الخميس 17 أكتوبر 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

تساؤلات كثيرة عن تفاصيل مذكرة التفاهم بين العراق والصين

تساؤلات كثيرة عن تفاصيل مذكرة التفاهم بين العراق والصين

تناقلت العديد من وسائل الإعلام أخباراً عن الإتفاقية العراقية – الصينية، وذكرت الأخبار عن أن الاتفاقية شملت مختلف المجالات الاقتصادية والامنية والخدمية والاستثمارية والإنشاءات وغيرها. وعولت الحكومة كثيراً على هذهِ الشراكة، نظرا لحجم الأموال التي يتوقع أن تنفق في هذا الاتجاه.

وأوضحت مصادر حكومية في تصريحات متعددة خلال اليومين الماضيين أن حجم الأعمال بين العراق والصين سيتجاوز الـ٥٠٠ مليار دولار خلال 10سنوات المقبلة، فيما أكدت هذه المصادر ان الاتفاق الإطاري للإنفاق عبر الصندوق الائتماني المالي من بين أهم الاتفاقيات التي أبرمت مع الجانب الصيني، والاتفاق طويل الأمد بين البلدين سيشجع الشركات الصينية المعروفة على المزيد من الاستثمارات في العراق، متناسيةً أن الوضع الأمني لايزال يشهد تذبذباً ملحوظاً في مختلف المناطق العراقية، كما لا بزال معظم المناطق تحت تهديد تنظيم الدولة (داعش) ومناطق أخرى تحت سطوة الميليشيات التي لا تزال تحكم سيطرتها وتعمل على التغيير الديموغرافي في غالبية المناطق التي تسيطر عليها، وأهمها منطقة جرف الصخر وسليمان بيك وبيجي وغيرها.

“السؤال الأهم: كم سيبلغ سعر برميل النفط في الاتفاقية المتبادلة بين العراق والصين على مدى 10 سنوات؟”

إن المعلومات المتوفرة تبين أن الصين واستنادا للاتفاقيات الأخيرة ستكون من أكبر البلدان المستوردة للنفط العراقي، وهي اليوم تستورد بحدود 800 ألف برميل من النفط يوميا من العراق ويتوقع ارتفاعها إلى المليون في السنة المقبلة، لكن المثير للجدل هل الإتفاقيات المبرمة مع الصين ستكون وفق نظام مالي يدفع بالآجل أم أن هنالك سياسة سداد في هذا الأتفاق تعمل وفق نظام النفط مقابل البناء والإعمار؟ .. أو ربما إستثمار تجاري تسيطر عليه الشركات الصينية وتحتكر قوته العاملة وموارده الناتجة؟.

هنا علينا أن لا نستبق الحكم لأننا بإنتظار تفصيل كامل لهذه الإتفاقية، فإذا ثبت أن مجموع مبلغ الإتفاقية والذي هو أكثر من 500 مليار دولار فهذا يعني أننا أمام هلاك إقتصادي مرتقب سيزيد حجم الديون الترتبة على العراق، وسيقف العراق عاجزاً امام سداد هذه الديون في المستقبل، أما إذا عملت الحكومة بسياسة الذكاء التجاري، وتبادل المنفعة من خلال النفط مقابل البناء والاستثمار، وأن يكون ذلك الاستثمار مشروطاً على أن تكون اليد العاملة بشراكة عراقية، وتفعيل قانون العمل العراقي، وهو أن تكون نسبة القوى العاملة مع تلك الشركات لا تقل عن 50٪ من حجم العمالة العاملة، لإن ذلك من شأنه القضاء على أهم المشاكل الحالية ومنها مشكلة البطالة.

كما أن المعلومات اشارت الى أن مجموع الاتفاقيات التي أبرمت هي ثمان اتفاقيات ومذكرات تفاهم، بحضور وإشراف رئيس الوزراء “عادل عبدالمهدي” ورئيس مجلس الدولة الصيني “لي كه تشيانغ”، ومن بين تلك المذكرات التوقيع على اتفاق إطاري للإنفاق الائتماني المالي ومذكرة تفاهم لإعادة الإعمار الاقتصادي، وأخرى تتعلق بمجالات التعاون الاقتصادي والثقافي والفني وتطوير البنى للمواصلات والاتصالات والسكن والطاقة والمجاري والأمن، إضافة إلى العقود التي توقع من قبل الوزراء والمحافظين الذين رافقوا الوفد.

“مشاكل كثيرة وكبيرة يواجهها قطاع الاستثمار في العراق، لأن الحكومة الاتحادية ومجلس النواب لا زالا عاجزين عن سن التشريعات”

عبدالمهدي تحدث في كلمته خلال منتدى التعاون الاقتصادي العراقي – الصيني عن كون العراق بلد مهيأ للاستثمارات، وفرص العمل فيه كثيرة وفي جميع القطاعات، وأن البلاد تشهد تزايدا في أعداد الشركات والمستثمرين بعد سلسلة قرارات تخص الشراكة بين القطاع العام والخاص والتصويت على تأسيس مجلس الإعمار. في حين تناسى عبدالمهدي أن جميع القرارات بقيت وستبقى حبراً على ورق دون تطبيق أو تنفيذ، بالإضافة إلى عدم وضوح الرؤية الاقتصادية للحكومة وعدم دعم الاستثمار بالقوانين والتعليمات، مما يؤدي إلى تحول قطاعات الاستثمار والمؤسسات المعنية إلى ما يشبه الجمعيات التعاونية، وهذا بعيد كل البعد عن الاستثمار. فمن أبرز المعوقات التي لا تزال تواجه قانون الاستثمار رقم (13) لسنة 2006، هي عدم تحديد السلطة الرقابية لكافة المشاريع والشركات وفروعها التي تشرف على المشاريع الاستثمارية. وهذه معضلة في مدى جدوى تنفيذ المشاريع من عدمها.

ونعود قليلاً إلى تشكيل مجلس الإعمار الذي تم الإعلان عنه في وقت سابق لنرى محدداته وصلاحياته وسلطاته واختصاصاته وهيكليته والمعايير العلمية والمهنية والمواصفات الشخصية لمن يتولى إدارته ويكون عضواً فيه، لا أن يتم زجه في المحاصصة الحزبية والمكونات الطائفية كما هو الحال في جميع المؤسسات ، وهذا المجلس هو نسخة مصغرة عن البرلمان ولجانه أو أي لجنة أخرى أو حتى الهيئات الرقابية، التي شاهدناها منذ 2003 وهي عبارة عن مجموعة من الاشخاص يرتبط كل منهم بحزب أو فصيل مسلح أو كتلة سياسية.

مشاكل كثيرة وكبيرة يواجهها قطاع الاستثمار في العراق، لأن الحكومة الاتحادية ومجلس النواب لا زالا عاجزين عن سن تشريعات قابلة للتطبيق تسهم في جلب الاستثمارات الاجنبية للبلاد، أو تحجيم دور العصابات والميليشيات المرتبطة بالأحزاب والتي لها سلطات تنفيذية في مؤسسات الدولة الحالية.

على الرغم من أن الصين تعتبر القوة الاقتصادية الاولى على مستوى النمو وذلك حسب ما جاء في تقرير نشرته مجلة الإيكونومست المتخصصة في اقتصادات الدول وتقييم النمو الاقتصادي في وقتٍ سابق، واعتبارها القوة الاقتصادية المتقدمة في اسيا، إلا أن هذا لا يمنع من أن تكون تلك الصفقة لدوافع متعلقة بالعقوبات الأمريكية على إيران، من ناحية ارغام الصين على استيراد النفط العراقي بسعر أقل، من أجل التخلي عن شرائها للنفط من إيران، وهذا هو التحليل الأكثر واقعية.

تساؤلات وعلامات استفهام كثيرة تطرح عن قيمة هذه الاتفاقيات ومبالغ الفوائد المترتبة عليها والتي يتوجب على العراق دفعها في المستقبل، والتي قد تؤدي إلى استنزاف موارد النقد في البنك المركزي وتخلف تراكمات إضافية للمشكلات الاقتصادية العراقية.

“تساؤلات وعلامات استفهام كثيرة تطرح عن قيمة هذه الاتفاقيات ومبالغ الفوائد المترتبة عليها والتي يتوجب على العراق دفعها في المستقبل”

والسؤال الأهم: كم سيبلغ سعر برميل النفط في الاتفاقية المتبادلة بين العراق والصين على مدى 10 سنوات؟ هل سيكون بسعر ثابت طوال تلك الفترة أم يخضع لتغيرات السوق العالمية النفطية؟ وما هو حجم الفوائد المترتبة التي يستوجب على العراق دفعها خلال هذه العشر سنوات؟

في حال خضع بيع النفط لسعر السوق العالمي فيعتبر ذلك الأمر إيجابياً من الناحية الاقتصادية، أما إذا تم توقيع الاتفاقية بسعر ثابت على مدى عشر سنوات فهذا يعتبر فشلاً فادحاً إضافياً ترتكبه الحكومة العراقية في سياستها الاقتصادية على هذا النحو، لأن الصين لا تعتبر طرفاً خاسراً في أي بند مهما كانت فقراته، فهي بالأساس تعمل وتسعى لتوثيق العلاقات مع الجميع في المنطقة من أجل ضمان امن وسلاسة رسو خط وطريق الحرير الجديد الذي عملت عليه منذ سنوات، وهذا أحد أهم الأسباب التي دفعت الصين لتوقيع تلك الاتفاقية.

المصدر:مركز راسام

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات