كثيرا ما تطرح التساؤلات من قبل المراقبين للمشهد العراقي، حول ما هي الأسباب التي جعلت التظاهرات المصاحبة لثورة تشرين، يقتصر خروجها في المناطق ذات الغالبية الشيعية؟ ورغم مرور عدة أشهر على انطلاقها إلا إنها لم تتمدد إلى المناطق ذات الغالبية العربية السنيَّة؟ ويذهب آخرون في تساؤلاتهم، عن سبب إحجام العرب السنَّة عن المشاركة فيها، رغم الرسائل الإيجابية التي رفعها المتظاهرون لكل العراقيين لا سيما السنًّة منهم؟

وفي معرض اجابتنا عن هذا التساؤل، نتساءل نحن بدورنا، هل طرح السؤال صحيح بالأصل، من إن السنَّة لم يشاركوا في ثورة تشرين؟ إن الجواب يمكن معرفته من خلال التركيز على شباب الثورة، وعلى من يدعمون هذه الثورة، سواءا من داخل العراق، أو من خارجه.

إن الحالة التي وصل إليها العرب السنَّة في الوقت الحالي، وبعد سنوات طويلة من التعامل السيء معهم من قبل الأحزاب والمليشيات الشيعية التابعة للسلطة الموالية لإيران جعلت العرب السنة ينقسمون الى شقين. يمثل الشق الأول منهم، السياسيون السنَّة المشاركون بالعملية السياسية ومن يؤيدهم وينتفع منهم، والذين يقدمون أنفسهم على أنهم أكثر واقعية وبرغماتية، ويتعاملون مع الأمر الواقع. ومع حقيقة غلبة الأحزاب والمليشيات الموالية لإيران على المشهد العراقي، وبالتالي فهم اليوم على رضا وقناعة بالفتات الذي يلقى إليهم من سيدهم الإيراني. ويجب عليهم أن لا يثورا أو ينتفضوا ضده، لكي لا يخسروا كل شيء. هؤلاء السياسيون والمنتفعون السنَّة في غالبيتهم من المشاركين بالعملية السياسية، ووصلوا الى البرلمان، والمناصب الحكومية، عبر التحالف مع الأحزاب والكتل الشيعية الإيرانية. وبالتالي فإن مصالحهم، قد ارتبطت بمصالح هذا النظام وأحزابه، ويرون أن أي تهديد للنظام الحاكم الحالي، هو بالمحصلة تهديد لمصالحهم ومكتسباتهم الحزبية والشخصية التي حصلوا عليها. ولأجل هذه الأسباب، فأن موقفهم من ثورة تشرين، لم يكن مختلفا كثيرا عن مواقف الأحزاب والمليشيات الشيعية.

“الشارع السنَّي يتخوف من المشاركة بأي حراك آخر انطلاقا من مناطقهم، باعتبار أن نتائجه سوف لن تكون بأفضل من النتائج السابقة”

أما الشق الثاني والذي يمثل عموم الجماهير السنّية، فقد كانت لهم أراء مختلفة في التعامل مع ثورة تشرين. فرغم أنهم جميعا كانت قلوبهم مع الثوار، ويتمنون لهم النصر في تظاهراتهم السلمية ضد النظام العراقي، لكن كانت هناك اعتبارات، حالت دون مشاركتهم في التظاهرات انطلاقا من مناطقهم. لكن تلك الاعتبارات لم تكن حائلا أمام مشاركتهم في التظاهرات بالمناطق المختلطة. والبعض منهم ذهب إلى ساحات التظاهر في بغداد وبقية المحافظات للمشاركة بتلك التظاهرات.

ويعود السبب في ذلك الى التجربة المريرة والقاسية التي عاشتها الجماهير السنيَّة مع الأحزاب والمليشيات الشيعيَّة، حينما عاثوا بالمحافظات السنّية فسادا طيلة فترة السبعة عشر سنة الماضية، والتي ما زالت تسيطر حتى الأن بقوة السلاح على تلك المناطق. هذا الأمر جعل من شباب السنَّة يتخوفون أن يصب جام غضب تلك المليشيات والأحزاب على أهاليهم وعلى مناطقهم إذا ما خرجوا للتظاهر، وبطريقة تختلف عن تعاملها مع التظاهرات في المناطق الشيعية. كما وأن الذاكرة الجمعية للعرب السنَّة تحتفظ بذكريات قاسية ومؤلمة عن تعامل السلطة الحاكمة مع التحركات السلمية التي قاموا بها حينما خرجوا طيلة سنة كاملة، واجهتهم الأجهزة الأمنية والمليشيات بالقتل والبطش، حتى تسلَّطت عليهم عصابات داعش لتقلب حالهم إلى أسوء حال، حدث ذلك عام 2013، وقتل العديد منهم. كل ذلك جعل الشارع السنَّي يتخوف من المشاركة بأي حراك آخر انطلاقا من مناطقهم، باعتبار أن نتائجه سوف لن تكون بأفضل من النتائج السابقة.

اضافة لذلك، فإن العرب السنَّة، ما زالوا يعيشون الصدمة النفسيّة والتجربة المريرة من حكم “داعش” لمناطقهم ولمدة 3 سنوات، دفعوا فيها فاتورة باهضة لخروج “عصابات داعش” من مناطقهم. فقد قتل منهم الالاف واضطر الملايين منهم للعيش في مخيمات النزوح، لذلك فهم غير قادرين، وغير مهيأين للمشاركة في أي حراك شعبي ضد النظام الحاكم خوفا من رجوع عصابات داعش، وحتى لو أنهم تجاوزا أزمتهم هذه، هل هم قادرون على الانتفاضة من داخل المخيمات أو من داخل البيوت المهدمة في مدنهم؟ الامر بالتأكيد صعب للغاية.

“من مصلحة السنَّة الوقوف موقف المتفرج على ما يجري وانتظار ما تسفر عنه الاحداث”

لكن بالمقابل كانت هناك فئة قليلة من السنَّة، فهمت من انتفاضة تشرين، إنها ليست إلا صراعا شيعيا – شيعيا، لا مصلحة للسنَّة فيه، وأن السلطة الحاكمة الشيعية، لن تتعامل مع المتظاهرين السنَّة مثل تعاملها مع المتظاهرين الشيعة، لأسباب طائفية، وستبطش بهم، وستكون تهم الإرهاب والانتماء لداعش جاهزة لرمي شباب السنَّة بها، إذا ما خرجوا بأي حراك جماهيري مساند لانتفاضة تشرين. وبالتالي فإن من مصلحة السنَّة الوقوف موقف المتفرج على ما يجري وانتظار ما تسفر عنه الاحداث.

لكن رغم وجاهة جزء من هذه الحجج التي يسوقها بعض مثقفي وعوام المكون العربي السنَّي لتفسير عدم مشاركة البعض منهم في الثورة التشرينية، إلا إن هذا لم يكن حائلا بين السنَّة وبين مشاركة ودعم الكثير من شبابهم للتظاهرات في مناطق الغالبية الشيعية أو المناطق المختلطة في بغداد وما حولها. بل إن غالبية من يدعم التظاهرات خارج العراق سواء بالإعلام بكل وسائله المقروءة والمكتوبة والمرئية، أو بتنظيم المسيرات الجماهيرية في عواصم العالم، لتسليط الضوء على ما يجري بالعراق، هم من العرب السنَّة.

أما عن الفئة القليلة من العرب السنَّة الذين ما زالوا يصرون على عدم المشاركة بثورة تشرين وبأي شكل من الاشكال، فنقول إن عليهم أن يعلموا أن هذه الثورة الحالية ربما تكون الفرصة الأخيرة لنجاة المكون السنّي وباقي مكونات العراق، من الضيم الذي يعيشون فيه. ذلك لأن هذه الثورة خرجت بالذات ضد النظام الحاكم وسلطته، وضد الطائفية والأحزاب والمليشيات التي اضطهدت السنَّة قبل أن تضطهد باقي المكونات وعلى مدار سنوات عديدة. ومن مصلحة السنَّة وكل العراقيين، أن تنجح هذه الثورة في الوصول الى أهدافها. لكن الثورة لن تنجح دون مشاركة جميع العراقيين.العرر