الخميس 23 يناير 2020 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

قصة احتلال عجيب

قصة احتلال عجيب

الاحتلال الإيراني للعراق ولبنان لا يريد أن يرعى حتى مصالح شعب إيران، ولا يقدم له شيئا. وسوى الخراب، فإنه لا يقصد تنمية ولا اقتصادا ولا استقرارا اجتماعيا ولا علاقات متوازنة مع العالم.

ما الذي يجعل العراقيين واللبنانيين يتظاهرون من دون انقطاع،  ولو تحت زخات الرصاص؟ أهو الفقر؟ أهو الفساد؟ أهو البطالة؟ أهو البؤس والإحباط؟

كل هذا، صحيح. ولكن هناك سبب آخر أهم، هو أن هذين البلدين واقعان تحت الاحتلال. وهو احتلال ليس كأي احتلال.

الاحتلال لا يُطاق، فكيف إذا كان همجيا صادرا عن معتقدات جاهلية، ولا ينتسب إلى عالم اليوم، يسعد بسفك الدماء، ولا يقيم وزنا للقيم الإنسانية، ولا يعرف معنى الدولة، ويقوم على فرضيات أجهل من الجهل نفسه.

الاحتلال الإيراني للعراق ولبنان لا يريد أن يرعى حتى مصالح شعب إيران، ولا يقدم له شيئا. وسوى الخراب، فإنه لا يقصد تنمية ولا اقتصادا ولا استقرارا اجتماعيا ولا علاقات متوازنة مع العالم. وإذ يعيش في الماضي ليستولد منه أحقادا طائفية، فإنه غير معني بالمستقبل أيضا.

“هذا نمط من الحياة يجعل كل الخاضعين له  كأنهم يعيشون في غابة”

وهو إذ يستعين بالمليشيات ، وعصابات مسلحة فليس لأنه يستعيد استراتيجيا إسماعيل شاه الصفوي التي تقصد التسلل بغرض التفكيك والإفساد، فحسب، بل لأنه يريد لها أن تكون أداة للفوضى الدائمة، حتى بعد أن يقر لها القرار.

وهذا نمط من الحياة يجعل كل الخاضعين له  كأنهم يعيشون في غابة، كل شيء في طبائعها بدائي وعشوائي ويقوم على مصالح وتسويات لا أساس لها ولا قاعدة ولا معيار.  كل شيء فيها يتقرر من تحت الطاولة، حيث تتحرك أيادي “الخذ والهات”، من تعيين الوزراء ورئيسهم ونوابه ومديريه إلى آخر شرطي مرور.

هذا هو نظام الحياة الذي يرعاه الولي “الفقيه” في العراق ولبنان لَكأنه فقيه تخريب وإفساد. وتلك هي عمامته، لا أكثر ولا أقل.

ضع نفسك في بيئة كهذه، وجرّب ما تعني لبضع سنوات، ولسوف ترى أن الموت فيها أكثر رحمة بكثير مما تفرضه عليك من ظلم وقهر وإحباط تصحو عليه، وتنام به، حتى تصبح أحلامك نفسها مجرد كوابيس.

ولئن قلت، فلا أحد يُصغي. ولئن تذمّرت، فمصيرك السجن والتعذيب، ومن بعده الجوع والحرمان. ولئن بدوت كأنك تشكل خطرا، قتلوك.

لا شيء بحد ذاته هو المشكلة، بل كل شيء. لأنك كيفما درت، دارت عليك بقية الدوائر. فلو وجدت عملا يُنجيك من الفقر والبطالة، ظل الظلم قائما. ولو تواطأت مع مصيبة، انقلبت على رأسك أخرى. وهكذا ظلم يتبعه ظلم. وظلمات تغشاها ظلمات، في العيش، في الثقافة، في نمط الكلام، في العلاقة مع الجيران، في البيع والشراء، في دوائر الدولة، في الجامعات والمدارس، في القضاء، في كل شيء لتجد نفسك في النهاية غارقا في مستنقع ضخم، لا تعرف كيف دخلته، ولا كيف تخرج منه.

هذا هو “الفقه” الذي يفرضه عليك احتلالٌ ليس كأي احتلال. وهذه هي الدورة، التي ظل العراقيون يدورون فيها 16 عاما، وحولها لواء الحرس الثوري الإيراني في لبنان، بقيادة حسن نصرالله، في 30 عاما، إلى نمط حياة، إما أن تقبله، واما أن”تنفلق”، حتى بلغت الجرأة برئيس تابع لهذا اللواء أن قال لشعبه “ارحلوا إذا كان مش عاجبكم”.

ولا تعرف على أي شعب سيكون رئيسا إذا رحل الشعب وبقيت الأغنام؟أ

ثم اُنظر إلى ما جناه الشعب الإيراني من النزعة التوسعية لنظامه، ولن تجد إلا الخراب. مئات المليارات بددت من دون طائل، بينما ظلت إيران تعيش على أقل مما كانت تعيش عليه قبل أربعين عاما.  كأن ساعة الحياة ما دارت على  منقلبات. ومثلما يجوع ويفقر العراقيون واللبنانيون، يجوع ويفقر الإيرانيون.

ويفخر قاسم سليماني أنه “خاض كل حروب إيران خارج أراضيها”، ولم يسأله أحد “لماذا الحروب من الأساس؟”.

يمكن المرء أن يجزم أن الإيرانيين لمّا خرجوا للتظاهرات، ما كانوا ليحتجوا على شيء محدد. إنما فعلوا ذلك تحت وطأة القهر العام، لا تحت وطأة مشكلة واحدة.

“شيء لم يسبق حتى لأعنف الأساطير أن توصلت إليه”

المشكلات الاقتصادية يمكن حلها. بضعة موارد إضافية، أو صفقات، أو قروض، يمكنها أن تفتح الأبواب. وقد تتسنى  مكافحة الفساد ببعض إجراءات وقوانين. والشباب قد تتوفر لهم وظائف. والتعليم قد يمكن رفع مستواه. ولكن في بيئة خرافية، نبعت من خيالات مريضة، ومشاغل فقهية تفوح منها العفونة، فإن أي علاج سرعان ما يُصبح من رابع المستحيلات. لأنها بيئة كفيلة بأن تحول السياسة والاقتصاد والعلم، وكل شيء آخر، إلى هراء. بل وتحول الناس إلى قوارض تنهش بعضها بعضا، والكل ضحايا. ويغمر علاقاتهم بأنفسهم العفن نفسه.  لا أحد يملك أفقا، ولا بدائل ولا خيارات، إلا الموت، فهو أرحم.

شيء لم يسبق حتى لأعنف الأساطير أن توصلت إليه، إنه بؤس أطبق عليه الظلام، وأطبق فوق الظلام ظلام.

تلك هي القصة، وتلك هي مصائر الفشل التي فرضتها ميليشيات الولي الفقيه على عشرات الملايين في العراق ولبنان وإيران.

إنها قصة احتلال عجيب، لا مثيل له ، لا فائدة ترتجى منه، ولا منافع لشركات أو احتكارات. والميليشيات هي ذاتها الميليشيات. مجرد مجموعات من الغلمان تستبيح وتفسد وتنتهك وهي ذاتها من المحرومين الذين دارت عليهم بقية الدوائر.

أفهل يمكن المرء أن ينقم على أي مجرم هناك؟ اُنظر في العفن الذي يغمره، وبقايا الأشلاء التي مزقها بأظافره، وبقع الدم على أسماله، ودموع ضحاياه. وسترى إنه زومبي، ولد من حكاية خرافية، وجاء ليحكم باسم الله.

 

 

المصدر:العرب

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات