الأربعاء 11 ديسمبر 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

انتفاضة الشباب تعيد للعراق عافيته

انتفاضة الشباب تعيد للعراق عافيته

اذا كان خروج شباب البلاد العربية الى الشوارع احتجاجا وثورة، قد فاجأ العالم في عام 2011، وتكاتفت لإعادة تشكيله وصياغته، وفق المطلوب، الحكومات المحلية المستبدة والقوى الاقليمية والعالمية، فان انتفاضة الشباب العراقي، الحالية، في يومها الثامن، لم تفاجئ احدا، وها هي محاولات اجهاضها جارية، كما سابقاتها، من قبل عدة جهات متداخلة بتوليفة ميليشياوية – سياسية – دينية محلية واقليمية، وحجج معجونة بالفساد المحلي والدولي.

ففي كل مرة يخرج فيها المتظاهرون الى الشوارع احتجاجا، لأسباب تبقى في جوهرها واحدة، على اختلاف المدن والمناطق العراقية، مطالبين بالخدمات الاساسية الضرورية لإدامة الحياة والكرامة، في بلد غني تبلغ ميزانيته السنوية 120 مليار دولار، ويتم فيه استيراد المهندسين والعمال أما من الخارج أو تعيين غير المؤهلين نتيجة الفساد، تقوم قوات الحكومة «الديمقراطية» وميليشيات الاحزاب المدعومة إيرانيا، بإطلاق النار على المتظاهرين، بينما يقف سادة «الديمقراطية» من الحكومة البريطانية الى الادارة الامريكية، جانبا، وهم يحصدون غنيمة الحرب والخراب الذي زرعوه عقودا وأسلحة.

“بالإضافة الى الاتهامات، حاول الساسة ورجال الدين، ولايزالون، تخدير المتظاهرين بالوعود الزائفة في سيناريوهات جاهزة الى حد اثارة التقزز”

قائمة المظاهرات السابقة طويلة وتمتد من شمال العراق الى جنوبه منذ غزوه واحتلاله عام 2003. وفي كل مرة يسقط فيها الشهداء، تتستر الحكومة وقادة الاحزاب المستفيدة باتهامات جاهزة. احتجاجات واعتصامات أعوام 2011 ـ 2013، في الفلوجة والحويجة والرمادي والموصل، تم وصفها بالإرهاب وانها بتنفيذ « القاعدة». متظاهرو البصرة في العام الماضي، وصفهم حزب الدعوة الإسلامي الشيعي، بأنهم «مجرمون، آثمون، داعشيون، بعثيون… ويجب ان يعاقبوا». واتهم رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي المتظاهرين، في أيلول/سبتمبر 2015، بالعمالة لـ «قوى خارجية» تريد «استهداف الدولة»، كما ساهمت قنوات إعلامية، يمولها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، بنشر خبرا مفاده ان مخطط التظاهرات «يهودي صهيوني ماسوني» من أصل عراقي. أما متظاهرو النجف، المدينة المعروفة بأنها مركز المرجعية الدينية الشيعية، المطالبين بالكهرباء والماء الصالح للشرب، عام 2018، فقد تم اطلاق النار عليهم، فاستشهد اثنان وجرح 15 آخرين، تلاها قتيلان و40 جريحا في مدينة كربلاء. برر المسؤولون جريمتهم بأن الضحايا كانوا «إرهابيين، مخربين».

على مدى السنوات، أثبتت حكومات «العملية السياسية»، انها لا تكتفي بإهمال مطالب المتظاهرين واطلاق النار عليهم أو رمي مدنهم بالبراميل الحارقة، بل تواصل تكميم اصواتهم عبر اعتقال وإغتيال الناشطين والعقاب الجماعي. ولجأت، في العام الماضي، الى قطع الانترنت، عدة ايام، منعا للتواصل الاجتماعي وايصال اخبار الانتهاكات والجرائم الى العالم الخارجي. هذه الآلية، بمستوياتها المتعددة، يتم تطبيقها، كلها، على المتظاهرين، حاليا، بعد تطعيمها بتقنية ارهابية جديدة لم تستخدم سابقا، وهي استخدام القناصين لاغتيال المتظاهرين بالإضافة الى رجال الشرطة والجيش، اذا ما حدث، ورفض أحدهم اطلاق النار على المتظاهرين، خاصة وهم يرون بأم اعينهم عدم حمل المتظاهرين لأي سلاح كان، واكتفائهم بالهتافات واعلان الغضب سلاحا.

“قائمة المظاهرات السابقة طويلة وتمتد من شمال العراق الى جنوبه منذ غزوه واحتلاله عام 2003″

ان العراق الذي أريد لشعبه الخنوع، ولثروته النهب، ولأرضه التقسيم، بذريعة الطائفية والعرقية، حي يرزق، بشبابه، ورثة تاريخه العريق وحضارته الممتدة عميقا في جذور الانسانية

ان استهداف المتظاهرين بالرصاص الحي ونشر القناصين ليس انتهاكا لحق الحياة الحياة فحسب بل جريمة ضد الإنسانية تتحمل السلطات مسؤوليتها.

ومن يتابع هتافات المتظاهرين سيجدها، كما كانت منذ تظاهرات بدء الاحتلال، تقريبا، باستثناء شعار «ارحلوا»، برمزيته الخاصة التي تبدت بتونس ومصر. فمن «باسم الدين باكونا (سرقونا) الحرامية» و«ما نريد واحد ملتحي، نريد واحد مستحي» للدلالة على زيف ادعياء الدين، و«طلعت ريحتكم» و« كل النواب حرامية»، للدلالة على استشراء الفساد بين الحكومة والنواب معا، الى «ايران برة برة بغداد تبقى حرة»، للدلالة على تبعية الحكومة للمليشيات المدعومة ايرانيا، وعدم الرضا العام عن سياسة التبعية والخنوع لأية قوة خارجية.

واذا كانت كثرة ترداد الشعار الاخير، في التظاهرات الحالية، هو الذي أوحى للساسة بأن يركزوا حملة تشويههم للمتظاهرين، وبالتالي تبرير قتلهم، على اتهامهم بانهم عملاء لامريكا والسعودية، فانهم يتعامون عن حقيقة هي ان ليس كل من ينتقد احتلال ايران للعراق هو مؤيد لأمريكا والسعودية، بالضرورة، وليس كل من ينتقد أمريكا هو مؤيد لإيران، وليس كل مناهض للكيان الصهيوني معاديا للسامية. لم تعد هذه الوصفات الجاهزة للتشويه سارية المفعول. فالشاب العراقي الذي يجد نفسه عاطلا عن العمل او يفتقد سبل العيش الكريم، وقد بلغت نسبة البطالة 40 بالمئة، بينما يتمتع ساسته، مهما كانت طائفتهم او عرقهم، بسرقة أو تمكين سرقة مليارات الدولارات، أمام ناظريه، وتحويل البلد الى ساحة صراع بين أمريكا وايران، لا يحتاج ان يكون عميلا لأحد ليفهم ويدرك وينتفض. أنه تجسيد لشعاره: «نازل آخذ حقي».

بالإضافة الى الاتهامات، حاول الساسة ورجال الدين، ولايزالون، تخدير المتظاهرين بالوعود الزائفة في سيناريوهات جاهزة الى حد اثارة التقزز. من بين رجال الدين، يحتل مقتدى الصدر المركز الاول في حرباوية المواقف والتي انضم اليها الحزب الشيوعي في تحالف غير مقدس، للفوز بالانتخابات الاخيرة التي ساهم فيها 18 بالمئة من السكان فقط، للدلالة على فقدان الثقة بكل سلة الاحزاب. واحتل رئيس البرلمان الحلبوسي، بجدارة، قمة الابتذال السياسي، قبل يومين، حين وجه دعوة للمتظاهرين لزيارته واخباره بمطالبهم، متظاهرا، في كوميديا من الدرجة العاشرة، بانه لا يعرفها، وكأن المظاهرات الحالية هي الاولى من نوعها في البلد، وكأن شهداء الاحتجاجات منذ 16 عاما، كانوا يتسلون بالموت.

“استهداف المتظاهرين بالرصاص الحي ونشر القناصين ليس انتهاكا لحق الحياة الحياة فحسب بل جريمة ضد الإنسانية”

ان العراق الذي أريد لشعبه الخنوع، ولثروته النهب، ولأرضه التقسيم، بذريعة الطائفية والعرقية، حي يرزق، بشبابه، ورثة تاريخه العريق وحضارته الممتدة عميقا في جذور الانسانية، ولم يتم لصقه بالغراء «الانكليزي»، خلافا لادعاءات الغزاة والمحتلين. الثمن غال، وصلت فاتورة الحرية خلال الاسبوع الاخير ما لا يقلّ عن 100 شهيد برصاص القوات الحكومية وميليشياتها، وجرح اكثر من 6000 واعتقال بحدود 650 شخصاً.

مع ذلك، ينهض العراق، في كل مرة من رماد القمع والارهاب، لينتفض، ويدفع في كل مرة دماء ابنائه قربانا من اجل عراق حر موحد، ليتخلص من نظام فاسد مبني على طائفية أسسها المحتل الانكلو أمريكي. الطائفية التي أرادوا بواسطتها تقسيم الاهل والارض، وها هم المتظاهرون يغسلونها بدمائهم من على وجه العراق المحتفي دوما بكل اهله.

المصدر:القدس العربي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات