أقلام وآراءالقمع الحكوميانتفاضة تشرين تهدد النفوذ الإيرانيمرحلة ما بعد الانتفاضةمظاهرات اكتوبر 2019

كيف استورد الإيرانيون الثورة المناهضة لطهران؟

أصبح تخوف السلطات الإيرانية من امتداد الغضب الشعبي في العراق إلى المدن الإيرانية أمرًا حقيقيًا، حيث ما لبثت الحكومة الإيرانية أن اتخذت قرارًا يمسّ معيشة الشعب الذي أرهقته سياسات طهران وتبعاتها الاقتصادية، وما تلاها من العقوبات الأمريكية التي طالت حياة الشعب؛ حتى تفجر غضب الشارع، متأثرًا بالاحتجاجات المندّدة بسياسة طهران عن بعد، في كلٍّ من العراق ولبنان.

ويمكن وصف الاحتجاجات الإيرانية بأنّها استغلال الشارع الإيراني لغضب شعوب المنطقة من سياسات طهران؛ لتوسيع الضغط على ولاية الفقيه، من أجل إنهاء سياساته التوسّعية، وهي بمثابة استيراد للثورات الشعبية التي تشهدها بعض الدول العربية، وعلى رأسها العراق، ولا سيما عندما تقرأ لافتات في شوارع إيران تقول: “لا غزة ولا لبنان.. روحي فداء إيران”، في إشارة إلى المطالب التي توحدت بلسان الشعوب الثائرة.

احتجاجات أبعادها واسعة

“سترسم السيناريوهات في المرحلة المقبلة لاحتجاجات إيران، حقيقة القمع المفرط الذي قد يسكت الاحتجاجات”

اندلعت الاحتجاجات الشعبية في قرابة عشر مدن إيرانية، بعد ساعات من إعلان الحكومة دخول قرارها حيز التنفيذ يوم الجمعة الموافق للخامس عشر من تشرين الثاني، والقاضي برفع أسعار البنزين إلى نحو ثلاثة أضعاف، إذ سرعان ما امتدت لتشمل عشرين مدينة إيرانية في اليوم التالي “السبت”، واتّسعت في يوم الأحد “الثالث” لتكون في نحو ستين مدينة، حتى وصلت في غضون خمسة أيام إلى نحو مئة وعشر مدن إيرانية.

امتداد رقعة التظاهرات الشعبية بهذه الصورة المتسارعة، يعكس حقيقة النقمة الشعبية التي يعيشها الشعب الإيراني، حيث إنه ينتظر أي فرصة ليعبّر عن رأيه الذي أسكته سلاح التهديد الحكومي.

وعن المطالب الحقيقية التي تعكس مدى أهمية هذه التظاهرات، نجد أن الصورة الظاهرة هي أنّ مطالب المحتجّين تكمن في رفض رفع أسعار الوقود، إلا أننا نرى واقعًا مختلفًا -من خلال متابعة اللافتات والأهازيج التي تهز شوارع إيران- وهو أنّ المحتجّين وسّعوا دائرة احتجاجهم التي بدأوها في منطلق التظاهرات، حتى بلغ الأمر إلى إظهار ما كانوا يخشون إظهاره فيما سبق، وهو رفض سياسة طهران المتّبعة في دعم تصدير ثورة خامنئي وإهمال الشعب الإيراني، وإنما كان سكوتهم خوفًا من سياسة القمع التي عوّدتهم عليها سياسة الدولة منذ عقود.

النقطة الأهم في هذه التظاهرات، هي تهديد سياسة خامنئي التي عمل على إنجاحها بكل الوسائل خلال العقود الأربعة المنصرمة، وإنما كان ذلك بسبب غضب الشعوب التي تعاني من النفوذ الإيراني وسياسة وكلاء إيران في تلك الدول، كالعراق ولبنان، فضلًا عن الغضب الداخلي الذي أثبتته حدة الاحتجاجات.

العلاقة المتبادلة بين الاحتجاجات الإيرانية والعراقية 

يلحظ المتابع أوضاع المنطقة والاحتجاجات الجارية في كلٍّ من العراق وإيران أن بداياتها متشابهة تمامًا، فقد انطلقت الاحتجاجات في العراق بالمطالبة بتوفير فرص العمل والتعيين وتحسين الواقع المعيشي المتدهور نتيجة التراكمات التي انتجتها سياسات الحكومات المتعاقبة، وسرعان ما صعدت هذه المطالب لتصبح سياسية تدعو إلى إقالة الحكومة، وذلك بسبب العنف الذي واجه المحتجّين، والنقمة الشعبية المتراكمة.

السيناريوهات المتوقّعة في إيران مبنية على تجربة مشابهة لما حصل في العراق لم تكن قديمة، بل لا تزال سارية المفعول، حيث إن احتجاجات إيران الأخيرة بدأت برفض رفع أسعار الوقود التي تنعكس سلبًا على الواقع المعيشي المتردي للشعب الإيراني، وتخلّلتها أعمال عنف سقط على إثرها 21 محتجًا في غضون يومين، وارتفعت حصيلة القتلى خلال الأسبوع الثالث من التظاهرات إلى أكثر من مئتي قتيل، بحسب منظمة العفو الدولية، وهذا يرفع احتمالية السيناريو الذي رسمته مسبقًا احتجاجات العراق.

كما أنّ التأثر قد يكون متبادلاً؛ فإصرار الشارع العراقي على مواصلة احتجاجاته، تزامنًا مع امتدادها إلى المدن الإيرانية، قد يزيد من هذا الإصرار ويجعل رفع الحراك الشعبي طرديًّا في كلا البلدين.

 إنّ التأثر الواضح في احتجاجات كلا البلدين، بعضها ببعض، وانعكاساتها التي قد تصعّد من الحراك الشعبي، يراه بوضوح شديد رواد مواقع التواصل الاجتماعي، حيث ما إن بدأت تظاهرات إيران حتى عجّت مواقع التواصل الاجتماعي، بالصور والفيديوهات التي تظهر غضب الشارع الإيراني ضد الحكومة، وكان من أبرز المتفاعلين العراقيون من مستخدمي السوشيال ميديا، ولا سيما موقع “تويتر”.

الكابوس الذي تعيشه طهران

“امتداد رقعة التظاهرات الشعبية بهذه الصورة المتسارعة، يعكس حقيقة النقمة الشعبية التي يعيشها الشعب الإيراني”

تعيش ثورة خامنئي اليوم أسوأ أيامها منذ أكثر من أربعين سنة، فلم ترَ هذا الرفض الشعبي الذي شمل الدول التي تعاني وطأة النفوذ الإيراني، على مرِّ تاريخ الثورة مثل الذي رأته اليوم.

وبالنظر إلى موقف طهران المتصدّع يمكن اكتشاف مدى الرعب الذي دخلته بعد اندلاع الاحتجاجات المناهضة لها، في لبنان والعراق وإيران.

كلّ فعل له ردّ فعل، وردّ فعل تظاهرات العراق وإيران جاء من طهران، حيث أطلقت التهديد والوعيد، ووصفت المحتجّين بالمتآمرين، ثم تدخّلت في تشكيل غرف عمليات ببغداد، وبعد فشل جميع محاولاتها، بدأت اليوم تبحث عن التفاف جديد على مطالب المتظاهرين.

والاحتجاجات الداخلية كذلك، فإنها قد اتّخذت الإطار نفسه الذي اتبعته خلال شهر ونصف شهر في العراق، فقد بدأت بالتهديد واتهام المحتجين بالشغب والمتآمرين، ثم القمع والاعتقالات التي طالت آلافًا من المحتجّين، ليبدأ العنف وقطع الإنترنت والملاحقة المستمرة.

سترسم السيناريوهات في المرحلة المقبلة لاحتجاجات إيران، حقيقة القمع المفرط الذي قد يسكت الاحتجاجات، وبقوة أعلى من الذي شهده العراق، بسبب التجربة التي فشل وكلاء إيران من خلالها في إخماد غضب الشارع العراقي، رغم سقوط أكثر من 440 قتيلًا و16 ألف جريح.

كما أنها قد تلجأ إلى أساليب مبتكرة جديدة للالتفاف على مطالب الشارع، إلا أنها ستكون عاجزة أمام مواجهة النقمة التي عكست حقيقة الفكرة التي جمعت طوائف الشعب الإيراني، بأن ثورة خامنئي قد فشلت ولا يمكن أن تستمر.

الوسوم
أقرأ ايضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق