الجمعة 06 ديسمبر 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

الثورة العراقية العظمى

الثورة العراقية العظمى

تحوّلت الانتفاضة العراقية إلى ثورة، شملت عموم الشعب العراقي ومدنه ونواحيه، وضاهت جميع الثورات العظيمة التي تتغنى بها شعوب العالم، الفرنسية والبلشفية في روسيا نموذجين. سواء من حيث قوتها وزخمها واتساع حجمها وشجاعة أبنائها، وإصرارها على تحقيق أهدافها، أو من حيث قدرتها على الصمود والتحدي أمام حكومةٍ تمتلك قوة عسكرية هائلة، ومليشيات مسلحة لم تكن تمتلكها الحكومة الفرنسية أو حكومة روسيا القيصرية مجتمعتين. ولا يغير من هذه الحقيقة عدم تحقيق هذه الثورة انتصارها النهائي بعد، فالتاريخ سجل بأحرف من نور الثورة العمالية التي قامت في الثامن عشر من مارس/ آذار عام 1871 في باريس، على الرغم من هزيمتها بعد أن رفعت راية الثورة العمالية على قاعة بلدية باريس، لتعلن ميلاد “كومونة باريس”، أول دولة عمالية في التاريخ. وأصيب العالم الرأسمالي حينها بالخوف والفزع. ودعك من الحاقدين والمأجورين، وكذلك أنصاف السياسيين والمثقفين الذين سلب الخنوع والمذلة والأمراض الطائفية والعنصرية عقولهم، وراحوا يشكّكون بهذه الانتفاضة العملاقة ويبشّرون بهزيمتها، أو يقللون من شأنها، تحت ذرائع مختلفة وبائسة وتافهة أحيانا، وهؤلاء لا يستحقون من أبناء الثورة العراقية سوى السخرية والازدراء.

“ليس أمام العراقيين من خيار سوى الالتحام بهذه الثورة، ومناشدة كل الشعب العربي لتقديم الدعم”

ليست هناك، في هذا الخصوص، أية مبالغة أو تهويل، ففي فرنسا لم يكن الملك لويس السادس عشر الذي قامت في عهده الثورة الفرنسية يمتلك من أدوات القمع والقهر ضد الثوار مثل ما امتلكته حكومة المنطقة الخضراء، لا من حيث العدّة، من جيش وشرطة ومخبرين وأجهزة أمن واستخبارات ومباحث، ولا من حيث الأسلحة المتنوعة، مثل الدبابات وناقلات الأشخاص المدرّعة، ولا من حيث أنواع العتاد المتعدّد الأغراض، ولا حتى أبسطها، مثل الغازات السامة أو المسيلة للدموع، ولا مليشيات مسلحة من الرأس حتى أخمص القدمين. كما لم تتوفر للملك الفرنسي ونظامه أجهزة إعلامية عملاقة قادرة على قلب الحقائق رأسا على عقب، وتجعل من الثوار مشاغبين أو إرهابيين، أو في أحسن الأحوال مخدوعين. إضافة إلى ذلك، كان ملوك أوروبا يتربص أحدهم بالآخر، الأمر الذي أدّى إلى أن يواجه الملك مصيره وحده، في حين تضافرت جهود كل قوى الشر لمواجهة أية انتفاضة أو ثورة عراقية ضد حكومة المنطقة الخضراء، ابتداء من الدول الإقليمية، وفي المقدمة منها إيران، ومرورا بدول أوروبية، وانتهاء بأميركا وحليفها الكيان الصهيوني.

ليس هذا كل شيء، فالشعب العراقي المنتفض تعرّض لمؤامرة كبرى واحتلال مركّب، أميركي إيراني أكثر من 16عاما. تضمنت مخططات جهنمية أشرفت على تنفيذها عقول متخصصة، ورعتها آلة إعلامية عملاقة لتدمير العراق، دولة ومجتمعا، من خلال طرق متعدّدة للتدمير، وكان من أبرز أهدافها تمزيق وحدة العراق الوطنية، والقضاء على تراثه والمساس بكرامته وإجباره بطرق مختلفة على التخلي عن عاداته وتقاليده، وخنق روح القيم والكرامة والشهامة داخله، ثم تجويعه وإذلاله، في حين عاش الشعب الفرنسي عشية الثورة، وما قبلها، في ظل نهضة ثقافية وفكرية عمّت كل أوروبا، تدعو إلى الثورة والتغيير، ناهيك عن وجود قادة ومفكرين ثوريين كبار، أمثال جان جاك روسو وديدرو ومونتسكيو وفولتير وميرابو وروبسبيير ولافييت ودانتون وديمولين، ناهيك عن الظروف المؤاتية التي سبقت الثورة، حيث لحقت بفرنسا على يد تحالف بريطانيا وبروسيا هزيمة أقصتها عن مكان الصدارة في أوروبا، وأفقدتها مكانتها العسكرية والسياسية والاقتصادية.

أما الثورة البلشفية، فإن ظروف انتصارها كانت أسهل من سابقتها، فالقيصر ونظامه لم يكن حالهما أفضل من حال سابقه الملك الفرنسي، فالنظام القيصري كان، قبل اندلاع الثورة البلشفية، قد خرج، هو الآخر، مهزوما من الحرب مع اليابان في عام 1905، ثم خروجه للتو من الحرب العالمية الأولى مهزوماً أيضاً، بل ومحطّماً، قبل أن تضع تلك الحرب أوزارها، الأمر الذي أدّى إلى تدهور أوضاع النظام القيصري الداخلية، واشتداد أزمته في مختلف نواحي الحياة، واتّساع حالة الجوع في صفوف الفلاحين الذين شكلوا حينها 85% من سكان روسيا القيصرية، جرّاء سيطرة فئة قليلة من كبار الملاك، الأمر الذي زاد من بؤسهم إلى درجةٍ مخيفة، في حين كان عمّال المصانع يشتغلون ثلاث عشرة ساعة في اليوم الواحد، ووصل الأمر حد فقدان السلطة المركزية كل مقومات استمرارية وجودها، بل وقعت السلطة ذاتها بالكامل، على الرغم من ضعفها، بيدي زوجة القيصر وعشيقها الراهب راسبوتين. في حين كانت السلطة التي بيدها سلطة العراق ذات حوْل وقوة لما تمتلكه من جيش محترف وشرطة وأجهزة أمنية، إضافة إلى أكثر من ستين مليشيا مسلحة.

لم تقتصر عظمة الثورة العراقية على هذا الحد، فهي قد تمكّنت من الوقوف بوجه جميع المحاولات الغادرة للنّيل منها، أو الالتفاف عليها. ومنها، على سبيل المثال، تشجيع الناس على التخلّي عن الانتفاضة، وعدم المشاركة فيها من خلال الترهيب والترغيب من جهة، والإيحاء لهم بفشلها الحتمي، بسبب عفويتها وغياب الأحزاب والقوى السياسية الوطنية عن قيادتها من جهة أخرى، وقد رد الثوار على هذه الحجة بالتنظيم المُحكم وتشكيل اللجان والقيادات، وانتهاج خط سياسي واضح، أدّى لاحقا إلى اشتراك أغلبية المنتمين للقوى والأحزاب السياسية، من يسارها إلى يمينها، وفق رؤية الثورة، وليس وفق رؤية تلك الأحزاب والقوى، الأمر الذي أدى إلى اتساع نطاقها، كمّاً ونوعاً.

“الشعب العراقي المنتفض تعرّض لمؤامرة كبرى واحتلال مركّب، أميركي إيراني أكثر من 16عاما”

ومنها أيضا محاولة وصفها بثورة الشباب الجائع في العراق، لعزلها عن فئات الشعب الأخرى، على الرغم من أن الشباب أشعلوا شرارتها الأولى، ليمتد لهيبها إلى كل فئات الشعب، حيث يشارك فيها الطلاب والعمال والفلاحون والقضاة والإعلاميون والفنانون، الكبار والصغار، النساء والرجال وحتى الأطفال. لتتحول من ثورة محدودة الأهداف إلى ثورة وطنية عراقية كبرى، لم يشهد لها تاريخ العراق مثيلا، لا في الزمن القديم ولا في الزمن الحديث. وخير دليل على ذلك رد أبناء الثورة بإبراز المطالب السياسية والتركيز الشديد عليها، وأهمها المطالبة بإسقاط النظام وعمليته السياسية الطائفية، وتمزيق دستورها المفبرك وقطع يد السارقين والمفسدين. أما أهم مناقبها فتلك الشجاعة النادرة جدا التي قابل بها أبناء الثورة القوة النارية للحكومة والمليشيات والحرس الثوري الإيراني والقناصين بصدور عارية، وأيد لم تكن تمسك إلا بالعلم العراقي.

على هذا الأساس، لا مجازفة في القول إن الثورة ستنجح في استكمال مسيرتها وتحقيق أهدافها السياسية كاملة غير منقوصة، عاجلا أم آجلا. وبالتالي، لن يقبل الثوار أية إغراءات أو إصلاحات ترقيعية بائسة، ولن يقبلوا أيضا المماطلة والتسويف، لا من رئيس الحكومة ولا من رئيس البرلمان أو رئيس الجمهورية، ولا من المرجعية الدينية وفي مقدمتها علي السيستاني. بمعنى آخر، لن يتنازل الثوار عن مطلب إسقاط الحكومة وصياغة دستور جديد ومحاكمة السارقين والمفسدين وحل المليشيات المسلحة… إلخ. ويبعث على الأمل والتفاؤل أن اللجان التنسيقية أصبحت مؤهلة لأداء هذه المهمة النبيلة، كونها ولدت من رحم شعب عريق بمخزون حضاري وسياسي وفكري وثقافي كبير، وكم هائل من العقول والقيادات في مختلف المجالات.

ليس أمام العراقيين من خيار سوى الالتحام بهذه الثورة، ومناشدة كل الشعب العربي لتقديم الدعم والإسناد لها، والذود عنها ودحض الإشاعات المغرضة ضدها، وإنصاف شهدائها، وليس الوقوف على التل بانتظار نتائجها، خصوصا أن بركات هذه الثورة ستعم على الأمة العربية من محيطها الى خليجها، كونها تعد مفصلا في تاريخ هذه الأمة، وتصلح لتأسيس دول وطنية ديمقراطية، إذا لم يكن غدا فعلى المدى المنظور بكل تأكيد، ومنع أي حاكم عربي عميل أو دكتاتور من العودة إلى السلطة، لهذا السبب أو ذاك.

تُرى، هل نحن على موعد مع الانتصار النهائي لهذه الثورة العظيمة؟ نعم بكل تأكيد طال الزمن أم قصر، فدماء الشهداء الذين تجاوزت أعدادهم المئات والجرحى الذين تجاوزت أعدادهم الألوف لن تذهب هدراً.

المصدر:العربي الجديد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات