أقلام وآراء

الاختفاء القسري: الحالة العراقية نموذجاً!

قبل عدة أيام شاركت في ندوة أقامها مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية (راسام) حول الاختفاء القسري، وكان المحاضر فيها المحامي الجزائري رشيد مصلي.

وسأحاول هنا بيان أهم ما جاء في هذه الندوة الحيوية التي يفترض بكل ناشط مدني أو إعلامي أو صحفي أن يشارك في شبيهاتها من أجل العمل على خدمة وطنه وأهله.

الاختفاء القسري جريمة لها آثار نفسية ومجتمعية ومستقبلية أكثر حتى من القتل، لأنه يتضمن الاعتقال التعسفي والتعذيب ثم المقايضة ثم – في الغالب – القتل، وهذه الأحوال تنطبق على الحالة العراقية.

“الاختفاء القسري جريمة مستمرة لا تتوقف إلا بمعرفة مصير الشخص المختفي!”

الاختفاء القسري جريمة مستمرة لا تتوقف إلا بمعرفة مصير الشخص المختفي! وهذه الجريمة لا تتقادم إلا باكتشاف خيط يقود للجناة، أو يعرف مصير المختفي! وضحايا الاختفاء القسري هم أشخاص اختفوا فعليا بعيدا عن أحبائهم ومجتمعهم. ويختفون عندما يقبض عليهم مسؤولو الدولة – أو أي شخص يعمل بموافقة الدولة – من الشارع أو من منازلهم ثم ينكرون ذلك الأمر، أو يرفضون الكشف عن مكان وجودهم. ففي بعض الأحيان، قد يقوم بعمليات الإخفاء عناصر مسلحة غير تابعة للدولة، مثل جماعات المعارضة المسلحة. والإخفاء يعد دائما جريمة بموجب القانون الدولي.

ولا يتم إطلاق سراح هؤلاء الأشخاص مطلقا، ويبقى مصيرهم مجهولا. وغالبا ما يتعرض الضحايا للتعذيب، أو تصفية العديد منهم، أو يعيشون في خوف دائم من التعرض للقتل. ويعلمون أن عائلاتهم ليس لديها أي فكرة عن مكان وجودهم، ولا يوجد فرصة لأي شخص أن يأتي لمساعدتهم. وحتى إذا نجوا من الموت، وأطلق سراحهم في نهاية المطاف، تبقى الجراح البدنية والنفسية تعيش معهم.

والاختفاء القسري جريمة مستمرة في العراق منذ الأشهر الأولى للاحتلال الأمريكي للعراق وحتى اللحظة. وسبق لمركز جنيف الدولي للعدالة أن ذكر في كلمة في الدورة 42 لمجلس الأمم المتحدة المنعقدة في 18/ أيلول/ سبتمبر، 2019 أن (السلطات العراقية على علم تام بكل التفاصيل لكنها تبتعد عن الاعتراف بذلك، وتسعى إلى تحويل الموضوع من قضية اختفاء قسري – وهي جريمة ضد الإنسانيّة – إلى قضيّة عادية تتمثل بفقدان أشخاص وتعمل على إلقاء العبء على عوائل الضحايا في تقديم شكاوى للقضاء. والثابت لدى الجميع، بما في ذلك أجهزة الأمم المتحدة أن لا قضاء مستقل في العراق، بل هو خاضع لإرادة السلطة السياسية ومرتكبي الانتهاكات).

“العراق من الدول الموقعة على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري”

وأكدوا أنهم قدموا (كل التفاصيل، والأسماء، إلى مكتب السيدة المفوضة السامية، كما أرسلنا التفاصيل إلى لجنة وفريق الاختفاء القسري. وكذلك أوضحنا حجم المأساة في التقارير المكتوبة لدورات مجلس حقوق الإنسان بضمنها هذه الدورة، وبالتالي لم يبق أمام أجهزة الأمم المتحدّة، وخاصة مجلسكم الموقر، سوى اتخاذ الإجراءات الواجبة في مواجهة هذه الجرائم المنظمة والمستمرة في العراق).

والعراق من الدول الموقعة على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، والتي تنص بحسب المادة 6 على:-

أولا: تتخذ كل دولة طرف التدابير اللازمة لتحميل المسؤولية الجنائية على اقل تقدير:

أ‌- لكل من يرتكب جريمة الاختفاء القسري، أو يأمر أو يوصي بارتكابها أو يحاول ارتكابها متواطئا أو يشترك في ارتكابها.

ب‌- الرئيس الذي:

1- كان على علم بأن احد مرؤوسيه ممن يعلمون تحت إمرته ورقابته القطعيتين قد ارتكب أو كان على وشك ارتكاب جريمة الاختفاء القسري، أو تعمد إغفال معلومات كانت تدل على ذلك بوضوح.

2- كان يمارس مسؤوليته ورقابته القطعيتين على الأنشطة التي ترتبط بها جريمة الاختفاء القسري.

3- لم يتخذ كافة التدابير اللازمة والمعقولة التي كان بوسعه اتخاذها للحيلولة دون ارتكاب جريمة الاختفاء القسري أو قمع ارتكابها أو عرض الأمر على السلطات المختصة لإغراض التحقيق والملاحقة.

ج- ليس في الفقرة الفرعية (ب) أعلاه إخلال بالقواعد ذات الصلة التي تنطوي على درجة أعلى من المسؤولية والواجبة التطبيق بموجب القانون الدولي على قائد عسكري أو على أي شخص يقوم فعلا مقام القائد العسكري.

 

ثانيا: لا يجوز التذرع بأي أمر أو تعليمات صادرة من سلطة  عامة أو مدنية أو عسكرية أو غيرها لتبرير جريمة الاختفاء القسري.

 

ومن هنا يضح بشاعة جريمة الاختفاء القسري، والتي تتطلب ضغطا دوليا وإعلاميا لإيقافها!

  • يفترض بكل مواطن – وليس فقط المؤسسات والجمعيات – أن يكون أداة لتوثيق جرائم الاختفاء القسري، وبالذات مع وجود (الهواتف النقالة) وذلك عبر تصوير اللحظات التي تتم فيها الجريمة، ومحاولة تصوير الأشخاص الخاطفين، والسيارات التي تمت فيها الجريمة وأرقامها وموديلاتها، أو أخذ من نقطة التفتيش في المكان الفلاني وهذه المليشيات تابعة للحزب الفلاني. بالإضافة الى كل ما يمكن أن يساعد في الوصول إلى الفاعل، والدلالة عليه. وكل هذه المعلومات يجب أن تكون موثقة ودقيقة.

ومن أهم آليات ووسائل العمل في مجال توثيق الاختفاء القسري لأي شخص أو منظمة:

  • المصداقية.
  • المهنية
  • العمل الموثق.
  • إعطاء رقم مستقل لكل حالة.
  • تقديم طلب تحقيق إلى الحكومة.

“من الذي يهتم بعوائلهم، وتربية أولادهم وتوفير لقمة العيش الكريمة لهم، أم أنهم أصبحوا في ثنايا النسيان”

وعلى الرغم من هذه الاتفاقيات الدولية هنالك اليوم مئات الآلاف من المفقودين العراقيين فقدوا في زمن الديمقراطية!

فأين ذهبوا؟

ومن الذي اختطفهم؟

وما مصيرهم؟

وهل هم أحياء أم أموات؟

من الذي يهتم بعوائلهم، وتربية أولادهم وتوفير لقمة العيش الكريمة لهم، أم أنهم أصبحوا في ثنايا النسيان مع انشغال الساسة بالمناصب والترتيبات غير المجدية للشعب؟

 

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق