الأحد 05 أبريل 2020 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

انخفاض أسعار النفط.. أسبابها وتأثيرها على الاقتصاد العراقي

انخفاض أسعار النفط.. أسبابها وتأثيرها على الاقتصاد العراقي

انخفض النفط بأكثر من 25 ٪ ، وانخفضت عائدات سندات الخزانة لأجل 10 سنوات إلى أقل من 0.4 ٪ ، وهبطت الأسهم وتراجعت العملات مع تزايد احتمالات وفرة الطاقة والاضطرابات في الأسواق في جميع أنحاء العالم. ويعتبر هذا الهبوط قاصمة ظهر للدول المصدرة للنفط “أوبك” والسوق العالمية للنفط المنتجة والمصدرة. وهذه ليست المرة الأولى التي تهبط فيها أسعار النفط بالنسبة لأوبك ولن تكون الأخيرة. ولكن ما يميز هذه المرة عن غيرها، هو تراجع أسعار النفط بشكل حاد في مطلع تعاملات سوق اليوم (الاثنين) ٩ مارس ٢٠٢٠. إذ وصلت إلى مستويات متدنية، بعد فشل “أوبك بلس” في التوصل إلى اتفاق تعميق خفض إنتاج النفط وانسحاب روسيا من التحالف، وتداول خام برنت عند مستويات 32.5 دولاراً، بعد تكبده خسائر بنسبة 28.5%. وانخفض الخام الأمريكي الخفيف بنسبة تجاوزت 30% إلى مستوى 28.77 دولاراً لغاية هذه اللحظة. وكانت أسعار عقود النفط الآجلة قد انخفضت لأكثر من 20% لتسجل أقل مستوى لها منذ العام 2016، عقب إخفاق محادثات أوبك مع روسيا في التوصل لاتفاق بشأن خفض الإنتاج.

وتراجعت العقود الآجلة لخام القياس العالمي مزيج برنت تسليم مايو /أيار بنسبة 29 بالمئة أو 13 دولارا إلى 32.5 دولارا للبرميل، في حين تراجع سعر الخام الأمريكي غرب تكساس الوسيط 8.62 دولارات أو 20.9% إلى 32.66 دولاراً.

“تراجعت العقود الآجلة لخام القياس العالمي مزيج برنت تسليم مايو /أيار بنسبة 29 بالمئة أو 13 دولارا إلى 32.5 دولارا للبرميل”

وكانت روسيا قد رفضت يوم الجمعة اقتراح “أوبك” إجراء تخفيضات كبيرة في الإنتاج؛ من أجل استقرار الأسعار التي تضررت من التبعات الاقتصادية لفيروس كورونا. فردّت أوبك بإلغاء القيود المفروضة على إنتاجها من النفط. يأتي ذلك مع فشل تعميق وتمديد اتفاق خفض الإنتاج من جانب تحالف (أوبك+)، ما دفع السعودية إلى تنفيذ خفض كبير على أسعار أنواع النفط التي تنتجها، وعزمها على تنفيذ زيادة غير محدودة في الإنتاج.

توقعات بتواصل الإنخفاض

خفض بنك “جولدمان ساكس” توقعاته لأسعار النفط بعد فشل أوبك وروسيا في التوصل لاتفاق، بينما أشار محللو البنك الاستثماري الأمريكي إلى إمكانية هبوط سعر خام برنت نحو مستوى 20 دولاراً مع التطورات الجارية. في حين خفض توقعاته للربع الثاني والثالث إلى 30 دولاراً. وتوقع صعوبة تحرك الأسعار بشدة مما كان عليه الوضع عام 2014. في حين بدت الأسواق وكأنها تتهيأ لحرب أسعار بعد فشل منظمة الدول المصدرة للنفط في الاتفاق مع حليفتها روسيا على خفض إضافي للإنتاج، بينما بدت الأسواق مضطربة من تداعيات كورونا على العالم بالفعل.

أبرز محطات انخفاض اسعار النفط خلال العقود الاخيرة

بين أعوام 1982 و1985 انخفضت أسعار النفط بصورة كبيرة والسبب في ذلك كان سوء إدارة أوبك للسوق وطمع وجشع الدول الأعضاء التي عملت المستحيل لإبقاء أسعار النفط عالية. لكن بقاء أسعار النفط عالية هو ما تسبب في تدمير الطلب على النفط واتجاه العالم نحو ترشيد الطاقة واستخدام البدائل. كما ساهم ذلك في زيادة الإنتاج من خارج أوبك وبخاصة من بحر الشمال الذي كان قاصمة ظهر لأوبك، فانخفضت أسعار النفط من 35 دولارا في 1981 إلى 31 دولارا في 1982 ثم تواصل الهبوط إلى 29 دولارا في عام 1983 واستمر ليصل إلى 28 دولارا في 1984 وأخيرا إلى 26 دولارا في 1985 قبل أن تنهار في عام 1986 وتصل إلى 14 دولارا مجددا كما كانت عليه في عام 1978.

ونتيجة لسياسات أوبك الخاطئة وجشع دولها انخفض إنتاج أوبك ليصل إلى قرابة نصف إنتاجها السابق البالغ 30 مليون برميل مع تراجع الطلب وزيادة الإنتاج من خارج أوبك. وحاولت أوبك خلال هذه الفترة فرض نظام الحصص على دولها ولكن من دون فائدة. إذ لم يرغب أحد في الالتزام بالإنتاج بأي حصة مما تسبب في تدهور الوضع. ثم حاولت السعودية خلال هذه الفترة لعب دور المنتج المرجح في محاولة يائسة لرفع الأسعار، وتحت هذا الدور كان على السعودية أن تدع كل دول أوبك تنتج كل ما بمقدورها عليه للوصول إلى سقف الإنتاج حينها ومن ثم تقوم هي بإكمال النقص.

“نفس البلدان التي دفعت سعر النفط في عام 2008 الى الارتفاع تسببت في خفض أسعار النفط في عام 2014”

حاولت أوبك في ذلك الوقت الدفاع عن سعر محدد وهو 28 دولارا ثم عادت للدفاع عن سعر 18 دولارا إلا أن النفط انخفض لتتوقف عند 14 دولارا. وبسبب دور المنتج المرجح الذي لعبته السعودية انخفض إنتاجها اليومي إلى 2 مليون برميل بحلول منتصف عام 1986.

وفي الاتجاه الى الازمة الاسيوية فقد بقيت اسعار النفط طيلة السنوات الـ7 بين 1990 و1997 متراوحة بين الـ 21 و 29 دولارا للبرميل، قبل ان تدخل الاقتصادات الآسيوية في العام ١٩٩٧ بما عرفت بالأزمة الآسيوية. وكانت أوبك قد اجتمعت في إندونيسيا في ذلك العام واتفقت على رفع إنتاجها وتزامن هذا مع انهيار الطلب وفي الوقت ذاته مع بدء الأمم المتحدة السماح للعراق بتصدير نفطه تحت برنامج النفط مقابل الغذاء. وبفضل هذه الظروف انهارت الأسعار لتصل إلى 10 دولارات مجددا وسجل متوسط سعر النفط الى 11 دولارا للبرميل في عام 1998.

اما في الأعوام ما بين 2000 و2008 فقد ازداد الطلب على النفط في العالم بصورة كبيرة جدا بعد نمو الطلب من الصين والهند وباقي الدول الناشئة كما أطلق عليها حينها، إلا أن النمو في الطلب كان مفاجئا ولم تكن أوبك جاهزة له وهو ما تسبب في ارتفاع الأسعار بسبب محدودية نمو المعروض النفطي أمام نمو الطلب.

لكن عام 2008 كان مخيبا للآمال. ففي ذلك العام اشتدت المضاربة على أسعار النفط وساهمت في ارتفاع الأسعار ووصولها إلى147 دولارا في يوليو (تموز) ذلك العام وهو أعلى مستوى لها في التاريخ. إلا أن الأسعار انهارت في النصف الثاني من ذلك العام بعد أن تقلصت المضاربة وضعف الطلب بسبب الأزمة المالية العالمية التي نشأت نتيجة سقوط المصارف الأميركية الكبرى وانهيار شركات الرهن العقاري، فانخفضت أسعار النفط بنهاية عام 2008 إلى ما دون 40 دولارا للبرميل.

“السعودية التي تعتبر أكبر مصدر للنفط في العالم، أعلنت في وقت سابق أنها تعتزم زيادة إنتاج النفط إلى أكثر بكثير من عشرة ملايين برميل يوميا”

وفي العودة إلى العام 2014 فقد ساهمت العديد من العوامل في انخفاض أسعار النفط، وبدأت اقتصادات مثل الصين التي تسبب نموها وتوسعها السريع في تعطش لا مبرر له للنفط في العقد الأول من الألفية الجديدة في التباطؤ بعد عام 2010، حيث اعتبرت الصين أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، لذلك كان انخفاض الطلب على النفط لها تداعيات كبيرة على الأسعار.

نفس البلدان التي دفعت سعر النفط في عام 2008 الى الارتفاع تسببت في خفض أسعار النفط في عام 2014 من خلال المطالبة بقدر أقل منه، بدافع التأثير السلبي لارتفاع أسعار النفط على اقتصاداتها. زادت بلدان مثل الولايات المتحدة وكندا من جهودها لإنتاج النفط، إذ بدأت الشركات الخاصة بالولايات المتحدة في استخراج النفط من التكوينات الصخرية في ولاية داكوتا الشمالية باستخدام عملية تعرف باسم التكسير، وفي الوقت نفسه، ذهبت كندا إلى العمل في استخراج النفط من رمال ألبرتا، ثالث أكبر احتياطي للنفط الخام في العالم. ونتيجة لهذا الإنتاج المحلي، تمكنت دولتا أمريكا الشمالية من خفض وارداتهما من النفط بشكل حاد، مما زاد من الضغط الهبوطي على الأسعار العالمية. وفي مواجهة هذا القرار بين السماح باستمرار الأسعار في الانخفاض أو التنازل عن حصتها في السوق عن طريق خفض الإنتاج في محاولة لرفع الأسعار إلى الأعلى مرة أخرى، أبقت الدول الشرق الأوسطية إنتاجها مستقرًا، وبررت بأن انخفاض أسعار النفط سيوفر فائدة أكبر على المدى الطويل من خيار التنازل عن حصتها في السوق. ولأن السعودية تنتج النفط بثمن بخس لا يزيد على ٧ دولارات وفيها أكبر احتياطيات النفط في العالم، يمكنها تحمل أسعار النفط المنخفضة لفترة طويلة دون أي تهديد لاقتصادها. وفي المقابل فإن طرق الاستخراج مثل التكسير التي تمارسها الشركات الأمريكية هي أغلى بكثير وبالتالي أرباحها لا تكون مجدية أو تكاد تعدم إذا انخفضت أسعار النفط أكثر من اللازم. من خلال دعم أسعار النفط المنخفضة، تأمل المملكة العربية السعودية أن تضطر بلدان مثل الولايات المتحدة وكندا إلى التخلي عن أساليب الإنتاج الأكثر تكلفة بسبب قلة الربحية، وهو ما لم يحدث، ما اجبر المملكة ودول أوبك وروسيا إلى عقد اتفاق أوبك، لتحديد الدول المشاركة حصصها من الإنتاج، ما ساعد على تعافي أسعار النفط واستقرارها لكن بقيت أقل من 100 دولار بسبب تزايد الإنتاج الأمريكي. حيث أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية أكبر منتج للنفط في العالم – حسب ما نشرته صحفية الشرق الأوسط-.

أسباب انخفاض اسعار النفط

“التراجع في تكاليف الخام سيدعم على الأرجح شركات التكرير والإنتاج الآسيوية التي تضررت جراء انخفاض الطلب من تفشي فيروس كورونا”

السعودية التي تعتبر أكبر مصدر للنفط في العالم، أعلنت في وقت سابق أنها تعتزم زيادة إنتاج النفط إلى أكثر بكثير من عشرة ملايين برميل يوميا في نيسان القادم، بعد انهيار اتفاق خفض المعروض بين أوبك وروسيا. ونقلت الوكالة الأميركية عن مصادرها أن من المرجح زيادة إنتاج السعودية من النفط إلى أكثر من عشرة ملايين برميل يوميا، ابتداء من نيسان المقبل، من نحو 9.7 ملايين برميل يوميا الشهر الجاري، وإن السعودية سبق أن أخبرت بعض المشاركين في السوق أنها قد ترفع سقف إنتاجها من النفط ليصل إلى مستوى قياسي وهو 12 مليون برميل يوميا إذا اقتضت الحاجة ذلك. وهذا يعني ان إنتاجها من النفط في نيسان المقبل سيزيد كثيرا عن عشرة ملايين برميل يوميا، وقد يكون أقرب إلى 11 مليون برميل يوميا. وأفادت المصادر اعلامية بأن رسالة وزير الطاقة السعودي لأوبك في وقتٍ سابق هي أن تعظم أرامكو إنتاجها، وتبيع مزيدا من الخام لحماية حصتها السوقية؛ علماً أنّ طاقة إنتاج النفط السعودية تبلغ 12 مليون برميل يوميا، مما يعطيها القدرة على زيادة الإنتاج سريعا. هذا يعني إن ما قامت به المملكة يعد بمثابة إعلان حرب اسعار في أسواق النفط العالمية، ويعتبر هذ الأمر بمثابة صدمة سعودية شاملة وإستراتيجية بهدف زيادة الكميات السعودية والتنافس مع النفط الروسي في فنائهما الخلفي بأوروبا وآسيا. وقد يكون هذا أسوأ من النصف الثاني من 2014، وقد تختبر الأسعار ثلاثين دولارا أو حتى عشرين دولارا في ضوء صدمة الطلب المتزامنة مع تأثير فيروس كورونا على النشاط الاقتصادي.

ولو نلاحظ مدى إستفادة بعض الدول من هذا الاجراء إذ أن التراجع في تكاليف الخام سيدعم على الأرجح شركات التكرير والإنتاج الآسيوية التي تضررت جراء انخفاض الطلب من تفشي فيروس كورونا، وهي أخبار سارة لشركات التكرير والمستهلكين في دول شرق أسيا تحديداً، ومن المتوقع أيضا أن تنخفض الأسعار الفورية بدرجة أكبر من الأسعار الآجلة، مما سيشجع على تخزين النفط، على غرار خزنها للملايين من براميل من النفط على متن السفن والناقلات في أنحاء آسيا وأوروبا وأفريقيا، بحسب تقرير نشرته “الجزيرة” في وقت سابق.

تأثير الإنخفاض على العراق وكيفية المعالجة

“لابد من اتخاذ إجراءات حقيقية واحاطة الرأي العام بالاحتمالات والاجراءات الواجب اتخاذها لغرض تجنب انهيار اقتصادي”

هنالك إحتمالية ان يترك الامر لقواعد سوق النفط وخاصة العرض والطلب إذ تسيطر الكمية المعروضة في السوق وتفوق الكمية المطلوبة فيه، وهذا بسبب عدم التوازن بينهما، وبالتالي تكون اسعار النفط وعدم استقرارها هي الضحية نتيجة لإنخفاضها المتواصل. ولا نستغرب فيما لو انخفض سعر برميل برنت الى ما يزيد عن 12 دولارا في الايام المقبلة، كما حدث في العام 1986 عندما انهارت وانخفضت الى 8 دولار عام 1986 عندما زاد انتاج النفط من قبل دول خارج أوبك وخاصة الولايات المتحدة الامريكية وكندا في ذلك العام. ان استمرار انخفاض مستوى اسعار النفط سيكون له تاثير سلبي كبير جدا على الاقتصاد العراقي، وبالأخص على الموازنة بحقليها الايرادات والنفقات (الإستثمارية والتشغيلية)، بالإضافة إلى التأثير الكبير على موازنة العراق لعام 2020 والمستوى الكبير في نسبة العجز الذي قد يصل إلى 53 مليار دولار.

لابد من اتخاذ إجراءات حقيقية واحاطة الرأي العام بالاحتمالات والاجراءات الواجب اتخاذها لغرض تجنب انهيار اقتصادي ومجتمعي يؤثر على الاقتصاد الوطني العراقي. لذلك يجب التركيز وتفعيل ووضع الخطط اللازمة وابتكار سبل جديدة لغرض معالجة البطالة وتحويلها من عامل اجتماعي سلبي الى عامل اقتصادي منتج وعامل استقرار اجتماعي واقتصادي إيجابي. كما يجب توظيف جزء من احتياطيات الدولة النقدية الموجودة في البنوك الحكومية لغرض الاستثمار والمساهمة في بناء مشاريع البنى التحتية ويمنع استخدامها في صرف الرواتب. واستخدام على الأقل 10 مليار دولار من احتياط البنك المركزي وبقية البنوك هذا العام وعلى شكل دفعات لاغراض البدء في مشاريع استراتيجية، وخلق شراكة حقيقية وتغيير جذري في التعامل مع موسسات القطاع الخاص وتحويل ادارة الاقتصاد للقطاع الخاص الانتاجي الرصين وبتوجيه وتنظيم ومراقبة من المؤسسات الحكومية النظيفة والنزيهة اذا توفرت!. والظروف الراهنة تحتم على الدولة إذا كانت جادة في حل وتلافي الكارثة تشكيل فرق عمل وطنية لا حزبية تشكل من الاقتصاديين ومن كافة الاختصاصات المتمثلة بالزراعة والصناعة والسياحة والاقتصاد والادارة الانتاجية والنفط… الخ، لغرض ادارة الاقتصاد العراقي وفق النظريات العلمية والعملية التي من شأنها تلافي المشكلات التي خلّفتها السياسات الراهنة والتراكمات الخاطئة في ادارة الدولة الاقتصادية والامنية والسياسية، وبناء اقتصاد وطني يستطيع مواجهة جميع التحديات الاقليمية والدولية، وتقوية القطاعات الاقتصادية الاخرى من خلال الخطط متوسطة وبعيدة المدى وفق استراتيجيات حديثة ومتطورة.

المصدر:مركز الرافدين راسام

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات