الخميس 23 يناير 2020 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

"صنع في العراق".. لماذا المنتوج الوطني؟

“صنع في العراق”.. لماذا المنتوج الوطني؟

يعد الإنتاج الوطني أحد أهم المحاور المهمة الحساسة التي تتأثر بها قوة الدولة الاقتصادية وحياة الشعب، فما إن يزدهر الإنتاج حتى يدعم اقتصاد الدولة وينهي أزمة البطالة، ويرفع حركة النشاطات للقطاعات الحيوية، ويجذب المستثمرين ورؤوس الأموال من الخارج.

عندما نتحدث عن أزمة بلد مثل العراق، فإننا أمام تحديات كبيرة في بلد استثنائي لا يمكن إزاءه العدول عن التفكير في مسببات هذه المشاكل، ولم نقصد بالمشاكل المتعلقة بالصراعات السياسية أو الفساد أو التدخلات الخارجية، وإنما نتحدث عن المشاكل المجتمعية وأسبابها الملموسة المباشرة.

لماذا انهار المنتج الوطني العراقي؟

كان العراق يعد من البلدان المتقدمة التي تمتلك قطاعات إنتاجية حيوية ذات نشاط وتقدم عالمي، حيث إنه تمكن في نهاية ثمانينيات القرن الماضي من إطلاق الصاروخ الفضائي المسمى “العابد” من محافظة الأنبار، وهو الأول من نوعه على مستوى المنطقة، وهذا وحده دليل كاف على أن العراق كان من البلدان المتقدمة وله مكانته الإنتاجية.

“كان يعد الثاني في صدارة الدول النفطية المنتجة المصدّرة في العالم”

وحديثنا لا يقتصر على الصناعات العسكرية، أو غيرها من الصناعات بصورة عامة، بل إن الحديث يأخذنا من دون شعور إلى العراق الزراعي الذي كان في طليعة البلدان التي تتمتع بالزراعة المثالية، والتي أغرقت البلد بأفخر المنتجات الزراعية، وامتدّت واتّسعت لتصب وابلها على بعض البلدان المجاورة.

وكذلك لن يدعنا الحديث نتوقف عند ذلك، بل إنه يعرّج بنا إلى جانب الثروة النفطية الهائلة، والإنتاج العراقي من النفط الخام ومشتقاته، والذي كان يعد الثاني في صدارة الدول النفطية المنتجة المصدّرة في العالم.

وفضلًا عن أنّ العراق كان منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي حتى الثمانينيات منه الجاذب الأقوى للأيدي العاملة من شتى بقاع الأرض؛ فقد كان الحاضنة الأولى للعمالة القادمة من دول شتى كانت تعاني من ارتفاعات مخيفة في مستويات البطالة والأزمات الاقتصادية، كمصر والسودان والأردن وتركيا ودول جنوب شرق آسيا، وغيرها، حتى بعض الدول الأوربية الفقيرة آنذاك، إلى درجة الإغناء وإنعاش تلك البلدان التي كانت تقتات من خيرات هذا البلد في تلك الحقبة من الزمن، وهذا إن دل على أمرٍ فإنما يدل على أهمية العراق الاقتصادية والقوة الإنتاجية التي كان يمتلكها حينذاك.

ورغم كل هذه الإمكانيات التي كان يتمتع بها العراق، فإن كبرى دول العالم الفاعلة، كأمريكا ودول أوروبا وإسرائيل، لم ترض بهذا التقدم والقوة الإنتاجية التي كان يتمتع بها، حيث عملت تلك الدول على محاربة العراق من كل الجوانب، فكانت تدعم إيران في حرب السنوات الثماني، لتقضي على قوة العراق، كما أن صاروخ العابد العراقي كان له الأثر الكبير في إظهار الرفض الدولي لتقدم العراق، حيث عملت أمريكا ودول أوروبا وإسرائيل على مراقبة الصاروخ ومن ثم تفجيره، لمنع العراق من أي تقدم.

وسبق هذه التحركات الدولية ضد العراق، إنهاك البلد بالحصار الاقتصادي الدولي في تسعينيات القرن الماضي، والذي كان بمثابة ضربة قاضية أنهكت البلاد وهيأته لأن يكون بلدًا متخلفًا، رغم التقدم الإنتاجي النسبي الذي حققه العراق في حينها بسبب ذلك الحصار.

“بلغت بالعراق مرحلة جديدة من التخلف في الإنتاج الوطني”

وبعد جريمة الحصار، أقدمت الولايات المتحدة الأمريكية على غزو العراق بمشاركة نحو 50 دولة في هذه الجريمة، حتى تمكنت من احتلال بغداد والسيطرة على كامل المدن بعد ذلك، لتدمّر الزراعة، والصناعة، بدءًا من الصناعات العسكرية، ومرورًا بالمصانع الكبرى منها والصغرى، وانتهاءً بالبنى التحتية والمشاريع بكل أنواعها، والمنشآت الحيوية، والمؤسسات التعليمية، حتى نالت من أصغر المفاصل الإنتاجية في البلد المتهالك الذي عانى قبل ذلك ويلات الحصار والحروب المتعاقبة على مدى عقود، حتى بلغت بالعراق مرحلة جديدة من التخلف في الإنتاج الوطني.

الوعي وعلاقته بازدهار الإنتاج

عندما نتحدث عن أزمة ما فيجب التفكير في مسبباتها، بغية الوصول إلى الحلول ومحاولة التخلص منها، وبما يتعلق بالإنتاج الوطني ومسبباته وحلوله، فيجب علينا أن نبحث أولًا عن الأسباب، ثم بعد ذلك يمكن أن نصل إلى الحلول الحقيقية التي من شأنها أن تعيد الحياة إليه مرة أخرى.

إن الأسباب الأساسية المتعلقة بالانهيار الحقيقي للمنتج  الوطني العراقي، قد ذكرناه آنفًا، بأن الدول العظمى لا تريد أن يكون العراق قويًا، وقوة العراق تتمثل في ازدهار إنتاجه، بجانب الثروة النفطية الهائلة التي يتمتع بها.

وللوصول إلى مخرجات لهذه الأزمة، فإننا نقول إن الشعوب هي من تحكم وتدير البلدان وليست الحكومات، وبعد أن فشلت الحكومات المتعاقبة في هذا البلد المنكوب منذ عام 2003، وجب على الشعب العراقي اليوم أن ينهض وينظّم ثورة حقيقية تهدف إلى إرجاع العراق إلى مكانته الدولية، وقد تكون أهم انطلاقة له هو ما يعزز الاقتصاد، فهي الركن الأساس في بناء أي دولة، وقد تكون البداية ملائمة بدعم المنتج الوطني.

وما نقصده في مفهوم دعم المنتج الوطني، هو الدعم الحقيقي الذي يبدأ من أصغر أسرة وأصغر فرد فيها، مرورًا بالمحال التجارية وصغار التجار حتى كبار تجار البلد، والمصانع والتجارة الخارجية، ومسؤولية المديرين والموظفين وكل المنتسبين في المؤسسات الحكومية المعنية، أي أنه يستوجب أن يكون هناك وعي كاف لدى المجتمع بضرورة الحس بالمسؤولية والدعم، كل بحسب مكانته في المجتمع.

وما نراه اليوم من حملة كبرى لدعم المنتج الوطني، أطلقت من منصات السوشيال ميديا حتى وصلت إلى ساحات التظاهرات، لهو دليل على النية الحقيقية لدى الشارع العراقي للنهوض بهذا البلد وإرجاع مكانته وقوته الاقتصادية.

“إن دعم المنتج المحلي، يعني دعم اقتصاد البلد”

حيث نرى أن هناك إقبالا كبيرا على شراء المنتج الوطني واستهلاكه على حساب المستورد، وهذا وحده بداية مهمة جدا، تحمل رسالة إلى التجار بأن عملكم اليوم لا ينفع بالاستيراد، بل وجب أن تتجهوا نحو دعم المصانع المحلية والمزارع وكل المنتج الوطني المتعلق بسائر المجالات.

وهذا الوعي الذي بدأ ينتشر بين طبقات المجتمع العراقي، هو بداية بسيطة لمحاربة الأزمات التي يعاني منها العراق، حيث إن دعم المنتج المحلي، يعني دعم اقتصاد البلد، ومحاربة أزمات البطالة والفقر وتوفير فرص عمل أكبر للشباب فيه، فضلًا عن إحياء آلاف المصانع والمعامل المتوقفة، والمشاريع الزراعية المهملة، ويقضي كل ذلك على نسبة العنف الأسري والجريمة التي تولدت وزادت معدلاتها مع تفاقم أزمة الفقر والبطالة.

المصدر:وكالة يقين

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات