يحاول مجلس النواب في العراق (التغليس) عن المظاهرات الموجودة في بغداد ومحافظات الجنوب، ويسعى لإشغال نفسه والآخرين بترتيب قانون جديد للانتخابات وهي محاولة لسحب البساط من تحت أقدام المتظاهرين، أو ربما محاولة إقناعهم بأنهم  – مجلس النواب – جادون في فعل شيء ما.

وقد لاحظنا أن المقترحات التي تضمنها قانون الانتخابات ليست بريئة بل هي مدروسة بعناية، ومنها على سبيل المثال الفقرة المقترحة التي تتعلق “بعدم قبول أي مرشح يتمتع بمنصب حكومي خلال السنتين الأخيرتين”!

“كل الحلول تبدأ بعد تغيير أسس المعادلة السياسية الحالية، والسعي لبناء منظومة وطنية حرة”

وهذه الفقرة رتبت بعناية لقطع الطريق على رؤساء الوزراء السابقين من حزب الدعوة تحديداً، وذلك بسبب الخلافات العميقة بين الكتل السياسية، وبالذات بين التيار الصدري من جهة، وحزب الدعوة ورئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، زعيم حزب الدعوة، من جهة أخرى!

والقانون الجديد أيضاً اقترح أن يكون التصويت وفقاً للدوائر الانتخابية المتعددة، وليس عبر نظام الدائرة الانتخابية الواحدة على مستوى المحافظات.

وبحسب العديد من القانونيين فإن “الدوائر الانتخابية الصغيرة ستقسم بغداد، على سبيل المثال، إلى 246 دائرة، بدل اعتبارها دائرة انتخابية واحدة” وستعمل على زيادة تقسيم العراق، إذ أن” الدائرة الواحدة تعني التزام الفائز الواحد بأمور دائرته الصغيرة، ولا يهتم بأمور العراق خلافاً لمن ينتخب عن بغداد فهو أكثر استجابة للعراق وليس الدائرة الصغيرة، وكذلك في الدائرة الصغيرة يكون تأثير الأحزاب كبيراً، في حين يكون تأثير الأحزاب في دائرة المحافظة قليلاً”.

إضافة إلى أن” من سلبياتها نفوذ الوجوه الاجتماعية ويمكن أن يلعب المال دورا أكبر في تحديد الفائز، وزيادة فرص التزوير، ويمكن لأي حزب أن يضمن مرشحه في الدائرة الصغيرة عبر ترشيح شخصية واحدة ودعوة أنصاره لانتخابه”، بينما في الدائرة الكبيرة تضعف كل الاعتبارات الاجتماعية والمالية والحزبية والطائفية، وبالتالي نحن أمام قانون رتب بعناية لفوز ذات الأحزاب ولو بوجوه جديدة في الانتخابات القادمة!

الحقيقة الكبرى التي يحاول مجلس النواب والكتل السياسية الحاكمة (التغليس) عليها هي أن المتظاهرين يريدون تغيير الحالة القائمة بالكامل،  وأن المشكلة ليست في قانون الانتخابات بتاتاً، وإنما المشكلة في القوى والكيانات والشخصيات المسيطرة على المشهد السياسي العراقي!

اليوم هنالك عدة مشاكل قديمة ومتجددة تواجه الانتخابات العراقية ومنها معضلة ضرورة فصل الفتوى عن الناخب، وكارثة التزوير، والتدمير المتمثل في دور المنظومة الأمنية في التصويت!

“المتظاهرون يريدون تغيير الحالة القائمة بالكامل،  وأن المشكلة ليست في قانون الانتخابات بتاتاً، وإنما المشكلة في القوى والكيانات والشخصيات المسيطرة”

ومع هذه المشاكل الجوهرية تعد الأمور الإدارية والشكليات من المشاكل الثانوية التي يمكن التوافق عليها بعد الوصول إلى الأرضية الصالحة للانتخابات النزيهة!

لننهي الطائفية والمحاصصة وبعدها ننتخب!

حينما يتخلص العراق من الأحزاب الطائفية، وتنبت في البلاد عملية سياسية وطنية تخلصه من الاحزاب الطائفية والقومية، وتسعى لترتيب انتخابات حرة نزيهة، وتحاكم القتلة والمجرمين وتنصف كل العراقيين حينها لا يهم شكل، أو نوع قانون الانتخابات الذي يتم بموجبه تحديد الفائزين لان المشكلة ليست في القانون وإنما في الأرضية السياسية القائمة. إنها أرضية سقيمة لا ينبت فيها إلا الخراب والقتل والتهميش والطائفية والمحاصصة، ومثل هذه الأرضيات لا تقود لبناء وطن!

كل الحلول تبدأ بعد تغيير أسس المعادلة السياسية الحالية، والسعي لبناء منظومة وطنية حرة تمثل جميع العراقيين، وإلا فالخطوات البرلمانية هي عبث سياسي لا فائدة منه!