاهات ضاغطة ما يجعل المهاجر يقرر طوعاً أو ربما قسراً الهجرة للاندماج مع من كان وجودهم أسبق زمنياً في أوروبا. هذا وتتوفر إحصائية أخرى مهمة تقول إن 76% أشاروا بشكل واضح إلى انهم لن يبقوا في العراق حتى وأن عرضت عليهم وظائف، و79% منهم يرفضون البقاء في العراق حتى وإن توفرت لهم فرص أخرى مناسبة للدراسة داخل العراق كون هذه الفرص قد لاتضمن مساراً زمنياً كافياً لتلبية إحتياجاتهم الراهنة دع عنك “المستقبلية” . من منظور مكمل نجد إحصاءات أخرى ترتبط بموضوع أخر مهم هو “نوايا المهاجرين”حيث تقول الاحصائية إن 57% من المهاجرين الذين استقر بهم المقام في الدول المضيفة او المستقبلة سيدعون أخريين ممن تتماثل أوضاعهم معهم الى الهجرة بينما 37% منهم في إتجاه مغاير سينصحونهم بعدم القيام برحلة الهجرة بكل تفصيلاتها الصعبة غير المحسوبة جيداً.

“سلطات خفر السواحل الأوروبية من بريطانيا وفرنسا تحديداً ومنذ يناير للعام 2019 تمكنت من انقاذ مايقارب من 1450 شخصاً”

جدير بالاهتمام أنه دون تحديد دقيق للاسباب المتنوعة التي يجب أن تحد أو تقلل من معدلات الهجرة او تؤدي لعكس ذلك لنمو تيار متصاعد منها يشير التقرير أخيراً لثلاثة أسباب رئيسة للهجرة وهي : أولاً- الحرب والصراع على مستوى الدولة تشكل 14% ، ثانيا: 30% تعد أسباب شخصية –عائلية ، خاصة تهديدات للأمن والأمان ، ثالثاً : 15% ترجع لأسباب يمكن أن تعزى لفقدان الوظائف ومصادر العيش التي يعتمد عليها المواطنين. أما الأسباب الثانوية للهجرة فهي أخرى توضحت من خلال الاحصاءات التالية : 22% تجمع مابين شخصية – عائلية وأنتشار لحالة عدم الأمن والأمان، ثانياً 14% تعود لحالة الحرب والصراع على مستوى الدولة، ثالثاً-12% لأنحسار أو ربما افتقاد أي معدل مقبول للنمو الاقتصادي ، رابعاً- 7% نسبة تحمل مشاعر من العنصرية والكراهية للاخرين مايعيق حالة التعايش المجتمعي ، خامساً – 7% ترجع لإفتقاد حكم القانون في الدولة ما يؤثر سلبا على الوصول لمجتمع مستقر يعيش في ظروف العدل والتسامح الاجتماعي .

باختصار موضوع الهجرة لابد من مقاربته بشكل موضوعي مع دول أخرى لاقتراح الحلول الناجعة مسألة بحق تقتضي بحثا معمقا ياخذ بالاعتبار مستقبل العراق ودوره المحوري في استقرار الأمن والسلام وتحقيق الازدهار الاقتصادي – المجتمعي الممهد لإستقطاب المهاجرين وعودتهم لأرض الوطن حباً في بنائه وتقدمه.

المصدر:صحيفة المدى

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات