السبت 07 ديسمبر 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

أين العراق من قمة المناخ للعام 2019 ؟

أين العراق من قمة المناخ للعام 2019 ؟

عقدت قمة المناخ في واشنطن في ال 23 من أيلول 2019 بمشاركة مايقارب 160 دولة مثلوا من خلال زعمائهم (رؤساء دول أوحكومات بدرجات تمثيل أدنى) .

تأتي القمة في أعقاب قمة باريس للمناخ للعام 2015 حيث “ابرم فيها إتفاق عالمي لمواجهة التغير المناخي عن طريق خفض انبعاثات الغازات المتسببة في إرتفاع درجة حرارة الأرض”. إتفاق باريس يلزم المنتمين الموقعين عليه ب”خفض حرارة الأرض بإكثر من درجتين مئويتين مقارنة بالمستوى المسجل قبل الثورة الصناعية”. المشكلة التي تستمر قائمة منذ إتفاق باريس حتى مابعد إتفاق واشنطن للمناخ للعام الحالي (2019) تتمثل في استمرار دعم حكومات القوى الرئيسة المسببة للتلوث البيئي على رأسها الولايات المتحدة الاميركية والصين والهند وغيرها بدعم مشروعات الطاقة الاحفورية لحدود تصل إلى 4.7 ترليون دولار .

ولعل إنعقاد القمة الأخيرة يهدف ضمن أهدافه المهمة الرئيسة تصفير الانعاثات الغازات السامة لثاني اوكسيد الكاربون وغيرها من الغازات الأخرى التي تضر بصحة الانسان أساساً والبيئة عموماً بحدود عام 2050 وكذلك إنهاء الدعم الحكومي كلياً لمشروعات الطاقة الاحفورية المسببة لتداعيات غاية في الخطورة على حياة البشر أينما وجدوا.

“لابد من توفر مناهج ودراسات معمقة للحالة البيئية التي نحن بصددها بغية معرفة كيفية تشخيصها وتحديد مكامن خطورتها وتداعياتها السلبية على حياة البشر عموما والعراق بشكل خاص”

جدير بالذكر أن قمة واشنطن الأخيرة للمناخ عقدت في أجواء صاخبة صاحبتها تظاهرات وإعتصامات ضخمة عالمية لم يشهدها لها العالم مثيلاً من قبل وصلت أعدادها التقريبية الى ما يتجاوز الأربعة ملايين نسمة رأس الرمح فيها تتمثل بقيادة النخب الشبابية- المثقفة الواعية والمدركة لمدى خطورة استمرار الاحترار الحراري وتصاعد التلوث البيئي . جدير بالاهتمام أن للطالبة غريتا ثونبرج السويدية الجنسية صاحبة ال16 ربيعاً دور محرك حيوي رئيس في تنمية الحراك المجتمعي على مستوى العالم بصورة لم تسبق من قبل منذ أن بادرت بإعتصامها في مدرستها العام الماضي (2018) مع أقرانها من الطالبات والطلبة ليوم واحد إحتجاجاً على وقوف حكومات العالم موقفا سلبيا بل جامداً بل وربما خطيراً نظراً لتجاهل هؤلاء الزعماء وصناع القرار في دول العالم لمدى خطورة تنامي ظاهرة التسخين أو الاحترار الحراري العالمي The Global Warming على حياة وعيش البشر في العالم .

خطابها في الأمم المتحدة كان صرخة مدوية عنوانها الواضح لرؤساء الحكومات والدول : “لقد سرقتم أحلامي”. ضمن هذا التصور الواضح والمؤلم في آن واحد وجهت غريتا ثونبرج جام غضبها تجاه زعماء العالم بقولها : ” الاجيال التي لوثت العالم أكثر حمّلتني وجيلي عبء التأثيرات البالغة لتغيير المناخ”. من المعروف علمياً بشهادة مايقارب 97 % من علماء العالم في مجال التخصص البيئي أن العالم مقبل على تطورات بيئية خطيرة كنتيجة متوقعة لإستمرار ارتفاع درجات الحرارة بصورة غير مسبوقة في ظل فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز الثلاث عقود زمنية بحيث وصلت إلى 1.5 درجة مئوية قياساً مع الفترة التي سبقت الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر دون معالجات علمية وواقعية حاسمة .

إرتفاع حاد أدى حتى الآن لشواهد واضحة جدا منها ذوبان صحائف الجليد في مناطق تقع ضمن محيط القطب الشمالي مسببة إنهيارات جليدية مدمرة تحولت سريعاً إلى أرتفاع كبير واضح في مناسيب المياه في المحيطات التي تبلغ مساحتها الكلية مايقارب ال80 % من مساحة الكرة الأرضية . علماً بإن 90% من تأثيرات إرتفاع درجات الحرارة وإرتفاع مناسيب مياه المحيطات والاغلفة الجليدية يرجع إلى نشاطات إنسانية. كذلك تسارع الكوارث الطبيعية عبر عالمنا في كل يوم تقريباً حيث خارطة الانهيارات الأرضية ، تصاعد معدلات الهزات والزلازل ، تنامي حدة وتكرار الأعاصير والعواصف والسيول الجارفة للحرث وللنسل بصورة لم تحدث من قبل .

فمابالنا إذا ما ارتفعت درجات الحرارة إلى 6 للفترة مابين 2020 إلى 2050 أو للقرن القادم بحدود 2100؟ الجواب ببساطة أمكانية واضحة جدا لحدوث كوارث بيئية – إنسانية ربما ستنتهي بمصير كارثي – إنساني لايمكن تصوره أو تخيل أبعاده ومظاهره بصورة تجعل مراكز ومدن حضرية متعددة كاملة قابلة للغرق منها مايقع في منطقتنا العربية من المشرق العربي والخليج العربي حتى شمال افريقيا مع ماسينجم عنه من “هجرة بيئية ضخمة” غير محسوبة العواقب والتداعيات على البشر وعلى مدى نجاح مشروعات التنمية البشرية المستقلة خاصة وإن التخطيط العلمي أو الإعداد المسبق الذي من ضمنه توفر محطات الانذارالمبكر لم يبدأ العمل بها أو انها لا تعمل بعد بفاعلية وجهوزية جيدة للتحسب من مخاطر هجرات بيئية متتالية جديدة ودمار بيئي بحاجة لأعادة الإعمار مستقبلاً .

السؤال المنطقي المباشر : لماذا لم يُظهر العراق والعديد من دولنا العربية إهتماما كبيراً يتناسب مع ما تسارع الكوارث الطبيعية للمناخ بصورة تماثل ما قامت وتستمر بالقيام به دول عدة في العالم سارعت بإخذ منهج الحيطة والحذر من تفاقم اشتداد “الغضب البيئي” إذا صحت التسمية ؟ علما بإن البنك الدولي سبق وأن وجه منذ 10/4/2015 نداءات متعددة منها نداء للدول العربية شعاره الرئيس “أخفضوا الحرارة في العالم العربي” بإعتبار ذلك بداية ستكون موفقة نسبياً إذا ما بدأت بكل جدية دولنا العتيدة في معالجة الشأن البيئي. كما أن البنك الدولي قد أكد أيضاً بصورة واضحة “إن منطقة الشرق الاوسط وشمالي افريقيا ستشهد إرتفاعاً في درجات الحرارة يبلغ ست درجات مئوية بحلول العام 2050 ، مايؤدي إلى نقص حاد في الامطار وبالتالي انتشار كبير لظاهرة الجفاف ، مع تأثيرات ذلك على الأمن الغذائي لسكان الدول العربية”. بمعنى أن المفارقة الرئيسة الماثلة للعيان انه وبرغم كون المنطقة العربية – الشرق أوسطية والشمال افريقية تعد من أكثر المناطق عرضة للاحترار العالمي بشهادة المؤسسات الدولية المهتمة بتطورات الشان البيئي ، إلا أن صناع قراراتها ، بعض قيادات الرأي العام و عدد من النخب الثقافية والاعلامية ماتزال غير مكترثة بشكل كاف أو مناسب نسبيا ينم عن ضرورة تشكل مسؤولية إجتماعية – إقتصادية-سياسية (إنسانية في الصميم) تسعى حثيثا لحماية البشر وبقائهم وعيشهم الكريم . ما هو اساسي أن يتم ضرورة تشكيل وبلورة صيغة واضحة ممنهجة ومخطط لها جيدا لعمل الجماعات الضاغطة بصورة تأثر إيجابا على من بيده مفاتيح الحل والعقد في دولنا بغية تغيير مسار أو مسارات عملية قد تكون خاطئة أو غير دقيقة مضمونا وشكلا .

“لماذا لم يُظهر العراق والعديد من دولنا العربية إهتماما كبيراً يتناسب مع ما تسارع الكوارث الطبيعية للمناخ”

صحيح أنني شخصياً لم أرصد خروج تظاهرات أو إعتصامات شعبية كبرى أو حتى صغرى للشباب العربي بضمنه شبابنا العراقي إحتجاجا على دور صناع القرار في العراق وفي عموم الدول العربية تجاه ما نشهده من سياسات العراق أو تلك المرتبطة بدول العالم المتقدم صناعياً وتقنياً (الولايات المتحدة الاميركية ودول الاتحاد الاوروبي ، اليابان ، الصين ) التي ثبت بالأدلة القاطعة إنها تلوث الاجواء او تقبل بها وأخرى تسبب وتسهم فعلياً في مسار تصاعد حدة الكوارث البيئية إلا أن مايجب التعريف به كون الدول العربية ذاتها تتباين في درجات إهتمامها بمثل هذا الموضوع الحيوي . الأمر مرهون بضرورة معرفة طبيعة الظروف الخاصة بطبيعة كل دولة من التحديات الجيوسياسية – الاقتصادية – المجتمعية وغيرها .

من هنا إذن لابد من توفر مناهج ودراسات معمقة للحالة البيئية التي نحن بصددها بغية معرفة كيفية تشخيصها وتحديد مكامن خطورتها وتداعياتها السلبية على حياة البشر عموما والعراق بشكل خاص. لعل من المناسب الإشارة إلى أن إحصاءات الأمم المتحدة تشير لمدى خطورة تصاعد مستوبات إنبعاثات الغازات الدفيئة السامة الملوثة للبيئة في منطقتنا العربية حيث واجهت مايقارب “330 كارثة متفاوتة الأخطار والاحجام أدت إلى مقتل نحو 160 ألف شخص ، وتأثر بها نحو ستين مليوناً آخرين”. وبالعودة للعراق يتبين أن العراق وإن أبدى اهتمامه بالشان المناخي خاصة والبيئي عموما إلا أنه لم يكن في إطار خطة استراتيجية شاملة واضحة المعالم تغطي كل مؤسسات الدولة وقطاعاتها من زراعية ، صناعية ، تقنية وخدمية . خطاب الرئيس العراقي برهم صالح في الجمعية العامة للامم المتحدة على أهميته البالغة حيث تناول قضايا حيوية إلا أن الشأن البيئي جاء فقط ضمن صورة محددة وفي إطار مرحلة أو مراحل تاريخية سابقة مؤلمة حقا حيث يقول : “ماعاناه الشعب العراقي خلال 40 سنة مضت من الاستبداد والدمار وأستخدام الاسلحة الكيماوية في حلبجة وتجفيف الاهوار وتدمير البيئة وتخريب البنى التحتية”. أكثر من ذلك حتى في ظل تناوله لمواجهة تحديات التنمية المستدامة لم يغطي الرئيس العراقي مسألة البيئة كما يجب الامر الذي يتضح من خلال المقتبس التالي : “لمعالجة التحديات الملحة التي تواجه البلاد بما فيها توفير فرص عمل للشباب وتأمين الحكم الرشيد ومحاربة الفساد.. إلا أن النهوض بقطاعات التربية والتعليم والصحة والتنمية المستدامة ، هو الطريق السليم لمكافحة الفكر المتطرف وإستئصال الارهاب من جذوره من خلال بناء أجيال قادرة على صنع المستقبل”. العراق ضمن إطار موضوعنا هو بالفعل بحاجة لأجيال متمكنة تستطيع بناء مستقبل واعد للتنمية المستدامة بشكل يترافق كليا مع تأكيد ما يعرف دوليا بمبدأ “مسؤولية الحماية-R2P للشعب” بكل طوائفه واطيافه وأعراقه بعيدا عن المخاطر الراهنة أوالمتوقعة وعلى راسها الارهاب والفساد اللذان هما وجهان لعملة واحدة.

المصدر:صحيفة المدى

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات