الثلاثاء 21 يناير 2020 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

إيران والطائفية في العراق

إيران والطائفية في العراق

لا يمكن تبرئة إيران من دماء أكثر من 450 قتيلا سقطوا منذ بداية الانتفاضة العراقية في موجتها الأولى في بدايات شهر أكتوبر/ تشرين الأول. ولا تحتاج هذه المسألة إلى لجان تحقيق من أجل تحديد مسؤولية السلطات الحاكمة في طهران، بل على العكس هناك أكثر من موقف يشبه حكاية “المريب الذي يقول خذوني”. وأكثر من ذلك، لم تنف طهران عن نفسها الاتهامات الكثيرة التي تم توجيهها لها بعد عدة مجازر، وجديدها مجزرة ساحتي الخلاني والسنك في ليل الجمعة الماضية، والتي راح ضحيتها 25 قتيلا و 120 جريحا، وقد تم تثبيت التهمة على فصائل الحشد الشعبي التي تتلقى أوامرها من مسؤول لواء القدس في الحرس الثوري، قاسم سليماني، والذي يشرف شخصيا على قمع الانتفاضة في العراق. وأقر الحشد الشعبي بإطلاق مسلحيه النار في ساحة الخلاني والمنطقة المحيطة بها وسط بغداد، لكنه قال إن مسلحيه تدخلوا استجابةً لاستنجاد متظاهرين تعرّضوا للاعتداء من مخرّبين اشتبكوا مع مسلحي “سرايا السلام” الموالين لزعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر. وهذه ليست المرّة الأولى التي يتم فيها توجيه أصابع الاتهام إلى أنصار إيران في العراق، ولكنها الأكثر وضوحا وصراحةً إلى تورّط طهران الدموي في الانتفاضة العراقية. والملاحظ هنا أن هذا التورّط في تزايد، وهو يتناسب طردا مع تنامي الحراك العراقي.

“تتعامل طهران مع الوضع العراقي من منطلقاتٍ وحساباتٍ طائفية، ولديها أنصارها من العراقيين الذين يلبّون هذه الحسابات”

وجاء اعتداء ساحتي الخلاني والسنك على المتظاهرين السلميين في أعقاب نجاح الانتفاضة في إجبار رئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، على تقديم استقالته، وإثر تكرّر حوادث التعرّض إلى مقرّات رسمية إيرانية في النجف والبصرة وكربلاء. وأثار هذا غضب الأطراف السياسية العراقية التي تربطها علاقاتٌ متينةٌ بإيران، الأمر الذي يفسّر الأسباب التي تجعل طهران منشغلة جدا بإيجاد مخارج تنهي الانتفاضة من دون أن يتأثر نفوذها في العراق. وهذا النفوذ ليس طائفيا فحسب، بل هو سياسي واقتصادي. ونشأت لإيران مصالح مباشرة داخل العراق منذ سقوط حكم الرئيس العراقي السابق، صدام حسين، ليس من السهل أن تتخلى عنها. إلا أن الطريقة التي يتم بها التعامل مع المتظاهرين تعبر عن دمويةٍ مفرطة، ولكن هناك خلفية تصفية حسابات تاريخية.

تتعامل طهران مع الوضع العراقي من منطلقاتٍ وحساباتٍ طائفية، ولديها أنصارها من العراقيين الذين يلبّون هذه الحسابات التي تبقى وفق ما جاء به الدستور الذي وضعه التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة بعد العام 2003 على أساس طائفي. وعلى الرغم من هذا كله يتحرّك الشارع العراقي على أساس معاكس تماما، وهو يرفع شعارات ضد الطائفية أهمها “نريد وطنا” و”سآخذ حقوقي بنفسي”. وباتت المعادلة نزاعا مفتوحا بين من يريدون تكريس الطائفية في العراق والشارع الذي ثار ضد هذه المعادلة ومن يمثلها، وجاءت الاحتجاجات من أبناء المدن والأرياف المحسوبة على المكون الشيعي، بعد أن بلغ اليأس من الطائفية منتهاه، ولم يعد قادرا على إقناع الأجيال الجديدة التي تطالب بالحرية والتعليم ودولة عراقية ذات سيادة.

لا يبدو الطريق العراقي قصيرا. ومن الصعب التعويل على أن الانتفاضة سوف تبلغ أهدافها بين يوم وليلة، وتطيح التركيبة الطائفية الحليفة لإيران بسرعة، وتقديم نموذج مدني مختلف. صحيح أن هناك مسافة لا يستهان بها تم قطعها، لكن المهام الصعبة لا تزال تنتظر الحراك العراقي الذي عليه أن يفرز من بين صفوفه قياداتٍ سياسيةً تدير الانتفاضة في وجه البطش، ومن أجل تحقيق مكاسب سياسية، سيما وأن زخم الانتفاضة وحجمها تعاظما بعد مجزرة السنك والخلاني، ودخلتها حساسياتٌ سياسيةٌ وشعبية جديدة. وتؤكد كل المعطيات أن الوضع بعد المجزرة سوف يختلف عما قبله، ما يجعل المسؤولية مضاعفة.

المصدر:العربي الجديد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات