أقلام وآراء

العراق أغلى من سليماني

يبدو أن حادثة اغتيال الجنرال الإيراني، قاسم سليماني، ومعه نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي في العراق، أبو مهدي المهندس، ستكون بداية لمرحلة أكثر قلقاً تعيشها المنطقة عموماً، والعراق بشكل خاص، ليس لأن الحادثة وقعت في العراق حسب، وإنما لأن العراق في الأصل كان ساحة الصراع بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران منذ مجيء الرئيس دونالد ترمب إلى الحكم قبل نحو أربعة أعوام وانتقاداته المتكرّرة لسلفه باراك أوباما الذي سحب القوات الأميركية من العراق وسلمه لإيران.

لا يبدو العراق اليوم في وضعٍ يسمح له بالنأي بنفسه عمّا يجري بين واشنطن وطهران، فالحكومة الحالية هي حكومة تصريف أعمال، والتظاهرات التي سبقت حادثة المطار أوصلت العملية السياسية برمتها إلى حالة انسداد سياسي، لم تفلح معه كل محاولات القوى السياسية والحزبية والمليشياوية في التعامل معه، وفكّ عقده المتراكمة. والعراق أيضاً يعيش في ظل حالة ضعف للدولة بكل مفاصلها وهيمنةٍ شبه كاملة من المليشيات التابعة لإيران، أو ما تعرف بالفصائل الولائية، على قراره السياسي والاقتصادي، ما يجعل منه خاصرةً رخوةً ستسعى فيها إيران لترد على أميركا، ما يعني أن العراق مقبلٌ على مرحلة ربما قاسية.

“صراع النظام الإيراني مع أميركا صراع بقاء، عكس الهدف الأميركي من صراعه مع إيران فهو صراع نفوذ”

لكن في خلفية المشهد؛ تتظاهر أغلب المدن العراقية منذ أكثر من شهرين، ونجحت التظاهرات في كسر طائفية مقيتة ظلت مهيمنة على الخطاب الشعبي والإعلامي السياسي، وأيضا كسرت معها حدوداً كثيرة رسمتها العملية السياسية في العراق منذ احتلاله عام 2003 وحتى ما قبل تلك التظاهرات التي قد تشكل فرصة للعراق للخروج من أتون المعركة المنتظرة التي تسعّرها طهران وواشنطن. أما كيف؟ فأعتقد أن على القوى السياسية العراقية أن تسند ظهرها إلى  الشعب، نعم قد تخسر بعض المكاسب، وقد تكون خسارتها موجعةً، ولكنها بالتأكيد لن تخسر كل المكاسب، وعلى الأقل سوف تكسب العراق، استقراره وإبعاده عما يحاك من هنا أو هناك.

نعم قد تبدو المسألة صعبة، خصوصا أن هذه القوى ظلت تماطل طوال شهرين من التظاهرات الرافضة العملية السياسية، ولم تستجب لمطالب المتظاهرين، ولكن الوضع اختلف الآن. هناك اليوم حربٌ منتظرة، قد يكون فيها العراق هو الخاسر الأكبر، خصوصا إذا ما أصرّت إيران على الرد على عملية اغتيال سليماني. وفي البرلمان العراقي قوى متنوعة وتيارات مختلفة، كان كثير منها يعاني ويتحدث صراحة عن تدخل قاسم سليماني في القرار السياسي في العراق، وكثير منها أيضا لم يشارك في تشييع سليماني في بغداد، في إشارةٍ منها فُهمت على أنها غير راغبة في أن تكون طرفاً، أو أن يكون العراق طرفاً في صراع إيران وأميركا. كما أن الرئيس العراقي برهم صالح، القادم من شمال العراق، هو الآخر لم يشارك في التشييع، بمعنى أن الأكراد العراقيين يرفضون الدفع بالعراق إلى أتون الصراع الإيراني الأميركي، وهو مؤشّر على أن لدى القوى العراقية داخل البرلمان قدرة على إصدار تشريعاتٍ توجب حصر السلاح بيد الدولة، وحل كل المليشيات المسلحة في العراق، ودمجها بالقوات العراقية وإلغاء هيئة الحشد الشعبي. وربما يبدو الأمر صعباً، بل وغير ممكن، ولكن إذا لم تلجأ القوى السياسية العراقية إلى صلاحياتها التشريعية سيخسرون أكثر بكثير مما يخسرونه في حال أي تهديدٍ يأتيهم من هذا الطرف المليشياوي أو ذاك. وبرهم صالح، على الرغم من الضغط الذي تعرّض له من المليشيات والقوى السياسية المساندة لها لتسمية مرشح لرئاسة الحكومة خلفاً لعادل عبد المهدي، إلا أنه أصرّ على الرفض، ما دام المرشح مرفوضا من ساحات التظاهرات، بمعنى أنه استند إلى الشعب، وهو ما يجب أن تستند إليه القوى السياسية الراغبة بتجنيب العراق أتون صراع واشنطن وطهران.

“الرد الإيراني الواسع سيجلب مزيدا من المشكلات للنظام الإيراني الذي يعاني من أوضاع اقتصادية صعبة بفعل الحصار”

لن تلجأ إيران إلى عمل عسكري كبير رداً على مقتل سليماني، فالنظام الإيراني يسعى إلى البقاء، وسيكون صراعه في حال اختار الحرب صراع بقاء، عكس الهدف الأميركي من صراعه مع إيران فهو صراع نفوذ، بمعنى أن الرد الإيراني الواسع سيجلب مزيدا من المشكلات للنظام الإيراني الذي يعاني من أوضاع اقتصادية صعبة بفعل الحصار. ولكن العراق سيكون ساحة إيرانية مناسبة للرد، وهنا المخاوف، فالعراق في وضعٍ لا يسمح له بأن يتحوّل ساحة صراع. وبالتالي، على القوى السياسية أن تلجأ إلى الشعب، من أجل كسب قوة شرعية تسمح لها باتخاذ قراراتٍ قد تكون صعبة، ولكنها بالمطلق لن تكون أصعب من السماح لإيران باستخدام العراق ساحة لتصفية حساباتها مع أميركا.

العراق أغلى من سليماني، أيها البرلمانيون والساسة، لمرة واحدة على النواب العراقيين أن يثبتوا أنهم ممثلون حقيقيون للشعب، وأن يطرحوا أجندةً تبعد العراق عن صراعٍ سيأكل ما تبقى من أخضر في يابس بلد أكلته الحروب والاحتلالات.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق