الإثنين 06 أبريل 2020 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

التحاور بالصواريخ

التحاور بالصواريخ

من أهم التبدلات المهمة المثيرة المتوقعة التي أحدثها مقتل قاسم سليماني في داخل جبهة النظام الإيراني، وبالتحديد في أعقاب الضربة الإيرانية الانتقامية الفاشلة، هو اختفاء العنجهية والمكابرة من لغة قادة النظام الإيراني العسكريين والمدنيين، وتوقفُهم عن إطلاق الصواريخ الكلامية المجلجلة التي كانوا لا يتوقفون فيها عن الحديث عن انتصارات إمبراطوريتهم الفارسية العائدة بعد غيابٍ طويل، وعن حدودها الجديدة الممتدة من شواطئ الخليج العربي وخليج هرمز، إلى شواطئ البحر المتوسط والبحر الأحمر وخليج عمان، وعاصمتُها بغداد.

“هذا هو ديدن كل حاكم غبيّ لا يعرف حدّه ولا يقف عنده إلا بعد أن تهبط على رأسه عصا غليظة تفقده النطق وتصيبه بالذهول”

فالظاهر أنهم فهموا رسالة الرئيس الأميركي دونالد ترمب النارية القاتلة وقرروا اعتبار صواريخهم العمياء غير الذكية على معسكر أربيل وعين الأسد في الأنبار آخر عهدهم بالجعجعة الفارغة، وآخر تهديداتهم بالثأر لدماء القتيل، بعد أن كانوا، إلى ما قبل يوم الجمعة الماضي بساعات، يتسابقون إلى المباهاة والتهديد بجبروت فصائل الحشد الشعبي العراقي، وقوة سلاح حسن نصرالله، وشبّيحة بشار الأسد، وكتائب الحوثيين، ومقاومة خالد مشعل وإسماعيل هنية، والتي يؤكدون فيها أنها أذرعهم المسلحة الضاربة المتأهبة للزحف المقدس لمحو إسرائيل، وهزيمة أميركا، وطردها لا من العراق وسوريا وحسب، بل من الشرق الأوسط، ومن العالم كله، عن قريب.

وهذا هو ديدن كل حاكم غبيّ لا يعرف حدّه ولا يقف عنده إلا بعد أن تهبط على رأسه عصا غليظة تفقده النطق وتصيبه بالذهول. فحين يغضب الله على أحدٍ، سواء كان شخصا أو حزبا أو نظام حكم، يصيبه بلوثة جنون العظمة، ويُدخل في عقله وقلبه الغطرسة وغرور القوة، لتحلّ عليه اللعنة في النهاية، ثم يبدأ مسيرة السقوط.

ويبدو أن الحكام  الإيرانيين الذين أصابتهم تلك اللوثة قد أفاقوا، ولو متأخرا، على الحقيقة الموجعة، وفهموا أن زمن التهويش ونفش الريش قد انتهى وإلى غير رجعة.

“فهموا أن زمن التهويش ونفش الريش قد انتهى وإلى غير رجعة”

وها هم يلفلفون شعاراتهم، صدقا أو تقيةً، ويلبسون ثياب العقلانية والرغبة في السلام والمهادنة، بعد أن كانوا لا يتوقفون عن المفاخرة بأن إيران، على عهدهم، أصبحت قوة عظمى تملك القدرة على معاركة الكبار والصغار، وعلى الانتصار، ولا يكفّون عن اعتداءاتهم وتحرشاتهم وابتزازاتهم وإهاناتهم لدول وشعوب في المنطقة والعالم، هازئين بالعدالة والأعراف الدولية وحقوق الإنسان، حتى جاءتهم صواريخ ترامب لتقول لهم إن زمن المهادنة والملاطفة والمسامحة قد انتهى، وحل محله زمن القوة الضاربة المباغتة وزمن أصحابها الأقوياء.

مناسبة هذا الكلام ليس فقط انكشاف هشاشة النظام الإيراني وتعاسة صواريخه التي كان قد هدد بأنها ستكون مزلزلة، وستعيد الجنود الأميركيين في توابيت إلى بلادهم، بل هو اعترافُه بعجزه عن مواجهة كل هذه الجبهة الواسعة من أعدائه المحيطين به، والمتربصين بأذرعه التي أثبتت أنها لا تهش ولا تنش، عندما يجدّ الجدّ وتحين ساعة الحساب العسير.

المصدر:العرب اللندنية

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات