الثلاثاء 10 ديسمبر 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

خارطة طريق لانتقال السلطة في العراق

خارطة طريق لانتقال السلطة في العراق

ونحن نقترب إلى انقضاء شهرين على بدء تظاهرات تشرين المجيدة، التي سطر بها شعبنا أروع الملاحم والتي افتقدناها منذ وقت طويل. وأثبتت هذه التظاهرات تلاحما جماهيريا وعودة قوية وحقيقية للمشاعر الوطنية في قلوب المنتفضين ومن يساندهم من أبناء شعبنا، وخلع لثوب الطائفية الذي حاولت الأحزاب الحاكمة إلباس شعبنا به بالقوة. وفجرت الانتفاضة مواهب شبابنا العراقي، من نضوج سياسي جعلهم يقفزون على كل محاولات النظام لخداعهم بخطط إصلاحية ظاهرها الإصلاح وباطنها الفساد. وفجرت عندهم مواهب فنية حولت ساحة التحرير والشوارع المحيطة بها، وكل ساحات التظاهر في المحافظات، إلى لوحة فنية يفخر بها كل عراقي. وأظهرت لنا انتفاضة تشرين، مشاهد التلاحم بين صفوف الجماهير المنتفضة وأهاليهم ومحبيهم. ومن ينظر إلى المنتفضين في الساحات، يجد من حولهم أمهاتهم وأباءهم واخوانهم وأخواتهم بل وحتى أطفالهم، في لوحة وطنية قلما تراها في شعب من الشعوب التي تنتفض ضد طواغيتها، حتى صارت ثورة تشرين مثالا يحتذى لباقي الشعوب، تحرضها على رفع صوتها ضد الظلم والفساد، ورفض الطائفية ورفض التبعية لغيرها من البلدان التوسعية.

ويتسأل البعض، ويحق لهم هذا السؤال، ماذا بعد هذا الحراك؟ وماذا بعد هذه الثورة التي اعترف العالم جميعا بأحقيتها وأظهر احترامه وتقديره لتضحيات شبابها؟ وأفضل من يجيب عن هذا السؤال، هم شباب هذه الانتفاضة المباركة. لأن السؤال موجه لهم من كل أبناء شعبنا العراقي، صغارهم وكبارهم، نسائهم ورجالهم. ذلك لأن الشباب لم يخرجوا لرفض هذا النظام الفاسد الطائفي والتعبير عن هذا الرفض بالتظاهرات فحسب، إنما هم يمتلكون أهدافا يريدون تحقيقها، عبروا عنها بشعارات رفعت بالتظاهرات، وببيانات أصدرتها اللجان المنظمة لتلك التظاهرات، وقد أن الأوان لكي يعلنوا عن كيفية تحقيق تلك الأهداف التي أعلنوها.

“لا تغيير حقيقي سوف يحدث في الواقع المزري الذي يعيشه الشعب العراقي. ومع هذا السيل من خداع النظام”

مع سيل الخدع التي تقوم رموز هذا النظام بعرضها ، من كتابة قانون للانتخابات ومفوضية انتخابات جديدة، وتعديل وزاري، جميعها تهدف الى خداع المتظاهرين، وتهدف الى الإبقاء على نفس منظومة الفساد برأس السلطة في العراق، وتهدف الى بقاء التبعية لإيران. وفي حقيقة أمرها، أن لا تغيير حقيقي سوف يحدث في الواقع المزري الذي يعيشه الشعب العراقي. ومع هذا السيل من خداع النظام، يستمر النظام بعنفه وبطشه بحق المتظاهرين، من قتل واختطاف وتغييب قسري. يحاولون جاهدين، وأد هذه التظاهرات ووضع نهاية لهذه الثورة تنفيذا لنصائح ترد إليهم من خارج الحدود.

لقد حان الوقت الان لقادة الانتفاضة من شبابنا الواعي العارف لما ستؤول إليه الأمور، أن لا يجعلوا الوقت يتسرب من بين أيديهم، ذلك لأن النظام يراهن على الوقت لصالحه. وأن لا يكتفوا برفض الخطط الحكومية الخادعة والتي تريد سرقة ثورتهم فحسب، إنما عليهم الانتقال إلى المرحلة الثانية من نضالهم، من خلال أخذ زمام المبادرة هذه المرة وجعلها بيدهم، وهذا الامر يتم من خلال طرح الخطط والاليات الذكية التي تجعل تحقيق اهداف الثورة أمرا واقعيا وحقيقيا، من خلال كتابة خارطة طريق، تنشر للعلن، يمشي عليها شعبنا وهو في طريقه لنيل حريته، واستعادة استقلاله من هذا النظام الذي صادرها وجعلها مرتهنة للأجنبي.

فالحجة التي يتحجج بها النظام والتي تنطلي على كثير من البسطاء، بأن المطالب التي يريد تحقيقها المتظاهرون، من اسقاط للحكومة وحل لمجلس النواب وباقي المؤسسات والأحزاب السياسية، سوف تجعل البلد يدخل في مرحلة من الفراغ السياسي. وهذا تدليس تقوم به جميع الأنظمة القمعية في حربها ضد شعوبها، وقد قالتها جميع الأنظمة التي ثارت ضدها شعوبها، وحاولت تلك الأنظمة، نشر الفوضى فعليا في البلدان التي انتفضت. وعلى العراقيين الاتعاظ من تلك الوسائل الرخيصة لحجج النظام، وتقديم خارطة طريق، من شأنها جعل عملية انتقال السلطة من النظام إلى الشعب، تتم بطريقة سلسلة لا تؤدي لفراغ سياسي أو تنتج فوضى. وذلك من خلال آلية يتفق عليها قادة الانتفاضة، يعرضونها على الجماهير، ليحصلوا منهم على تفويض شعبي يجعل لتلك الخارطة قوة شرعية جماهيرية، ومن ثم مخاطبة المنظمات الدولية الفاعلة للمساعدة في تطبيق تلك الخارطة بالشراكة مع قادة الانتفاضة.

أما بنود تلك الخطة، فهي مهمة ترجع إلى المنتفضين أنفسهم، ولا نريد لأحد أن يفرض عليهم وصاية في ذلك، لكن من باب النصح والواجب علينا كعراقيين، تقديم النصح وتوضيح الأساليب الواجب على شبابنا مراعاتها وهم يكتبون تلك الخطة، وأنا على استعداد مثل غيري الكثير من العراقيين، تقديم المساعدة في هذا الامر.

لكن قبل كتابة خارطة الطريق واعلانها للشعب، على قادة الانتفاضة، الأخذ بالتدابير التالية التي أرى إن من المهم فعلها قبل كل شيء:

على قادة الانتفاضة القيام بإرسال رسائل طمأنة لكل المكونات العراقية، والقول لهم بأن هذه الانتفاضة والثورة ليست لمكون معين من المكونات العراقية، بل هي لكل العراقيين، من الشمال إلى الجنوب، لا تحدهم فوارق مذهبية أو قومية. فللشيعي فيها مثل ما للسني ومثل ما للكردي وباقي افراد الشعب العراقي. ومن الواجب مشاركة الجميع في هذا الحراك الجماهيري لتحقيق الهدف المنشود بالوحدة الوطنية بشكل عملي وحقيقي، وللتعجيل بنهاية هذا النظام والانتقال إلى نظام حكم نابع من الشعب، ويخدم تطلعات كل الشعب العراقي.
العمل على الاستمرار في غلق منافذ النظام التي يتنفس منها بل وتوسيعها، من مثل قطع الطرق على الموانئ، والطرق المؤدية لحقول النفط، وقطع الجسور داخل المدن باستثناء الحالات الإنسانية، وقطع الطرق الرئيسية بين المدن. هذا العمل سيجعل من الصعب على أجهزة النظام التحرك بحرية والتنسيق فيما بينها لضرب المتظاهرين، وسيصيب النظام بحالة الشلل.

الاستمرار في مقاطعة المنتجات الإيرانية، لضرب الاقتصاد الإيراني بنقطة ضعفه. ذلك لأن إيران هي الدولة الأكثر مساندة للنظام العراقي في عمليات بطشه للشعب العراقي.

“كتابة قانون للانتخابات ومفوضية انتخابات جديدة، وتعديل وزاري، جميعها تهدف الى خداع المتظاهرين”

الاستمرار على رفض أي كيان سياسي أو ديني يريد ركوب موجة التغيير القادم، وجعل هذا الحراك عراقيا خالصا ليس لحزب من الأحزاب أو المرجعيات التي ارتضت لنفسها دعم النظام الفاسد، فضلًا فيه، أو الادعاء بأنها كانت مشاركة بالحراك.

وفي أثناء نضالات شعبنا والعمل بتلك النقاط التي تديم زخم التظاهرات، يتم العمل على كتابة خارطة الطريق من قبل قادة الانتفاضة، والتي يفترض بهم أن يستشيروا فيها أصحاب الخبرة من العراقيين الشرفاء من السياسيين أو المحاميين أو اختصاصيي الدستور، وغيرهم من المختصين، من الذين لم يتلوثوا بالتعامل مع هذا النظام وبأي شكل من الاشكال.

ومن الجدير بالذكر، إن على المنتفضين – وفي سبيل تفويت الفرصة على النظام للبطش بقادة الانتفاضة – عليهم أن لا يعلنوا عن أسماء المفاوضين أو أسماء قادة الانتفاضة إلى العلن، من الذين ستقع عليهم مهمة إدارة المرحلة الانتقالية لانتقال السلطة إلى الشعب العراقي. فالنظام وميليشياته لا يؤتمن جانبها، إنما يتم انتخاب من يتكلم باسم الثورة العراقية، واخرين يتفاوضون باسمها، من بين المتظاهرين شرط أن لا يكون مكانهم معروفا للنظام وميليشياته، أو العمل على تأمين خروجهم إلى أية دولة محايدة تضمن فيها سلامتهم. الامر الاخر، من المهم انتخاب بعض الشخصيات المؤثرة من العراقيين المتواجدين خارج الوطن، ولديهم القدرة على تمثيل المتظاهرين وينالون ثقة المتظاهرين، ليقوموا بدورهم بنقل وجهة نظرهم، أو التفاوض نيابة عنهم، سواء مع النظام، أو مع المنظمات الدولية، لغرض تسليم السلطة للشعب بشكل لا يجعل هناك فراع سياسي بالبلد.

هذه الأوليات مهمة لقادة الانتفاضة العراقية، عليهم مراعاتها، وليكن الشعب العراقي مضربا للمثل في قوة صموده وحكمته في إدارة الأمور، وقيادة البلد إلى شاطئ الأمان.

المصدر:مركز راسام

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات