الإثنين 06 أبريل 2020 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

السقوط المدوي لمقتدى الصدر وأتباعه

السقوط المدوي لمقتدى الصدر وأتباعه

حسب تقسيم الأدوار وتوزيع المهام بين الأطراف السياسية العراقية الموالية لإيران، كان لمقتدى الصدر دور قيادة الشارع الشيعي من فئة الفقراء والمحرومين، وتوجيههم للاتجاه الذي يخدم النظام الإيراني ويرتضيه. وفي سبيل نجاحه في مهمته تلك، قامت أحزاب السلطة بغض النظر عن كثير من مواقفه المتشنجة بحقها، وتصريحاته ،في بعض الأحيان، ضد التدخلات الأجنبية والتي تشمل الإيرانيين أحيانا بالتلميح دون التصريح.

كان نجاح الصدر في مهمته طيلة السنوات السابقة منقطع النظير، لأسباب عديدة، ربما أهمها، إنه استغل تعاطف الصدريين مع أبوه المرجع الشيعي “محمد الصدر”، ورضا المرجعية الحالية عنه والمتمثلة بـ”علي السيستاني”، بالإضافة إلى أن الطبقة السياسية الشيعية اعتمدت عليه في التحشيد لمعاركها الانتخابية. الأمر الذي مكَّن الحكومات الشيعية المتعاقبة من بسط سيطرتها على البلد، ولتقود تغيرا ديمغرافيا ضد المكونات العراقية الأخرى وبمساندة من مليشيات جيش المهدي التابعة للصدر.

“هذا الرجل لا يختلف عن الأحزاب الفاسدة المتمسكة بالسلطة، بل إنه جزء منهم”

نجح الصدر بكل المهام التي أُوكلت إليه طيلة الفترة السابقة، لكن بعد مرور كل تلك السنين، نمت عند المكون الشيعي صحوة كبيرة. إذ وجدوا أنفسهم أن لا شيء يُذكر قد طرأ على حياتهم نحو الأفضل، رغم انسياقهم وراء الصدر في كل مغامراته (الحمقاء). وحينما كانوا ينتفضون على الفساد الذي استشرى بالبلاد، كان الصدر يركب موجة انتفاضاتهم واحتجاجاتهم، لتفضي إلى لا شيء. حينها فهموا اللعبة وأيقنوا بشكل قاطع، أن هذا الرجل لا يختلف عن الأحزاب الفاسدة المتمسكة بالسلطة، بل إنه جزء منهم. واكتشفوا بأن هذا الرجل المتناقض في أقواله وأفعاله، وهو من يحمي هذا النظام الفاسد.

وحين انطلقت انتفاضة تشرين التي سرعان ما تحولت إلى ثورة ضد كل الأحزاب الفاسدة، حاول الثوار أن لا يسمحوا للصدر وتياره بركوب موجة التظاهرات. ولكن بسبب مليشيات الصدر وقدرته على استخدامهم ضدهم، حاول الثوار عدم التصادم معه، وسمحوا لاتباعه بالمشاركة بالتظاهرات بصفتهم الشخصية، دون الإعلان عن انتمائهم للتيار. لكن مع مرور الوقت بدأ اتباعه يحاولون بطرق ملتوية، الاستحواذ والسيطرة على ساحات التظاهر، لحرف التظاهرات عن مسارها، وتزيف شعاراتها، كما كان يفعل في كل مرة. بل أن كثير من حملات التصفية والاغتيالات التي طالت الناشطين بالتظاهرات، قام بها  التيار الصدري نفسه. وأحيانا قام بالتعاون مع المليشيات الأخرى لتنفيذها، حسب شهادة العديد من المتظاهرين. وكانوا يلقون التهمة على الطرف الثالث، ظانين أنهم يستطيعون خداع الجماهير المنتفضة. وحينما فشلت كل تلك الخطط التي قام بها التيار الصدري وبمساعدة من أجهزة النظام العراقي الأمنية والميليشيات الإيرانية، بدأ الصدر يعلن بشكل صريح عن توجهاته الحقيقية ضد المتظاهرين، ويوجه الإنذارات لهم بشكل علني بضرورة فض تظاهراتهم، وإلا فأنه سيستخدم القوة في سبيل ذلك، ويطلق يد اتباعه للإعتداء عليهم بالتعاون مع الأجهزة الأمنية والمليشيات.

ويذكرنا هذا المشهد بانتفاضة المحافظات (السنية) عام 2013، والتي استمرت ما يقارب العام، ولم تنته إلا بعد أن تم تسليط تنظيم “داعش” عليها. واليوم وبعد مرور أكثر من أربعة شهور على ثورة تشرين، يتم تسليط مليشيا الصدر لإنهائها.

وهنا بدأ الصدر يأكل من رصيده الشعبي المتبقي له في نفوس بعض الجماهير، ليرتبط اسمه بخيانة الثورة وخيانة الجماهير. والحقيقية إن أفول نجم مقتدى الصدر وتياره وانحداره بشكل خطير، سوف لن يؤثر على مكانة الصدر السياسية وتأثيره الشعبي فحسب، بل إنه سيتخطى تأثيره إلى كل الأحزاب الأخرى التي تستند عليه لإنهاء التظاهرات.

وفيما يبدوا أن الصدر هذه المرة لم يسعفه دهاؤه، وأكل الطعم الذي ألقته إليه الولايات المتحدة، حينما باركت مرشحهم الإيراني “محمد توفيق علاوي” لرئاسة الوزراء. وظن الصدر والأحزاب الشيعية، بأنها حققت انتصارا على أمريكا، حينما أوصلت شخصية مقربة لها ولإيران لرئاسة الوزراء. لكن فاتها إن هذا الترشيح سيؤجج الشارع رفضا له، وسيخلق حالة انقسام بين الثوار من جهة، وبين الصدر وتياره الذي يطبل لـ”علاوي” من جهة ثانية. الأمر الذي ينذر بالدخول في فوضى عارمة، ربما تصل الى مرحلة الحرب الاهلية.

“إن التيار يعتزم تقديم المساعدة والدعم لرئيس الحكومة الجديد، من خلال  الطلب من المتظاهرين الانسحاب من ساحات الاعتصام”

وحتى إن لم تصل الأمور إلى هذا المستوى، فإن الذي جرى في الأيام الأخيرة، جعل من أكبر تيار شعبي كانت تعتمد عليه إيران وأحزابها في العراق، عدوا لإرادة الشعب العراقي، لاصطفافه بشكل صريح مع أحزاب السلطة الفاسدة، ومع الرغبة الإيرانية التي خرج عموم الشعب ضدها. وبدأ التيار يفقد تأثيره السابق وقدرته في السيطرة على الشارع الشيعي، وبالتالي فإن المحصلة ستكون لصالح أمريكا على حساب إيران في حرب النفوذ التي يخوضانها في العراق.

الملفت للنظر، أن الصدر سقط سريعا لهاوية ليس لها قرار، وبظرف أيام قلائل، لدرجة جعل فيها نفسه مجرد قائد لمليشيا مؤيدة ومدافعة عن السلطة الفاسدة، وهو الذي طالما خدع اتباعه بإنه محارب لها. هو الآن لا يتورع عن استعمال العنف ضد المتظاهرين، ذلك ما عبر عنه القيادي في التيار الصدري، حاكم الزاملي، حينما قال: “إن التيار يعتزم تقديم المساعدة والدعم لرئيس الحكومة الجديد، من خلال  الطلب من المتظاهرين الانسحاب من ساحات الاعتصام، وفتح الجسور ووقف إضراب الطلبة وعودتهم لمقاعد الدراسة، وإلا فإن التيار سوف يتدخل بقوته لتحقيق تلك الإجراءات”. والحجة التي ساقها الزاملي هي “أن اغلب مطالب المتظاهرين تم تحقيقها، من اقرار قانون انتخابات جديد، واختيار مفوضية انتخابات، واختيار رئيس وزراء مستقل”. حسب زعمه.

أما حساب “صالح محمد العراقي” على الفيسبوك والمقرب من الصدر، فقد كان أكثر وضوحا في تهديداته للمتظاهرين، حينما قال: “إن فرض السلام والسلمية واجبنا، بالتنسيق مع القوات الامنية الوطنية، وعلى المتظاهرين السلميين التعاون لأجل طرد المخربين، للحفاظ على رونق الثورة  وسلميتها”. فيما تدخل مقتدى الصدر بنفسه ليقوم بتهديد المتظاهرين في تغريدة له أرسلها من مقر اقامته في قم قائلا: “أصحاب القبعات الزرقاء” سيقومون بالتنسيق مع القوات الأمنية لإعادة الدوام الرسمي إلى المدارس”. ويقصد الصدر بالقبعات الزرق، مليشيا جيش المهدي التابعة له، والتي يسمونها اليوم بـ”سرايا السلام”. وساق الصدر حجته بهذا الاجراء، أنه يريد إرجاع الثورة إلى “انضباطها وسلميتها”، وكأنه هو الوصي عليها. وأكمل الصدر تغريدته موجها كلامه لاتباعه بالقول: “عليهم فتح الطرق المغلقة، لكي ينعم الجميع بحياتهم اليومية، وترجع للثورة سمعتها الطيبة”.

“أنصح القوات الأمنية بمنع كل من يقطع الطرقات، وعلى وزارة التربية معاقبة من يعرقل الدوام من أساتذة وطلاب وغيرهم”

على إثر ذلك قامت ميليشيات القبعات الزرق، بتنفيذ توجيهات الصدر، ومنذ اليوم الأول الذي أعلن فيه تكليف علاوي برئاسة الوزراء، واحتلوا بناية المطعم التركي “جبل أحد”، وطردوا المتظاهرين منها ومن ساحة التحرير. بل وقاموا بالاعتداء عليهم بالهراوات والعصي الكهربائية ‏، ثم انتقلوا لمحاولة السيطرة على الجسور وفتحها. لكن المتظاهرين استطاعوا ردعهم وطردهم من تلك الجسور. كما  أعطى الصدر الضوء الأخضر للقوات الأمنية بالعمل ضد المتظاهرين حينما قال: “أنصح القوات الأمنية بمنع كل من يقطع الطرقات، وعلى وزارة التربية معاقبة من يعرقل الدوام من أساتذة وطلاب وغيرهم”. وبدعوته لعودة الدوام والتراجع عن الاضراب العام يناقض نفسه، لأن هو أول من أمر أتباعه بالإضراب عن الدوام بشعاره الشهير “ماكو وطن.. ‏ماكو دوام”. كما وأن تدخله بفرض إجراءات على الأرض بنفسه وجعل أتباعه “سلطة تنفيذية”، يخالف كلامه المتكرر بشأن حفظ هيبة الدولة، وفرض القانون، وحصر السلطات بيد الحكومة”، ويجعل من رئيس الوزراء الجديد “مسلوب الإرادة”.

إن الانحدار الذي وقع فيه الصدر وتياره، غيَّر مزاج الشارع العراقي بشكل عام والشارع الشيعي بشكل خاص، ضد الصدر وتياره. وإن المتظاهرين الذين كانوا يحاولون تجنب المصادمة مع الصدر وأتباعه، سرعان ما بدأوا بطرد اتباعه من ساحات الاعتصام في المدن المنتفضة، وبدأت الجماهير المنتفضة ترفع شعارات وأهازيج للمرة الأولى، تندد بالصدر واتباعه بشكل علني ليصبح رمزا للخيانة بنظر الثوار. وهذا ما لم يكن يتوقعه أحد من قبل، ولم يخطر على بال الأحزاب الإيرانية، بل هو الفخ الذي وقع فيه أذناب إيران بالعراق جميعا.

المصدر:مركز راسام

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات