الأحد 05 أبريل 2020 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

العراق.. سيادة اللادولة

العراق.. سيادة اللادولة

ما بين أميركا وإيران، يجد العراق نفسه محاصراً بحساباتٍ لا علاقة له فيها، تتعلق بمشاريع إيران في المنطقة، والعراق في مقدمتها، وبين حسابات أميركا التي جاءت عام 2003 وأسقطت النظام العراقي، ونصّبت من باتوا اليوم في عداد أعدائها. مفارقة لا تبدو سهلة على الفهم، خصوصاً في ظل تصاعد العداء الأميركي الإيراني الذي لا يجد أفضل من العراق ساحة لتصفية حسابات هذا العداء.

قصف استهدف معسكر التاجي شمال العاصمة بغداد قبل أيام، أدّى إلى مقتل جنديين أميركيين وبريطاني، وهو قصف يبدو جزءاً من استراتيجية الرد الإيراني على استهداف الجنرال قاسم سليماني واغتياله مطلع العام الجاري. لم يتأخر الرد الأميركي، فكانت ليلة الجمعة الماضية مضاءة بالصواريخ التي اطلقتها طائرات إف 16 الأميركية، والتي استهدفت خمسة مقارّ تابعة لمليشيا الحشد الشعبي، ما أدى إلى مقتل ستة عناصر بحسب بيان رسمي، أعقب ذلك قصف نهار السبت، استهدف مرة أخرى معسكر التاجي الذي يضمّ بالإضافة إلى القوات العراقية قوات تدريب أميركية. هكذا، تبدو الحرب سجالاً بين إيران وأميركا، في وقت يغيب فيه أي رد فعل عراقي قادر على أن يكون مؤثراً حيال ما يجري على أراضيه. فالحكومة التي يرأسها عادل عبد المهدي مستقيلة بضغط من الشارع العراقي المنتفض منذ ستة أشهر، والحرب سجال بين أحزاب السلطة بشأن من يخلف عبد المهدي. وبغضّ النظر عن طبيعة هذه الحكومة، لن تكون أي حكومة تخلفها قادرة على أن تتصرف بموضوعية، في ظل الهيمنة الإيرانية على مجمل مجريات الوضع العراقي، سياسياً واقتصادياً، وحتى عسكرياً.

“اللادولة التي تسود في العراق ستحرم أي حكومة جديدة ممارسةَ حقها السيادي”

صحيح أن وضع إيران الداخلي بعد مقتل سليماني وتفشّي وباء كورونا ليس كما هو قبلها، إلا أن زيارة علي شمخاني الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني لبغداد قبل نحو أسبوع، أشّرت على أن العراق ما زال محطّ اهتمام إيران، فقد تبع هذه الزيارة بأيام قلائل استهداف معسكر التاجي من مليشيات مسلحة مدعومة من إيران.

اللادولة التي تسود في العراق ستحرم أي حكومة جديدة ممارسةَ حقها السيادي في منع أي تجاوزاتٍ على حرمة الأراضي والسماء العراقية، فالكل يعلم أن المليشيات المسلحة المدعومة من إيران، التي هي في أغلبها تابعة لأحزاب في السلطة العراقية، ستقف كما وقفت سابقاً أمام أي تحول في خطاب الحكومة العراقية، إذا رغبت في التدخل لمنع تحويل العراق إلى ساحة صراع بين أميركا وإيران.

هناك اليوم مساعٍ تبذلها عدة أطراف عراقية، بعضها خارج الحكومة، من أجل تجنيب العراق مصيراً دامياً، في حال استمرار لغة التصعيد الإيراني الأميركي على أرض العراق. محاولات لا تبدو أنها وصلت حتى اللحظة إلى إفراز نتائج يمكن التعويل عليها، ولكن ما يمكن قوله هنا، أن الولايات المتحدة لا تبدو راغبةً في الانسحاب من العراق، كما تطالب بذلك إيران.

أعلنت واشنطن نيتها نشر صواريخ باتريوت لحماية قواعدها في العراق، وهو إعلان لا يدل على نية انسحاب أميركي قريب، كذلك فإن طهران، من خلال القوى والأحزاب العراقية، تصرّ على تنفيذ هذا الانسحاب، ولعل في القرار الذي صدر عن مجلس النواب العراقي، بغياب القوى الكردية والسُّنية، المطالب بسحب القوات الأجنبية من العراق، ورقة ما زالت تلوّح بها إيران بين حين وآخر.

“لا يبدو أن سيادة العراق تثير اهتمام أحد في سلطة بغداد، فكلُّ يبحث عن مخرج يؤمن له مكتسبات معينة”

ويواجه العراق أزمات باتت مستفحلة، بدءاً من غياب الحكومة وأزمة إيجاد بديل لعادل عبد المهدي المستقيل، الى أزمة التظاهرات المستمرة منذ الأول من أكتوبر/ تشرين الأول، والتي تطالب بإنهاء العملية السياسية، وحظر كل الأحزاب التي شاركت فيها من العمل السياسي مستقبلاً، إلى أزمة فيروس كورونا التي زادت من تداعيات الوضع السيئ أصلاً، وليس انتهاءً بأزمة انخفاض أسعار النفط التي تهدّد بأزمة اقتصادية كبيرة قد تضرب واقع البلاد المنهكة أصلاً. وفي خضم ذلك كله، فإن تحول العراق الى ساحة سجال ناري بين واشنطن وطهران سيعني أن البلاد مقبلة على تحدٍّ قد لا تخرج منه جغرافيا البلاد سالمة، في ظل تنامي الخلاف بين مكونات العراق حيال بقاء القوات الأميركية من جهة وآلية التعامل مع إيران من جهة أخرى.

اليوم، لا يبدو أن سيادة العراق تثير اهتمام أحد في سلطة بغداد، فكلُّ يبحث عن مخرج يؤمن له مكتسبات معينة، وبينما تواصل المليشيات المدعومة من إيران رسم سياسة البلاد بالسلاح، فإن القوى المدنية، وتلك التي لا تمتلك مليشيات مسلحة، تضعف، على الرغم من أن التظاهرات منحتها قوة كبيرة، ولكن عندما تبدأ أصوات الرصاص تتصاعد في سماء المدينة، فإن أصوات الحرية قد تخفت، ولكن ليس إلى الأبد.

المصدر:العربي الجديد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات