الخميس 09 أبريل 2020 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

ما بعد اغتيال سليماني

ما بعد اغتيال سليماني

لا يمكن التنبؤ بمرحلة ما بعد اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني. بدأ الأميركيون أصلاً بحشد قواتهم في العراق، واستنفار كل قواعدهم في الشرق الأوسط، والإيرانيون أبدوا استعدادهم مراراً للقتال إن دُفعوا إليه. الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي اعتاد على رسم صورة غير حربية عنه في معظم سنوات ولايته الأولى، تحوّل إلى آمرٍ لأقوى ضربة أميركية ضد إيران منذ الثورة الإيرانية عام 1979. أما الرئيس الإيراني، حسن روحاني، الذي تمحورت خطاباته أخيرا حول الاقتصاد والنفط والموازنة السنوية، وكيفية مقارعة العقوبات الأميركية، وجد نفسه أمام مواجهةٍ عسكريةٍ تؤجل الملف الاقتصادي إلى حين. أيضاً، وكان ترامب يحتاج إلى خطوةٍ ميدانيةٍ ما، تفيده في عام الانتخابات الرئاسية. وطبعاً لم تكن سورية ولا أفغانستان ولا كوريا الشمالية ميادين سانحة، فالأولى محكومةٌ بالتفاهمات مع الروس والأتراك، والثانية محصورةٌ بالمفاوضات الأميركية مع حركة طالبان، والثالثة تترجم رغبةً أميركيةً بتحوّلها إلى مصنع كبير للاقتصاد الأميركي. أما روحاني، فإن أي ضربةٍ ميدانيةٍ كفيلة بتخفيف الضغوط الداخلية ضده، سواء من المحافظين أو من المواطنين المحتجّين لأسباب اقتصادية، بما يسمح بتوحيد الصفوف خلفه في أي صدامٍ. 

“هل سيؤدي تسارع الأحداث إلى حربٍ واسعة النطاق في المنطقة؟”

هل سيؤدي تسارع الأحداث إلى حربٍ واسعة النطاق في المنطقة؟ وإذا اعتبرنا أنها بدأت مع اغتيال سليماني، فأين تنتهي وما هي عناصرُها وساحاتها؟ في الواقع، يحتاج الإيرانيون إلى ردٍ ما، لأن اللغة الأدبية بما معناه “سقط لنا شهيد انضمّ إلى قوافل الشهداء وسنكمل المسيرة”، أو “الردّ في الزمان والمكان المناسبين” لم تعد مقنعة تماماً، بل تكرّس عملياً عنصر الضعف. الزمن الحالي هو زمن “الردّ” لا تأجيله. يحتاج الإيرانيون إلى ذلك، مع الأخذ بالاعتبار عدم تدحرج الردّ إلى حربٍ تكون حساباتها 50/50 في النصر أو الهزيمة. وهو آخر ما يتمنّاه الإيراني والأميركي أيضاً. بالتالي، قد يفسح الردّ المباشر والمدروس المجال لتزخيم المفاوضات بشأن الاتفاق النووي على الدمّ. أما في حالة الردّ على الأميركيين عن طريق فصيل حليف لإيران، في العراق أو لبنان أو سورية أو اليمن حتى، فلن يفضي سوى إلى إعلان حربٍ على الفصيل الذي ردّ، بما قد ينهي دوره العسكري في البلد الذي يتمركز فيه. وبالنسبة للإسرائيليين، سيسمح للاحتلال الردّ عليهم في موضوع سليماني، باعتبار ما حصل “اعتداءً عليه” لا “رداَ”، على قاعدة “لم نكن من قتل سليماني، فلماذا تحمّلونا وزره؟”. بالطبع، جرّ الإسرائيلي إلى هذه الوضعية يعني مستوىً أعلى من التوتر في المنطقة، من دون أن يعني بالضرورة نصراً للجهة التي تجرّ الإسرائيلي.

“لم نكن من قتل سليماني، فلماذا تحمّلونا وزره؟”

من المرجّح في المبدأ أن يزداد التوتر الميداني من دون أن يتخطّى أي طرفٍ الخط الأحمر، أي “المواجهة المباشرة بين الأميركيين والإيرانيين”، أقلّه خلال الفترة الحالية، لأن اندلاع الحرب بصورة عشوائية بين الطرفين، سيطيح الاتفاق النووي بالكامل من جهة، وسيخلّف فراغاً ينتظر من يملؤه من جهة أخرى. ومع أن كثيرين يتحدثون عن “ضوء أخضر” أميركي للانخراط في الحرب، إلا أنه يمكن تفسيره أيضاً بمحاولةٍ أميركيةٍ للتذكير بـ”أننا الأقوى”، خصوصاً بعد أن غرّد ترامب على “تويتر” بعد مقتل سليماني، بوضعه علماً أميركياً فقط، من دون إرفاقه بتعليقٍ ما، طبعاً على قاعدة “أميركا أولاً” بعد “الإهانة” التي تعرّضت لها باقتحام كتائب حزب الله العراقي السفارة الأميركية في بغداد.

لن تكون المنطقة، بعد اغتيال سليماني، كما قبله، لكن الأكيد أيضاً أن الردّ لن يكون مجنوناً أو غرائزياً، لأنه يعني حتماً نهاية حقبة وبدء أخرى. ومع أن الفعل الأميركي كشف سقوط تفاهماتٍ غير مباشرة مع الإيرانيين، سادت طوال فترة احتلال العراق منذ عام 2003، لكن الأوضاع لا تزال تحت السيطرة.

المصدر:العربي الجديد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات