الخميس 23 يناير 2020 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

دولة الميليشيات في الواجهة

دولة الميليشيات في الواجهة

منذ اقرار الدستور العراقي عام 2005 وحتى الان حاولت الاحزاب الدينية الموالية لإيران تقديم نفسها على انها احزاب مدنية تحاول تطبيق الديمقراطية و تعمل على تشكيل المؤسسات و تقوية الدولة وجلب الاستثمار الخارجي لتقديم صورة مشرقة للعالم عن طريق اتباع هذه الاستراتيجية و التغطية على الفساد السياسي و الإداري والمالي و الميليشيات و العصابات الخارجة عن القانون.

“لم يدم هذا المشهد طويلا و اصطدم بالواقع”

وعلى الرغم من وجود قرار استراتيجي لدى الاحزاب السياسية بالمحافظة على الاذرع المسلحة و الميليشيات وعوامل اللادولة على حساب الدولة، إلا انها كانت تؤكد في خطابها الداخلي واثناء اللقاءات بالشخصيات الدولية على ضرورة تطبيق الدستور و التعامل مع العراق كدولة مستقلة ذات سيادة بعيدة عن الاملاءات الخارجية .

لم يدم هذا المشهد طويلا و اصطدم بالواقع بعد مظاهرات تشرين والاحداث التي أكدت وجود دولة عميقة داخل الدولة العراقية الحالية. إن قدرة الميليشيات الموالية لإيران على استيراد وجلب الاسلحة من الخارج وقتل وقمع واختطاف المواطنين دون خشية من الاجهزة الامنية الرسمية هي مؤشر على هذه الحقيقة – وجود الدولة العميقة -.

ومنذ بداية مظاهرات تشرين وحتى اليوم تبلورت رؤية جديدة لدى اغلب المواطنين تجاه الدولة. حيث كان غالبية الناس منخدعين بالخطاب الرسمي ، ولكن احداث تشرين كانت صدمة حقيقية، حيث ادركوا من خلالها ضعف الدولة او غيابها تماما عن المشهد الأمني على حساب قوة و سلطة الميليشيات وقادة الاحزاب الموالية لإيران. وهذا الامر يعتبر احد الاهداف الرئيسية لطهران. لأنها تعمل على استراتيجية اضعاف الدولة المركزية على حساب تقوية فواعل اللادولة لضمان بقاء نفوذها المرتبط بنفوذ الميليشيات، حتى لو حصل تغييرات على مستوى السلطات الرسمية و الحكومة.

“تصدر الميليشيات للمشهد وتهديد السلطات الرسمية التي تتمرد على قرارات الميليشيات”

إلى هنا كان الامر طبيعيا ومتوقعا بالنسبة للكثيرين، ولكن مسألة استعداد الرئيس العراقي برهم صالح للاستقالة نتيجة للضغوطات السياسية و التهديد من قبل قادة كتلة البناء لتمرير مرشح معين لرئاسة الوزراء ، شكلت واقعاً جديدا في العراق وهو تصدر الميليشيات للمشهد وتهديد السلطات الرسمية التي تتمرد على قرارات الميليشيات. وهنا ظهرت دولة الميليشيات في الواجهة و غابت دولة المؤسسات التي كانت تروج لها الاحزاب الدينية الموالية لإيران طوال الأعوام الماضية.

من المعلوم ان الاطراف السياسية الموالية لإيران في البرلمان العراقي هي التي صوتت لبرهم صالح ليكون رئيسا للجمهورية. و قد اكدت طهران حينها عن ارتياحها بهذه الخطوة بالإضافة الى دعم الميليشيات لبرهم صالح ، وخاصة ان غريمه كان مرشح الحزب الديمقراطي الكردستاني “فؤاد حسين”. ولكن على الرغم من ذلك فإن الميليشيات تمردت على برهم صالح و شنت هجوما اعلاميا عليه، وارتفع التصعيد لدرجة قيام ميليشيات كتائب حزب الله بإرسال طائرات مسيرة محملة بالمتفجرات الى منطقة اقامة الرئيس برهم صالح لتهديده واخضاعه لقرار كتلة البناء والموافقة على مرشحي كتلة البناء لمنصب رئاسة الوزراء دون اعتراض.

من الواضح ان الضغوطات السياسية و الاقتصادية الشديدة على إيران تدفعها نحو تغيير أسلوبها في العراق وعدم الاهتمام بإعادة ترميم المنظومة السياسية في العراق والتعامل معها بشكل رسمي – كما كانت تفعل في السابق -، بل باتت اليوم تعول بشكل أكبر على الميليشيات لإدارة و تسيير امورها بعيدا عن السلطات الثلاث و المؤسسات الرسمية. ومن الواضح أيضا ان ايران لا تكترث بدخول العراق في فراغ دستوري او تعطيل المؤسسات الرسمية او استقالة الحكومة ، لأن المصالح الإيرانية ليست مرتبطة بهذه المؤسسات بقدر ماهي مرتبط بمنظومة شاملة من الأحزاب و الميليشيات و التجار الذين يديرون الدولة العميقة و يحافظون على مصالح إيران و ينفذون اجندتها على الأراضي العراقية .

لم يعد هناك قيمة للتصريحات الرسمية او بيانات المسؤولين في العراق. وفي المقابل تتسابق القنوات الإعلامية لأخذ تصريح او موقف من قائد ميليشيات عصابات أهل الحق (قيس الخز علي) ، او قائد ميليشيات بدر (هادي العامري) ، او (أبو مهدي المهندس) ، حيث ان قرارات هؤلاء القادة تؤثر بشكل مباشر على الواقع الأمني و السياسي في العراق و لا يمكن التعويل على أي موقف رسمي قد لا يحظى بموافقة قادة الميليشيات الطائفية التابعة لإيران .

“اليوم ندخل مرحلة جديدة وهي بروز دولة الميليشيات بشكل رسمي”

تسليم زمام المبادرة في العراق للميليشيات من قبل صانع القرار الإيراني في هذا التوقيت و بروز دولة الميليشيات في الواجهة تأتي ضمن المحاولات الإيرانية للقضاء على ثورة تشرين العراقية. حيث تحرض إيران الميليشيات الطائفية لمهاجمة القوات الامريكية في العراق وتحويل العراق لساحة صراع و إنهاء المظاهرات بحجة التطورات التي طرأت على الساحة العسكرية و السياسية ومحاولة دغدغة المواطنين و التأثير عليهم للتراجع عن المطالب الإصلاحية و التوقف عن الاحتجاجات.

ما يجري اليوم يؤكد فشل حزب الدعوة و باقي الأحزاب الإسلامية في العراق والموالية لمشروع ولاية الفقيه من بناء دولة عصرية و ديمقراطية قادرة على تلبية مطالب المواطنين، بل تسببت بانهيار العراق وتحويله لدولة فاشلة و هشة على مستوى العالم. وواليوم ندخل مرحلة جديدة وهي بروز دولة الميليشيات بشكل رسمي، وهذا سيؤدي الى المزيد من العزلة و إمكانية فرض العقوبات على العراق و زيادة معاناة المواطنين و تحويل العراق لساحة صراع وحروب من جديد.، وهذا سيؤدي الى المزيد من العزلة و إمكانية فرض العقوبات على العراق و زيادة معاناة المواطنين و تحويل العراق لساحة صراع وحروب من جديد.

المصدر:مركز راسام

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات