الثلاثاء 10 ديسمبر 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

ثورة العراقيين بين المطالب الخدمية و استرداد الوطن

ثورة العراقيين بين المطالب الخدمية و استرداد الوطن

نتيجة لتراكم الفشل المستمر للأحزاب السياسية في العراق، خرجت المظاهرات الشعبية في بداية أكتوبر ، وتوسعت لتشمل كافة شرائح المجتمع من الشباب و النساء و الطلاب و الموظفين و باقي الشرائح ممن يعانون من الفساد الموجود طيلة 16 عام. وبسبب التعامل الأمني القمعي للحكومة العراقية للمظاهرات الشعبية فقد تجاوز عدد شهداء المظاهرات 300 شهيد و أكثر من 15 ألف جريح ومصاب حسب المفوضية العليا لحقوق الانسان في العراق.

من يُقارن بين ثروات العراق و إيرادات النفط و المساعدات الدولية، مع المشاريع و الخدمات على أرض الواقع، يُدرك حقيقة وحجم الفساد الموجود و فشل السلطة السياسية في العراق على تحويل الشعارات الانتخابية و الدينية إلى أفعال حقيقية على أرض الواقع كتأسيس البنى التحتية و تنفيذ المشاريع الاستراتيجية. حيث انتشرت البطالة و الرشوة و المحسوبية و الفساد في مؤسسات الدولة ، بالإضافة إلى فقدان الامن و الاستقرار و غياب الاستثمار الخارجي بسبب كثرة الفصائل و الميليشيات المسلحة التي وصلت عددها إلى 80 ميليشيا جميعها تُهدد الامن و تأخذ الأموال من التجار وترتكب جرائم القتل و الاختطاف و تجارة المخدرات و الأعضاء البشرية في ظل السلطة السياسية الحالية .

“بعد كل الضحايا و الدماء التي سالت ، هناك محاولات عديدة لتحويل مطالب المتظاهرين إلى مجرد مطالب خدمية بسيطة”

هذه الأسباب ساهمت في خروج المظاهرات و اشتعال الثورة الشبابية في ساحة التحرير في بغداد وباقي المحافظات، ولكن الشعارات و الهتافات التي تصدرت المشهد كانت شمولية لتشمل تغييرا جوهريا في نظام الحكم وسيادة العراق. حيث يطالب المتظاهرون باسترداد الوطن و السيادة و كرامة المواطنين و إنهاء النفوذ الإيراني الذي ساهم في تقويض السيادة العراقية عن طريق التدخلات المستمرة التي كانت آخرها إرسال الجنرال الإيراني قاسم سليماني إلى بغداد للإشراف على عملية قمع التظاهرات الشعبية و فرض الرؤية الإيرانية على الأحزاب السياسية في بغداد. وهذه التدخلات الإيرانية و الافتخار الإيراني المستمر بأنها سيطرت على أربعة دول في المنطقة بما فيها العراق واعتبار العراق جزءاً من الإمبراطورية الإيرانية، أثرت كثيراً على المواطن العراقي ودفعته للخروج إلى الشارع و المطالبة باسترداد وطنه و حماية سيادته من التدخلات الإيرانية.

ومن المعروف أن رئيس الجمهورية و رئيس الوزراء هم المسؤولون عن حماية السيادة العراقية ، ولكن في غياب المؤسسات الرسمية و عجز هذه السلطات على حماية السيادة ، أصبح المواطن هو من يحاول حماية السيادة و إنهاء التدخلات الخارجية عن طريق المظاهرات التي تطالب بتغيير و معاقبة الأحزاب السياسية الفاشلة ووضع حد للتدخلات الإيرانية التي أثرت سلبياً على وضع العراق و حياة المواطنين.

بعدما فشل الاعلام الرسمي للأحزاب السياسية في العراق، والاعلام الإيراني، من تشويه المظاهرات الشعبية و اعتبارها مؤامرة خارجية و خيانة للعراق، تحاول اليوم الاعتراف بالمظاهرات كنتيجة طبيعية للفساد الموجود في العراق واقتصاره على المطالب الخدمية كالماء و الكهرباء والتعليم ، دون ان تمس المطالب طبيعة النظام السياسي او النفوذ الإيراني في العراق، وهذا مخالف للواقع و الحقيقة. حيث ان المطلب الرئيسي للمتظاهرين هو إنهاء المحاصصة و الأحزاب الدينية و التأثير الإيراني الذي ساهم بشكل رئيسي في إضعاف العراق و فقدانه لسيادته .

“من يُقارن بين ثروات العراق و إيرادات النفط و المساعدات الدولية، مع المشاريع و الخدمات على أرض الواقع، يُدرك حقيقة وحجم الفساد”

بعد كل الضحايا و الدماء التي سالت ، هناك محاولات عديدة لتحويل مطالب المتظاهرين إلى مجرد مطالب خدمية بسيطة أو تغيير في رئاسة الحكومة أو القبول ببعض الإصلاحات في مؤسسات الدولة في محاولة لإضعاف المظاهرات عن طريق تشكيل جبهات مختلفة كل طرف يطالب ببعض المطالب و إحداث المشاكل والصراع بين المتظاهرين. ولكن الوعي الجماهيري حتى الآن صامد و نجح في مواجهة هذه الحملات من قبل الأحزاب السياسية التابعة لإيران ، لوجود قناعة جماهيرية بأن التغيير و الإصلاح يتطلب إنهاء الأحزاب المتورطة في الفساد و قطع التدخلات الإيرانية.

من السهل ان تعترف ايران وتؤيد احتجاجات شعبية ضد الفساد و سوء استخدام السلطة في العراق او لبنان ، لأنها ببساطة تعترف بوجود الفساد في مؤسساتها الحكومية أيضاً ، ولكن هذا الأمر تحريف واضح لمطالب الانتفاضة الشعبية في العراق. حيث قام الشعب بتجربة عدة حكومات متتالية تتغير فيها الوجوه ويبقى المنظومة السياسية القائمة على المحاصصة و الفساد و الولاء للخارج يحكم و يستمر بقوة. وهذا ما يعيق حدوث أي تغيير إيجابي او تنفيذ التعهدات و الوعود على أرض الواقع. وفي المظاهرات السابقة كانت الحكومة تتخذ بعض القرارات التخديرية لتهدئة الشارع وتخديره ، بينما هذه المرة لم تستطع خداع الجماهير لأن المطالب ليست خدمية فحسب وإنما تجاوزها لتشمل استرداد الكرامة و الوطن ، وتحقيق السيادة الوطنية التي عجزت الأحزاب السياسية الحاكمة عن تحقيقها.

المصدر:مركز راسام

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات