الأحد 05 أبريل 2020 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

مستقبل المواجهة بين المليشيات والقوات الامريكية في العراق

مستقبل المواجهة بين المليشيات والقوات الامريكية في العراق

جاء الرد الأمريكي – كما كان متوقعا – كبيرا وقويا على استهداف مليشيات عراقية موالية لإيران لمعسكر التاجي الذي يضم قواتا تابعة للتحالف الدولي لمحاربة (داعش) شمال بغداد، والذي اسفر عن مقتل جنديين أمريكيين وجندي بريطاني بالإضافة الى سقوط 12 جريحا من قوات التحالف.

لم يكن رد الفعل الامريكي مفاجئا قياسا على ردود أفعال أمريكية سابقة حينما تم استهداف مقاول أمريكي وقتله في قاعدة (K1) بالقرب من مدينة كركوك. حينها قامت الولايات المتحدة بقتل قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس بالإضافة إلى عدد من مرافقيهم من المليشيات العراقية.

جاءت الضربة الأمريكية للمليشيات العراقية، في وقت محرج جدا للنظام العراقي الذي يمر بمأزق سياسي كبير، فهو لم ينجح حتى الان باختيار شخصية لرئاسة الوزراء. يرافقه ازمة تداعي اسعار النفط عالميا والذي يعتمد العراق عليه بموازنته الاتحادية بنسبة تصل إلى 97%، أضف الى ذلك ارتفاع نسبة الاصابات بفيروس كورونا. هذا كله في ظل استمرار التظاهرات الاحتجاجية المستمرة منذ أكثر من خمسة شهور.

“النظام السياسي العراقي وقف عاجزا عن السيطرة على الوضع الأمني في البلاد، وعجز عن إيقاف حرب الوكالة في العراق”

وفي الوقت الذي توقعنا إن الحكمة سوف لن تخون النظام الإيراني وميليشياته المنتشرة في العراق، وسوف تعمل على تهدئة الأمور وتتحاشى استفزاز القوات الأمريكية بشكل أكبر مما هي مستفزة الأن، للحيلولة دون تكرار ضربة أمريكية قاسية أخرى للمليشيات، ربما ستكون أقصى من الرد الذي قامت به قبل أيام، نرى المليشيات تعيد الكرة باستهداف معسكر التاجي للمرة الثانية في تحدي سافر للأمريكان، واستهتارا بأرواح العراقيين. لا لشيء فقط من أجل تنفيذ الأوامر الإيرانية في ضرب الامريكان وإحراجهم في العراق، عسى أن تخفف عنها العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.

ماذا حدث خلال الأسبوع الماضي؟

بدأت المواجهة الاخيرة بين القوات الأمريكية والمليشيات العراقية التابعة لإيران، الأسبوع الماضي حينما قامت مليشيا – يعتقد إنها مليشيا “حزب الله العراقي” – باستهداف قوات التحالف الدولي الموجودة في معسكر التاجي العراقي بالقرب من بغداد، والتي تضم قواتا أمريكية وقواتا من دول أوربية أخرى. في حينها أعلنت القيادة المركزية الأمريكية، أن 18 صاروخا من نوع كاتيوشا استهدفت قاعدة التاجي العسكرية، أسفر عن سقوط ثلاثة قتلى، اثنان منهم امريكيان والثالث بريطاني. وفي رد فعل أمريكي سريع، قامت الطائرات الامريكية بشن غارة جوية على مواقع لمليشيا حزب الله في مناطق شرق سوريا، قُتل جراءها 26 مقاتلا من الحشد الشعبي العراقي ومقاتلين من مليشيا حزب الله. وقبل الغارة صرَّح وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو قائلا: ” لن يتم التسامح بشأن الهجوم المميت الذي استهدف قاعدة التاجي العسكرية في العراق” واضاف: ” إنه اتفق مع وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب على ضرورة محاسبة المسؤولين عن الهجوم”. واتفق الأخير مع بومبيو في ما ذهب إليه وقال: ” إن بلاده ستقف بالضد من الأعمال التي تشابه ما حدث من هجوم على قاعدة التاجي”. ثم جاء بعد ذلك تأكيد من القيادة المركزية الأميركية، عزمها على نشر منظومة دفاع جوي في العراق لحماية قواتها في البلاد.

“من الواضح أن الأمريكان يريدون تنفيذ حالة “الردع” التي أعلنوها مع المليشيات الموالية لإيران”

النظام السياسي العراقي وقف عاجزا عن السيطرة على الوضع الأمني في البلاد، وعجز عن إيقاف حرب الوكالة في العراق، ولم يصدر منه غير بيانات التهديد لاستهداف معسكر التاجي، واتهام دول مثل أمريكا بانتهاك سيادة الدولة العراقية، التي يتم انتهاكها من قبل مجاميع مسلحة لا تستطيع السيطرة عليها. فلم يكن لأقطاب هذا النظام سوى التنديد بالهجوم على معسكر التاجي، وبعد ذلك قامت بالتنديد بالهجوم الأمريكي على المليشيات، في صورة أكثر من واضحة على عجز النظام في السيطرة على الوضع الأمني في البلاد.

لكن كل ما استطاعت القيام به حكومة بغداد، هو أنها أمرت أجهزتها الأمنية بالاستنفار في بغداد والقيام بعمليات تفتيش، ربما لخشيتها من تطور الأمور للدرجة التي تهدد فيها أمن النظام. أما بالنسبة لفصائل المليشيات، فقد قامت بإخلاء مقراتها خشية ضربة جوية أمريكية متوقعة، وهذا ما كان فعلا.

أما أحزاب السلطة التي توفر الغطاء لتلك المجاميع المسلحة المنفلتة، فقد قامت بحملة اعلامية تروج فيها أن من قام بضرب القوات الامريكية والبريطانية، ليست الميلشيات، وإنما هو “الطرف الثالث” – وهي تسمية يحاولون إلصاق التهم والمصائب التي يقترفونها بهذا الطرف المجهول لكي يتخلصوا من مسؤوليتهم عنها – . بل إنهم تجرؤا هذه المرة بتسمية هذا الطرف الثالث، وقالوا عنه إنه من (بقايا حزب البعث)، أو الأطراف الموالية لأمريكا وبدفع من أمريكا نفسها لكي تجد المبرر لضرب المليشيات. وهذا تبرير من السفاهة التي لا يقبلها عقل ولا يندرج تحت أي منطق. وفي سبيل إحباك خيوط هذه القصة المفبركة، نفت جميع المليشيات وكذلك الحشد الشعبي، علاقتها باستهداف معسكر التاجي والإستهدافات المتعددة للمنطقة الخضراء.

لم تنتظر القوات الامريكية طويلا، حتى قامت باستهداف عدة مقرات تابعة لمليشيا حزب الله العراقي بجرف الصخر في بابل، بالإضافة إلى مقرات أخرى لمليشيات الحشد في محافظة كربلاء ومناطق أخرى من العراق.

إلى أين ذاهبة الأمور؟

“من المرجح أن تنحى الادارة الامريكية إلى حلول أخرى غير الضربات الانتقامية للمليشيات”

من الواضح أن الأمريكان يريدون تنفيذ حالة “الردع” التي أعلنوها مع المليشيات الموالية لإيران، إثر الضربة التي طالت قاسم سليماني قبل شهرين، والرد القاسي الذي جاء مؤخرا يدخل ضمن هذا السياق. وأصبح واضحا أن القصف الصاروخي الذي نفذته مليشيا تابعة لإيران، ضد معسكر يضم قوات أمريكية، جاء بأوامر إيرانية لغرض زيادة الضغط على واشنطن لتحقيق إحدى غايتين يريدها النظام الايراني من أمريكا: إما إحراجها ودفعها لإخراج قواتها من العراق، أو الضغط عليها لتخفيف عقوباتها الاقتصادية على إيران. وهي تحاول من خلال ذلك تنفيذ ما نجحت بتنفيذه حركة طالبان في حربها مع القوات الأمريكية في أفغانستان، حينما قادت حرب استنزاف ضدها نجحت من خلالها إجبار القوات الأمريكية على توقيع معاهدة سلام تنسحب بموجبها من البلاد. لكن ما يحدث اليوم في الحالة العراقية، إن حرب الاستنزاف التي تقودها إيران وميلشياتها ضد القوات الامريكية، تبدوا معكوسة ونحن نرى مستوى الضربات التي تتلقاها من القوات الامريكية، وهي من تتعرض لحرب الاستنزاف وليس الأمريكان

ومع استقرائنا لمجريات الاحداث – في ظل الاستهداف المتكرر للقوات الامريكية بالعراق – فإنه من المرجح أن تنحى الادارة الامريكية إلى حلول أخرى غير الضربات الانتقامية للمليشيات، تتمثل بالعمل على تطبيق سيناريوهات تهدف من خلالها تغيير توجهات العملية السياسية وحرفِها من الوجهة الإيرانية الحالية إلى الوجهة الامريكية. وذلك من خلال العمل على استغلال الازمة السياسية الحالية التي يمر بها البلد، وانهيار الاقتصاد العراقي الوشيك، مع استمرار التظاهرات الاحتجاجية ضد النظام السياسي في العراق.

المصدر:مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية "راسام"

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات