أقلام وآراءاستهداف الناشطينالقمع الحكوميانتفاضة تشرين تهدد النفوذ الإيرانيتحديات العراق 2020تصفية الصحفيينمرحلة ما بعد الانتفاضةمظاهرات اكتوبر 2019

مجلس وطني وحكومة مؤقتة ضمانتان لنجاح الحراك العراقي

دخل النظام العراقي في اضطراب كبير، منه ما هو سياسي ومنه ما هو قانوني، وذلك بعد نجاح الثوار العراقيين في إجبار رئيس الوزراء عادل عبد المهدي على تقديم استقالته. وهذا الوضع هو آخر ما كان يتمناه رموز هذا النظام الذي أدار العملية السياسية منذ 2003 ولحد الان بالإعتماد على التوافقات والمحاصصات الطائفية والسياسية. واليوم يجدون أنه من الصعب عليهم الاخلال بهذا النظام وإعادة صياغته دون أن تتسبب في انهياره بشكل محتم. وكانت استقالة عبد المهدي بمثابة اللبنة التي اذا ما ازيلت ازيل النظام الفاسد كله، ليس بسبب أهميته للنظام السياسي الحالي، بل لصعوبة إيجاد توافق جديد بين أحزاب السلطة على شخصية أخرى شبيهة بشخصية عبد المهدي يستجيب لما تريده منه تلك الأحزاب ويمضي بفلكها. والصعوبة الأخرى تتمثل في إيجاد شخصية جديدة تستطيع ان تخدع الجماهير العراقية المنتفضة، وتقديمها لهم على إنها شخصية وطنية جاءت من رحم الثوار، وليس من رحم هذا النظام السياسي الفاسد، وبالتالي فإن جماهير الثوار في ساحات الاعتصام اصبحوا رقما صعبا لا يمكن تجاوزه، رغم ما يقوم به النظام من بطش بحقهم.

“يحاول النظام الحالي تصوير نفسه بأنه يستجيب لمطالب المتظاهرين بإيجاد شخصية جديدة لرئاسة الوزراء”

يحاول النظام الحالي تصوير نفسه بأنه يستجيب لمطالب المتظاهرين بإيجاد شخصية جديدة لرئاسة الوزراء، والإيحاء للمتظاهرين بأن حراكهم قد نجح في استبدال الحكومة وشخصية رئيس الوزراء، وهذا اقصى ما يريده الشعب – حسب النظام -. ويحاول النظام تغييب الحقيقة التي خرج من أجلها الشعب العراقي بثورته السلمية والمتمثلة في إسقاط النظام السياسي الحالي الفاسد كله والذي لا تكون مخرجاته إلا فاسدة. لقد أوضح العراقيون اليوم بشكل لا لبس فيه أن مرادهم من ثورتهم الحالية هو اسقاط العملية السياسية بكل مؤسساتها التي بناها الاحتلال على أسس طائفية فرقت المجتمع العراقي وأرجعته إلى الوراء. ويريد الشعب العمل على إعادة بناء العملية السياسية بشكل يضمن إنها ستكون نابعة من الشعب العراقي وتتوفر فيها الأسس الوطنية التي تعامل المواطنين جميعهم معاملة واحدة وأنهم سواسية، بعيدا عن انتمائهم الديني والمذهبي والقومي، وتوفر الامن للمواطنين وتحقق السيادة لهذا الوطن، وتفتح أفاق التطور له.

وانطلاقا مما وصلت إليه الأمور في البلاد اليوم، وبناءا على ما تجاوزه الشعب العراقي من عقبات، والصمود الأسطوري الذي أظهره للعالم ضد البطش الذي يقوم به النظام ضده، كان من المحتم عليه أن تكون له زمام المبادرة اليوم لرسم خارطة الطريق التي تؤدي إلى إقامة دولة عراقية، وفق المواصفات التي رفعها المتظاهرون في شعاراتهم، وعدم إعطاء فرصة للنظام بالاستمرار في إيقاع المزيد من القتلى في صفوف الناشطين منهم. ثم على الثوار الانتقال الى الخطوة اللاحقة التي تأسس للنظام السياسي الجديد والدولة العراقية الجديدة التي يرنوا إليها كل العراقيين بشوق. أما البقاء في امكانهم دون مواقف أو مبادرات سياسية، والاكتفاء بانتظار بما يقوم به النظام الحالي من مناورات ومؤامرات تهدف تمييع مطالب المتظاهرين وتزييفها من خلال خطوات تغيرية بائسة، وتبديل وجوه وإعادة تدويرها ليبقى الفساد كما هو وتبقى الدولة العراقية متخلفة عن نظيراتها بالمنطقة والعالم.

إن هذا الجمود الذي من الممكن أن يصيب الثوار سيكون كفيلا بتقويض كل ذلك الحراك لا سامح الله، وستكون كل الدماء التي أريقت في ساحات التظاهر قد ذهبت سدى. والحل هو في استلهام تجارب الشعوب التي سبقتنا بنيل حريتها، والتي كانت تعاني من مشاكل شبيهة من المشاكل التي نعاني منها أو قريبة منها. أما مناقشة الحلول التي يطرحها النظام والتفاوض معه عليها، فإنها ستكون بداية النهاية لهذه الثورة المباركة، ذلك لأن هذا النظام لا يطرح حلولًا إلا إذا كانت في مصلحته.

ومن الثوار من يراهن على الوقت، عسى أن تلتفت إليهم احدى الدول الكبرى لتضع لهم الحلول الناجحة لتغيير الحالة بالعراق. ولهؤلاء أقول: “إن الدول الكبرى من الممكن أن تقدم لنا المساعدة، نكاية بأعدائها بالمنطقة، ومن الممكن قبول مساعدتها، مستفيدين من التناقضات الدولية لما فيه خدمة لبلدنا، لكن لا نركن إليها، ولا ننتظر منها تقديم الحلول الجاهزة لنا لكي ننفذها، ذلك لأن كل دولة ستعطي حلولا تتوافق مع مصالحها بالدرجة الأولى، ولا تنظر إلى مصلحة الشعب العراقي إلا بالقدر الذي يضمن لها استمرار مصالحها. وأعتقد ان قصدي واضح لاي دولة أشير بكلامي هذا”.

من الضروري أن ننظر إلى تجارب شعوب العالم التي استطاعت نيل استقلالها وحريتها وبناء دولها، رغم الصعوبات التي كانت تعيشها، كالتجربة الهندية والتجربة الماليزية بعد ما كانتا تحت الاحتلال البريطاني. لكني أود أن أعرج على التجربة الجزائرية العظيمة التي أخذت استقلالها من بين أنياب الاحتلال الفرنسي، وأسست دولتها المستقلة بعد أن دفعت الملايين من الشهداء كقرابين لهذا الاستقلال.

“التجربة الجزائرية في انشاء دولة مستقلة، جاءت بعد صراع طويل مع المحتل الفرنسي”

إن التجربة الجزائرية في انشاء دولة مستقلة، جاءت بعد صراع طويل مع المحتل الفرنسي، ضحى خلاله الشعب الجزائري بالغالي والنفيس لنيل حريته. وشعبنا العراقي لا يقل شأنا عن الشعب الجزائري بتضحياته، لكن الجزائريين، يختلفون عنا بأمر مهم وهو وجود قيادة لجماهيرهم المناضلة، قادة جماهيريين استطاعوا استغلال الفرص، وأداروا صراعهم إدارة حكيمة حتى استطاعوا في النهاية فرض ما يريدونه على المحتل الفرنسي. لقد عمل الثوار الجزائريون على انشاء مجلس وطني للثورة الجزائرية، كان بمثابة برلمان للثورة الجزائرية، وأستفاد هذا المجلس من التخبط والارباك الذي أصاب الحكومة الفرنسية بسبب الثورة الجزائرية (كما هو الحال مع النظام العراقي اليوم). واتخذ المجلس الثوري الجزائري قرارا حكيما تمثل بتشكيل حكومة جزائرية مؤقتة في العام 1958، وانيطت لهذه الحكومة مهمة إدارة المعركة مع المحتل الفرنسي سياسيا، والتواصل مع دول العالم لكسب التأييد للثورة الجزائرية. وبدأت رسائل التأييد من دول العالم تنهال على هذه الحكومة الوليدة، وتدفقت عليها المساعدات المادية وحتى العسكرية، بل إن هذه الحكومة وصلت إلى مرحلة اعترف بها العالم كممثل حقيقي للشعب الجزائري. وهي بذلك وضعت السلطة ‏الفرنسية امام الأمر الواقع، حيث ان فرنسا كانت تتحجج أمام العالم بأنها لا تجد من الجزائريين من تستطيع التفاوض معه (نفس الكذبة التي يقولها النظام العراقي)، لكن بعد تشكيل المجلس الوطني ومن ثم تشكيل الحكومة الوطنية، انكشفت هذه الكذبة وانتفت الحجة التي كانت فرنسا تتحجج بها. وكان على عاتق هذه الحكومة المؤقتة استكمال مؤسسات الثورة وإعادة بناء الدولة الجزائرية الحديثة.

ولو أردنا اسقاط هذه التجربة وباقي تجارب الشعوب الحرة بالعالم على واقعنا العراقي، لوجدنا إن هناك الكثير من الدروس التي يمكننا الاستفادة منها، ويمكنها أن تفتح عيون الثوار الثاقبة على آليات جديدة ربما لم تكن ممكنة في تلك الحقبة الزمنية، لكنها ممكنة اليوم في ظل التطور الذي حصل تكنلوجيا.

كيف السبيل إلى ذلك؟

“يمكن للثوار العراقيين أن ينتخبوا من ساحات الاعتصام وفي كل المحافظات العراقية المنتفضة نخبة من الناشطين والذين لديهم إلمام بالسياسة”

في ما يلي عرض لبعض الأفكار التي يمكن للثوار العراقيين أن يستفيدوا منها، ويزيدوا أو ينقصوا عليها حتى يصلوا إلى الطريقة المثلى التي تتلاءم مع الحالة العراقية للوصول إلى الهدف المنشود للشعب العراقي بالتحرر والاستقلال وبناء دولة المواطنة ذات الديمقراطية الحقيقية:

أولًا/ أنشاء المجلس الوطني

يمكن للثوار العراقيين أن ينتخبوا من ساحات الاعتصام وفي كل المحافظات العراقية المنتفضة نخبة من الناشطين والذين لديهم إلمام بالسياسة وفيهم صفات الوطنية ونكران الذات وروح التضحية لهذا الوطن لتأسيس مجلس وطني. ومن الضروري أن يكون بعض أعضاء هذا المجلس من الناشطين العراقيين خارج العراق، لما سيكون عليهم من واجبات ربما ستكون متعذرة على الناشطين داخل الوطن. على أن يكون عدد أعضاء المجلس بين المئة والمئة وخمسون منتخب – العدد يمكن النقاش فيه، لكن كلما كان العدد أقل، كان أفضل لإدارة النقاشات-، يمثل هؤلاء المنتخبون كمجلس برلماني للثورة العراقية يديرون حالة الصراع مع النظام الحاكم الحالي. وبعد الانتهاء من تشكيل هذا المجلس، ستكون أولى مهامه هو العكوف على تشكيل حكومة مؤقتة يتم الترشيح لها من أعضاء هذا المجلس، أو من شخصيات خارج المجلس الوطني. ويشترط أن تكون هذه الحكومة المؤقتة رشيقة من حيث أعداد الوزراء، لكي لا نضيع في مسائل إدارية لا تنتهي، والاقتصار على الوزارات التي يمكن لهذه الحكومة المؤقتة، أن تستحوذ على نظيراتها المسيطر عليها من قبل النظام الحالي. كما وستلقى على عاتق هذه الحكومة المؤقتة، مهمة إدارة الصراع مع النظام الحالي والاحتلال الإيراني بجانبه السياسي، و إدامة التواصل مع دول العالم لكسب التأييد لها. ومن أهم مهام هذه الحكومة، هو سحب الشرعية من النظام الحالي والحصول على الاعتراف الدولي بشرعية الحكومة المؤقتة والمجلس الوطني، كممثل شرعي وحيد للشعب العراقي. ذلك لان أحدى أهم نقاط الصراع بيننا وبين النظام، هو سحب شرعيته وأعادتها لممثلي الشعب الحقيقيين.

أما مهام المجلس الوطني المنتخب من ناشطي الثوار، فيه تتلخص بما يشبه بمهام البرلمان للدول المستقلة، فهو يصادق على قرارات الحكومة المؤقتة أو يرفضها ويراقب أداء الحكومة وينشأ مشاريع القرارات لتنفيذها من قبل الحكومة المؤقتة.

المخاطر والمحاذير

ربما من يقرأ هذا الكلام سيتبادر لذهنه العديد من الأسئلة والعديد من المخاوف من نجاح هذه التجربة، ربما تتمثل بعضها في هذه النقاط:

أولا: كيف يمكن ضمان سلامة أعضاء هذه المجلس المنتخب أو أعضاء الحكومة المؤقتة من بطش النظام الحاكم؟ فأقول: هناك وسائل عديدة لضمان سلامة هؤلاء الناشطين وممثلي الشعب، منها: ليس من الضروري أن يكونوا مكشوفين اعلاميا ويمكنهم أداء عملهم سرا، أما عن أدارة الاجتماعات فيما بينهم، فمن الممكن استخدام بعض التطبيقات المتوفرة على الانترنيت الخاصة بإدارة الاجتماعات عن بعد. وعلى سبيل المثال هناك برنامج zoom cloud meetings وهناك العديد من البرنامج على نفس الشاكلة. أما فيما يتعلق بأعضاء المجلس والحكومة الذين هم خارج العراق، فيمكنهم التحرك بشكل أكثر حرية وبالاسم الصريح لهم.

ثانيا: كيف يمكن للحكومة المؤقتة إدارة التواصل مع دول العالم والتفاوض مع أزلام النظام لتسليم السلطة؟ يمكن لأعضاء الحكومة المؤقتة – القسم الخارجي منها بالذات- إدارة الحوارات والمفاوضات مع دول العالم للحصول على شرعية تمثيل الشعب العراقي من خلال:

أعضاء الحكومة المتواجدين بالخارج بشكل مباشر.

أو من خلال الأعضاء الموجودين بالداخل، وذلك بالاستفادة من مقرات الأمم المتحدة المتواجدة في بغداد، والتي يفترض أن توفر لهم الحماية من بطش النظام.

“كيف يمكن للحكومة المؤقتة إدارة التواصل مع دول العالم والتفاوض مع أزلام النظام لتسليم السلطة؟”

كما وأن الدول التي تريد أن تتحاور مع أعضاء الحكومة المؤقتة، يفترض عليها توفير الحماية لهم لإدارة هذا الحوار داخل سفاراتهم في بغداد. وإذا تطور الحوار، فإن أولى مطالب الحكومة المؤقتة من دول العالم هو اصدار قرار ملزم من قبل مجلس الامن بوقف الاغتيالات ومهاجمة المتظاهرين، ومن ثم توفير الحماية الدولية لأعضاء الحكومة المؤقتة لكي يكون لها مقر علني داخل بغداد. وأقترح أن يكون هذا المقر في ساحة التحرير أو في مكان قريب من ساحات التظاهر، لما فيه من رمزية نضالية للجماهير العراقية.

وأخيرا: إن هذه الأفكار ما هي إلا جهد في الطريق الموصل إلى نيل حرية الشعب العراقي وانقاذه من الدمار الذي يعيشه في ظل هذا النظام الاستبدادي، وتخليصه من التبعية لأي دولة سواء كانت مجاورة أو غير مجاورة. وستكون قوة هذا المجلس الوطني وقوة الحكومة المؤقتة مستمدة من قوة التفاف الجماهير حولها، تستمد منهم قوتها وتستمد الجماهير مطاولتهم وصبرهم في نضالهم من حكمة أعضاء هذا المجلس والحكومة المؤقتة في ادارتها للصراع. إن الوضع الحالي يعتبر فرصة كبيرة للتغيير إلى ما يصبو إليه الشعب العراقي، وتفويت هذه الفرصة ستكون مصيبة كبيرة عليه.

إن على المجلس الوطني والحكومة المؤقتة، إدارة هذه الفترة الحرجة من تاريخ العراق بأفضل ما يكون ريثما تستطيع استلام السلطة، ثم بعد ذلك تعمل على تأسيس عملية سياسية جديدة مستلهمة من قبل العراقيين ومبنية على دستور غير ملغم ‏ يراعي حقوق المواطن ويضمن سلامة وحدة أرضي العراق. ويتم تداول السلطة فيها بشكل سلمي، ووفق قانون انتخابي منصف. تلك مهمة لا يرتقي إليها إلَّا العراقيون المخلصون الذي نذروا أنفسهم لرفعة هذا الوطن.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق