الإثنين 09 ديسمبر 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

انتهاكات الجيش البريطاني المزعومة في العراق وأفغانستان تؤكد فشله الكامل في الحربين

انتهاكات الجيش البريطاني المزعومة في العراق وأفغانستان تؤكد فشله الكامل في الحربين

يبدو أن الرهان المزعوم للحكومة والجيش البريطانيين على إغلاق التحقيقات المعنية بأعمال التعذيب والقتل المتعمد في العراق وأفغانستان هو آخر الجوانب التي تكشّفت لرغبة واسعة الانتشار في المملكة المتحدة لنسيان كل ما يتعلق بهاتين الحربين الفاشلتين. (هو آخر جوانب الرغبة المنتشرة على نطاق واسع)

وإذا كان اللوم يُلقى عموماً على رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير الذي يعتبر مسؤولاً عن إشراك بريطانيا في الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق في2003، فإن هناك اهتماما ضئيلا بالوضع البائس الذي دُفعت القوات البريطانية للخوض فيه بعد الغزو، في جنوب العراق أولا، وثانيا في إقليم هلمند بأفغانستان بعد ثلاث سنوات.

ليس هناك شك بأن الحسابات الخاطئة في الحالتين كانت جسيمة. وكان السير شيرارد كاوبر- كولز، السفير البريطاني في كابُل آنذاك، قد كتب في مذكراته أن أسوأ خطأ ارتكبته وزارة الخارجية في الثلاثين سنة الأخيرة هو غزو العراق، ويأتي بعده في المرتبة الثانية من حيث السوء “تأييدها المتحمس للجهد البريطاني غير الناضج لاحتلال هلمند عام 2006″.

“بعد احتلال بغداد، بقي الجيش البريطاني في جنوب العراق، وغالبا في البصرة ومحيطها”

فالمزاعم بأن جرائم حرب قد ارتُكبت، كما سيذكر برنامج “بانوراما” الذي تبثه القناة التلفزيونية الأولى التابعة لـ ” هيئة الإذاعة البريطانية” ( بي بي سي) مساء الاثنين، منسجمة مع سجل المملكة المتحدة السيء في هذين النزاعين.

وبهذا الصدد، قالت “المحكمة الجنائية الدولية” إنها تفكر في فتح تحقيق بالمزاعم، استنادا إلى وثائق مسربة. أما وزارة الدفاع البريطانية فاعتبرت إن هذه المزاعم عارية عن الصحة ولا تستند إلى أدلة.

يُذكر أنه بعد احتلال بغداد، بقي الجيش البريطاني في جنوب العراق، وغالبا في البصرة ومحيطها، ويبدو أن اختيار منطقة الانتشار تلك تمّ على أساس تصور مفاده أنها ستكون أشدّ هدوءاً من محافظات يقطنها العرب السنّة وكانت تدعم صدام حسين بقوة.

لكن سرعان ما اتضح أن الشيعة في الجنوب لم يكونوا مستعدين للقبول بالاحتلال البريطاني على الرغم من سعادتهم بالتخلص من صدّام. وجاء نذير الشؤم الذي يؤكد هذا الموقف في 24 يونيو (حزيران) 2003، حين سقط ستة من أفراد “الشرطة العسكرية الملكية البريطانية” قتلى برصاص أُطلق عليهم في بلدة المجرّ الكبير القريبة من مدينة العمارة.

وقُتل الجنود الستة الذين كانوا يقدمون المشورة للشرطة المحلية، في الوقت الذي كان فيه جنود المظلات ينفذون دورية عنيفة في جزء آخر من البلدة تخلّلها تبادل لإطلاق النار أسفر عن مقتل عدد من السكان. وفي أعقاب ذلك مباشرة كان هناك هجوم انتقامي استهدف أفراد الشرطة العسكرية الملكية.

تلخص تلك الحادثة التناقض المدمر الذي كانت تواجهه القوة الاستطلاعية البريطانية في العراق. فعدد أفرادها وطبيعتها يناسبان بلدا يكون أغلب سكانه ينظرون إليها نظرة ودية، لكن إذا كان العكس صحيحا، وكان الأمر كذلك بكل تأكيد، فإن عدد الجنود كان قليلا جدا وكما كانوا في وضع خطر. وكان الضباط البريطانيون يزعجون نظراءهم الأميركيين بادعائهم أنهم يمتلكون خبرة مسبقة في هذا النوع من الحروب، استقوها من تجاربهم في الملايو وآيرلندا الشمالية. وقال نقيب في المخابرات العسكرية، كان قد تمركز مدة عام في البصرة، في وقت لاحق على خدمته هناك “بقيت أحاول دون نجاح أن أشرح لرؤسائي أنه كان لنا حلفاء محليون في ملايو وآيرلندا الشمالية وذلك خلافاً لوضعنا في البصرة حيث نحن لوحدنا من دون أي حليف “.

“هناك اهتماما ضئيلا بالوضع البائس الذي دُفعت القوات البريطانية للخوض فيه بعد الغزو، في جنوب العراق أولا، وثانيا في إقليم هلمند بأفغانستان”

وكان تقرير شيلكوت قد كشف عام 2016 بالتفصيل عن جوانب الضعف في وضع القوات البريطانية. لكن كشوفاته في هذا المجال طغى عليها هوس الإعلام آنذاك في سعيه للعثور على دليل مادي قاطع يدين توني بلير بتوريط بريطانيا بالحرب، من جهة، وصدمة نتيجة استفتاء بريكست التي تزامنت مع صدور ذلك التقرير، من جهة ثانية.

يشرح تقرير شيلكوت أن القوات البريطانية في البصرة، استنفدت بحلول عام 2007 الأفكار التي تساعدها على مواجهة الوضع، وكان أمرا “مهينا أن تصل المملكة المتحدة إلى وضع جعلها تعتبر عقد اتفاق مع ميليشيا جيش المهدي، التي كانت قد استهدفت، بشكل فعال، القوات البريطانية، أفضل خيار متوفر لها”.

فحسب شيلكوت، كانت الاستراتيجية الثابتة من عام 2003 وحتى انسحابها الكامل في 2009 هي “تقليل مستوى نشر القوات” من دون الإساءة للولايات المتحدة. وكان من الممكن أن تفعل ذلك من خلال إرسال الوحدات من العراق إلى أفغانستان، التي كان من المفترض أن تكون أكثر أمانا، لكنها وصلت إلى هناك في الوقت الذي كانت حركة طالبان قد بدأت تستأنف حرب العصابات التي كانت ستتمخض عن مقتل 405 عسكريين بريطايين خلال السنوات اللاحقة.

أجريت تحقيقات مع هؤلاء الذين يمكن أن يكونوا قد ارتكبوا جرائم حرب في هذين النزاعين، حتى ولو أنهم لم يمثلوا أمام المحكمة. لذلك، سيكون أمرا حسنا أن يتحمل أولئك المسؤولين عن هذه الغزوات المشؤومة مسؤولية أفعالهم.

المصدر:الاندبندنت

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات