الثلاثاء 10 ديسمبر 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

كيف تدير القوات المدعومة من طهران الوضع في العراق؟

كيف تدير القوات المدعومة من طهران الوضع في العراق؟

تقوم قوات الأمن العراقية والقوات شبه العسكرية الموالية لإيران بإطلاق النار على حشود من المتظاهرين في محاولة لطردهم من وسط بغداد وإنهاء ستة أسابيع من المظاهرات التي تحدت النظام السياسي إلى حد لم يسبق له مثيل منذ سقوط صدام حسين في عام 2003.

استعادت الشرطة ثلاثة جسور عبر نهر دجلة تؤدي إلى المنطقة الخضراء المحصنة يوم السبت وتحيط بميدان التحرير، المحور الرئيسي للاحتجاجات.

في شارع الرشيد، بالقرب من الميدان، أشعلت الشرطة النار في خيام أقامها أطباء متطوعون لعلاج المتظاهرين المصابين.

قُتل ما لا يقل عن ستة أشخاص في المواجهات الأخيرة، أربعة منهم بالرصاص واثنان بقنابل الغاز المسيل للدموع الثقيلة التي أطلقت مباشرة على رأس أو أجسام المتظاهرين – وفقاً لمنظمة العفو الدولية -. وتقول المنظمة أن 264 شخصًا لقوا حتفهم منذ 1 أكتوبر/تشرين الأول، على الرغم من أن اللجنة العراقية العليا لحقوق الإنسان أعطت رقمًا أعلى وهو 301 قتيل و 15000 جريح.

“أصبح الأفراد والمؤسسات المؤيدة للوضع الراهن الخاضع لإيران، داخل النظام السياسي العراقي أكثر هيمنة”

تعد الاحتجاجات – والمحاولة القاسية للحكومة للقضاء عليها – أكبر تهديد لسلطة المؤسسة السياسية العراقية منذ صعود تنظيم الدولة (داعش) في العراق عام 2014.

لقد أصبح الخطر على الوضع الراهن أكبر الآن لأن تنظيم الدولة (داعش) كان تهديد وجودي للأغلبية الشيعية، والذين لم يكن لديهم خيار سوى دعم النخبة الحاكمة، مهما كانت جشعة ومهما أثبتت أنها غير كفوءة في مناصبها.

إن طريقة قتل الكثير من المتظاهرين تشبه الأساليب التي استخدمها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في عام 2013 لسحق الاحتجاجات المعارضة لانقلابه العسكري الذي أطاح بالحكومة المنتخبة.

على النقيض من ذلك، لم يكن هناك أي رد فعل عنيف على مظاهرات الشوارع في بغداد في عام 2016، عندما قام المحتجون بغزو المنطقة الخضراء، أو في البصرة في عام 2018، عندما اشتعلت النيران في المكاتب الحكومية والحزبية.

على مدار الشهر ونصف الشهر الماضي، كان هناك استخدام متكرر للقناصة الذين يطلقون النار عشوائياً على المظاهرات أو يستهدفون قادة الاحتجاج المحليين. والأشخاص الذين يقومون بالقتل هم جزء من أجهزة الأمن الحكومية المجزّأة إلى حد كبير وفصائل من قوات الحشد الشعبي المعروفة بكونها متحالفة مع إيران.

إن القيادة الإيرانية، وبالأخص اللواء قاسم سليماني قائد قوة القدس التابعة للحرس الثوري والقائد الأعلى للسياسة الإقليمية الإيرانية، هي التي تنظم حملة لسحق الاحتجاجات من خلال الاستخدام المتواصل للعنف.

إن سياسة “إطلاق النار للقتل” غير المسبوقة التي اتخذتها السلطات هي التي حولت هذه المظاهرات إلى حركة جماهيرية ليست بعيدة عن الانتفاضة العامة.

خلال الأيام الأولى من الاحتجاجات، أخبر منظمو الاحتجاج صحيفة ذا إندبندنت أنهم شعروا بالحيرة لما حدث في البداية، حيث كانوا يميلون إلى الاعتقاد بأن عنف اليوم الأول، عندما قُتل 10 أشخاص على الأقل، قد يكون رد فعل مفرط لمرة واحدة، ولن يتكرر، لكن قتل المتظاهرين كانت له نتائج عكسية ولم يتوقف.

في اليوم الذي تلا عمليات إطلاق النار الأولى، شوهدت مجموعات من المتظاهرين الشباب، الذين بدوا غير خائفين للغاية، وهم يتجولون في المنطقة، ثم صعدت السلطات الأزمة بشكل أكبر بإعلانها حظر التجول لمدة 24 ساعة وإغلاق الإنترنت، وهي عقوبة جماعية لجميع سكان بغداد البالغ عددهم 7 ملايين نسمة، وهي اجراءات لم تحقق سوى الدعم للمتظاهرين.

وفي الوقت نفسه، أرسلت المليشيات الموالية لإيران رجالها الذين يرتدون ملابس سوداء إلى محطات التلفزيون، التي كانت تغطي الاحتجاجات، لتدمير معداتهم واستوديوهاتهم، كما هاجموا المتظاهرين المصابين في المستشفيات واختطفوا وهددوا الصحفيين والأطباء وأي شخص آخر يدعم المظاهرات.

من غير المحتمل أن تكون هذه مؤامرة مرتبة مسبقًا من قبل المليشيات الموالية لإيران التي تعمل من تلقاء نفسها، لقد قابلت الإندبندنت العديد من قادتهم، قبل أيام من كشف أن مجموعاتهم قامت بنشر القناصة لاطلاق النار على احتجاجات الشوارع.

رغم أنهم أعلنوا لاحقًا أنهم كانوا على علم منذ فترة طويلة بوجود مؤامرة من جانب الولايات المتحدة وإلكيان الصهيوني والسعودية والإمارات العربية المتحدة لاستخدام الاحتجاجات للإطاحة بالنظام السياسي في العراق، إلا أنهم لم يعلنوا ذلك في حينه. قال قيس الخزعلي، زعيم عصائب أهل الحق الفصيل شبه العسكري القوي: “إن إيران تريد حلاً، في المواجهة الأمريكية – الإيرانية، لكنها لا تستطيع أن تقول هذا بنفسها”.

وذكر أبو ولاء الولائي أمين عام كتائب “سيد الشهداء” في مقابلة منفصلة إن أكثر ما يهمه هو هجوم صهيوني بطائرة بدون طيار على مستودع أسلحة في إحدى قواعده في ضواحي بغداد.

ومع ذلك، فإن السرعة والتماسك الذي تفاعلت به هذه الجماعات شبه العسكرية الشيعية الموالية لإيران – أو ردة فعلها تجاه الاحتجاجات – تشير إلى خطة طوارئ مفصلة.

كما أوضح أحد المعلقين العراقيين، قائلا “لدى الإيرانيين خطة دائمًا”. كما أن المليشيات لم تعمل بمفردها. حيث لا يوجد خط واضح يفصل قوات الحشد الشعبي عن مؤسسات أمن الدولة. فعدد قوات الحشد الشعبي حوالي 85000 شخص، يتم دفع رواتبهم من قبل الحكومة العراقية ورئيس هذه المؤسسة هو فالح الفياض مستشار الأمن القومي للحكومة.

“القيادة الإيرانية، وبالأخص اللواء قاسم سليماني قائد قوة القدس التابعة للحرس الثوري والقائد الأعلى للسياسة الإقليمية الإيرانية، هي التي تنظم حملة لسحق الاحتجاجات”

وزير الداخلية يكون عادة من منظمة بدر المدعومة من إيران. وقيل إن قسم الاستجابة للطوارئ بالوزارة، مثلا، قد قدم قناصة لإطلاق النار على المتظاهرين.

وفي الأسابيع التي تلت أول مسيرة سلمية وقوبلت بالعنف الشديد، تصاعدت حدة القمع في بغداد وفي جنوب العراق.

في مدينة كربلاء الشيعية المقدسة في يوم من الأيام، قتل القناصة 18 شخصًا واعتُقل آخرون عند نقاط التفتيش أثناء فرارهم عبر الأزقة.

لقد تم أنشاء جهاز كامل للقمع يتضمن الاختطاف والاختفاء والتخويف ومن غير المرجح تفكيكه.

لقد أصبح الأفراد والمؤسسات المؤيدة للوضع الراهن الخاضع لإيران، داخل النظام السياسي العراقي أكثر هيمنة.

صمت منتقدو الوضع الراهن، مثل رجل الدين القومي الشعبي مقتدى الصدر، الذي يعد ائتلافه أكبر تجمع في البرلمان.

ودعا “آية الله العظمى علي السيستاني” يوم الجمعة الماضي قوات الأمن إلى الامتناع عن استخدام “القوة المفرطة”، لكن ليس هناك ما يدل على أن هذا له أي تأثير.

ومن الواضح أن الطبقة السياسية العراقية ككل قررت القضاء على الاحتجاجات للحفاظ على مصالحها.

إن التشدد في مطالب المتظاهرون وغموضها بشأن كيفية تحقيقها يشبه حالة الطلاب الفرنسيين خلال أحداث 1968 في فرنسا. حيث انهم لا يستطيعون أن يقولوا ما الذي سيضعونه بدلاً من الحكومة الفاسدة الحالية. وبالنسبة لأولئك الذين يقومون بالقمع، فإنهم غارقون في الدم لدرجة أنه سيكون من المستحيل بالنسبة لهم عكس المسار. كما أنهم لا يظهرون أي علامة على الرغبة في القيام بذلك.

المصدر:مركز راسام

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات