أقلام وآراءالدولة العميقة

العراق: حكومة عاجزة وسيادة منتهكة وميليشيات تقود العراق إلى المجهول!

يعاني العراق من فوضى عارمة تضرب مفاصل الدولة العراقية على جميع المستويات السياسية والامنية والصحية والاجتماعية ،وهناك انقسام اجتماعي حاد وكبير بين مكونات الشعب العراقي حتى وصل الانقسام الى المكون الواحد بل وصل الى حد الاقتتال بالسلاح، وهناك انسداد سياسي لم يسبق له مثيل منذ عام2003،حول تسمية رئيس وزراء جديد بدل عادل عبد المهدي الذي استقال بسبب ضغط الشارع المنتفض ،يضاف اليه فشل علاوي في تشكيل وزارته بسبب الخلافات السياسية الكبيرة بين رئيس الحكومة والكتل السياسية التي تنادي بالحصول على مكتسبات وزارية ،حتى وصلنا لتسمية بديل لعلاوي حيث تم تشكيل لجنة سباعية من الاحزاب الشيعة لتسمية رئيس وزراء للعراق حسب المشورة الايرانية التي تقدم بها شمخاني عند زيارته للعراق ،ولكنهم فشلوا أيضاً في تسمية وزارة جديدة بسبب الخلافات الداخلية في البيت الشيعي، حتى تم تكليف عدنان الزرفي من قبل رئيس الجمهورية مباشرة ، يضاف الى ذلك الصراع الذي تخوضه ايران في العراق عن طريق ميليشياتها المسلحة ضد القوات الامريكية ،والذي أظهر ضعف وعجز الحكومة في بغداد وجميع الرئاسات وقدرتها في تجنيب العراق هذا الصراع الذي لا يصب في مصلحة العراق ومصالحه العليا ،كما بان جلياً إن من يتحكم في الوضع العراقي هم الميليشيات التابعة لطهران والقوات الامريكية، وبات الحكومة تتفرج على مجريات الاحداث دون التأثير فيها، وأصبحت قادرة على اصدار البيانات التي تدين وتنتقد التجاوزات على السيادة العراقية ،وهي تحاول أن تعلب دور الوسيط بين الطرفين في شلل تامة لمقدرات الدولة العراقية التي سيطرت عليها عصابات وميليشيات خارجة عن القانون صادرات قرارها وأصبحت تابعة وخاضعة لها.

يعاني العراق على المستوى الاقتصادي من اشكاليات كبيرة جدا بسبب الضعف الكبير في القدرات المالية والاقتصادية ،وعدم الاستقرار الامني، والفساد المالي وسوء الادارة ،وهروب رؤوس الاموال الى الخارج ،كما إن إحصائيات صندوق النقد الدولي، تبين إن ديون العراق تراكمت وتفاقمت خلال السنوات الماضية، حيث كانت قبل9سنوات 73.1 مليار دولار، وارتفعت في عام 2014 إلى 75.2 مليار دولار، وفي عام 2015 أصبحت 98 مليار دولار، فيما كانت قبل عامين 114.6 مليار دولار، لترتفع خلال العام 2017 إلى 122.9 مليار دولار، ثم عام2018الى(125)مليار دولار، واليوم لا ندري الديون الى كم وصلت؟ كما إن هناك انخفاض كبير في اسعار النفط الى ما دون(30)دولار للبرميل الواحد ،مما أدى الى خسارة العراق لنصف ايراداته المالية ،هذا بالإضافة الى تأخير الحكومة في ارسال الموازنة الى البرلمان لإقرارها بسبب العجز والترهل الكبير فيها، مما أدى الى عدم إقرار الموازنة العامة لعام 2020الى يومنا هذا ،بالإضافة الى أسباب كثيرة منها التوتر السياسي الحاصل جراء الحراك الشعبي المتواصل منذ أكتوبر/تشرين الاول لعام 2019،والذي أدى الى استقالة الحكومة وتحولها لحكومة تصريف أعمال ،فخرجت الموازنة عن صلاحيتها في ارسالها الى البرلمان علماً أن الموازنة تعاني من عجز كبير يبلغ أكثر من(40)مليار دولار.

“يبدو أن الميليشيات تحولت من مرحلة التهديد والوعيد الى مرحلة التنفيذ الفعلي بأوامر مباشرة من ايران”

إن سوء الاوضاع السياسية والاقتصادية والامنية في العراق تعني أننا سندخل مرحلة الكساد الذي سيؤدي الى مزيد من معدلات البطالة والفقر وتوقف التنمية والمشاريع وخاصة الاستثمارية ،مما يعني إن العراق يعاني من اشكالية حقيقية في القدرات المالية التي تمكن الدولة من تنفيذ المشاريع ومعالجة الازمات التي يمر بها العراق والمنطقة ومنه جائحة كورونا ، ورأينا كيف تبين للجميع هشاشة الاجراءات التي اتخذتها حكومة تصريف الاعمال في مواجهة هذه الازمة من التماهي في غلق الحدود مع ايران ،يضاف اليها قلة المستلزمات الطبية اللازمة للكشف عن المرض فضلا عن معالجته ،وهذا ما سيجعل العراق يعاني الكثير لتجاوز هذه الازمة التي تحتاج الى قيادة واعية ولديها من الارادة السياسية ومن القدرات المادية ما يمكنها من الوقوف بقوة لمعالجة الموقف الراهن الذي يهدد العراق.

لقد تحول العراق الى ساحة صراع مفتوحة بعد أن عاد التوتر والتصعيد العسكري بين القوات الامريكية والميليشيات الولائية التابعة لإيران ،فقد تم تبادل الضربات الصاروخية والجوية بين الطرفين ،ولكن هذه المرة يبدو إن هناك اصرار من قبل الطرفين على الاستمرار بالتصعيد ،فقد تعرضت قاعدة “التاجي ” لهجومين متتاليين فالهجوم الاول: كان بأطلاق (18)صاروخ كاتيوشا، والذي اسفر عم مقتل جنديين أمريكيين وأحد جنود المملكة المتحدة البريطانية ،حيث تتهم القوات الامريكية ميليشيا حزب الله العراق بتنفيذ هذه الهجمات، لذا كان الرد الامريكي قوياً وحاسماً وسريعاً مثلما وصفه وزير الخارجية البريطاني ، حيث نفذت القوات الامريكية هجوم جوي واسع طال مقار اللواءين (46)،و(47)،بضربات جوية سمتها ضربات دفاعية دقيقة دمرت فيها خمسة مواقع عسكرية تابعة لميليشيا حزب الله العراق ،منها مقار للاتصالات والقوة النهرية ومقرات أخرى ،كما شملت المواقع التالية:

أولا: مخازن العجلات العسكرية في البهبهان تابع لميليشيا حزب الله العراق.

ثانيا: منشأة الاشتر للتصنيع العسكري سابقاً.

ثالثا: مخزن للصواريخ الايرانية في المسيب.

رابعا: مخزن للطائرات المسيرة في الاسكندرية.

خامسا: مخزن للأسلحة المتوسطة في الصويرة.

سادسا: موقع عسكري تابعة لمغاوير للفرقة (19) اخليت اليها قيادات ومواقع لحزب الله العراق.

سابعا: تم استهداف مطار كربلاء (قيد الانشاء) بثلاثة صواريخ.

بينما نفذ الهجوم الثاني: على قاعدة التاجي المشتركة بأطلاق(33)صاروخ كاتيوشا ،بينما فشلت (23) صاروخ في الانطلاق ، بهذا يكون مجموع الصواريخ المعدة لهذا الهجوم (56)صاروخ، الامر الذي أدى لجرح ثلاثة جنود امريكيين أثنان منهم بحالة حرجة، بالإضافة الى جنديين من الدفاع الجوي العراقي ، وهناك اتهامات لميليشيا النجباء بتنفيذ هذا الهجوم بمساعدة ضابط برتبة لواء ،علماً إن هناك ميليشيا أطلقت على نفسها “عصبة الثائرين “تبنت مسؤوليتها عن الهجوم ،وهناك تسريبات بأن قائد فيلق القدس “اسماعيل قاأني” شكل ميليشيا من(2000) ،جندي من الميليشيات لتنفيذ عمليات ضد القوات الامريكية في العراق كجزء من الاستراتيجية الايرانية الجديدة في المنطقة ،ليثبت بأنه لا يختلف عن سلفه سليماني وهو قادر على التأثير في الاحداث التي تجري في المنطقة ،وإن ايران لاعب اساسي لا يستطيع أحد أن يخرجه أو يستثنيه من أي اتفاق في سوريا واليمن والعراق ،وإنها لا زالت تملك أوراق ثمينة لن تفرط بها ايران في أي اتفاق مع الولايات المتحدة الامريكية لذا فيهي تحاول تفعليها بشن هذه الهجمات، ثم جاء الهجوم الثالث: بأطلاق صاروخين على قاعدة “بسماية” ليثبت بأن الضربات الامريكية لن توقف الهجمات التي تقوم بها الميليشيات الولائية لإخراج القوات الامريكية.

إن الصراع في العراق يدخل مرحلة جديدة من التصعيد الذي يمكن أن يستمر ويتوسع والذي سيكون مدمر ولا يصب في المصالح العليا للعراق والذي قد يتطور حسب تطورات الاحداث، فالولايات المتحدة الامريكية تقول بأنها ستنفذ ضربات استباقية رادعة ،وهدفنا تدمير وأنهاء القدرات التسليحية لميليشيا حزب الله العراق ومنعه من القيام بعمليات مستقبلية ،وبنفس الوقت هي رسالة ردع لإيران واذنابها في العراق ،وأننا نملك الارادة السياسية والقدرات العسكرية اللازمة للرد ،بينما قالت القوات المشتركة في بيان لها بأن هذه الضربات هي أنهاء لمبدأ الشراكة بين الطرفين، وإن هذه الضربات دمرت البنى التحتية والتسليحية لهذه المواقع العسكرية ،ولا أعرف أين تقف قيادة العمليات المشتركة بالضبط مع هذه ضربات المتبادلة وهل هي ضدها أم معها؟ وماهي الإجراءات التي اتخذتها اذا كانت ضدها ؟وهل ترى بأن تشكيل لجنة تحقيقية يكفي لوقف هذه الهجمات؟ وماذا لو استمرت؟.

إن هذه الضربات جعلت من العراق الرسمي مغيب عن الساحة وضعيف وعاجز وغير قادر على وقف ولجم هذه الميليشيات أو وقف الهجمات الامريكية، والتي بدت بأنها هي من تتحكم بزمام الامور في العراق، فقد ظهرت الحكومة بأنها عاجزة وضعيفة وتابعة وخاضعة لهذه الميليشيات التي تذهب بالعراق الى المجهول ،وهي محرجة بشكل كبير مع الولايات المتحدة الامريكية التي دعتها للعودة للعراق لمواجهة تنظيم الدولة وبدأت تتنصل من وجودها في العراق بسب الاختلاف مع ايران، علماً إن القوات الامريكية تنظر الى هذا القصف بانه طال مواقع ايرانية بالداخل العراقي ،والمقصود بها منطقة “جرف الصخر” التي تم استرجاعها من تنظيم الدولة منذ عام2014، ويسيطر عليها الحرس الثوري الايراني والميليشيات الايرانية التي اتخذتها قاعدة عسكرية مغلقة لها للتدريب والتسليح والتخطيط، ومنعت الاهالي التي يقطنونها من العودة اليها الى يومنا هذا، حيث قضى في هذه الضربات الامريكية المدعو “سيامند مشهداني” أحد قيادات الحرس الثوري الايراني ،وقالت وزارة الدفاع الامريكية البنتاغون بأنها لن تتسامح مع هجمات على “شعبنا أو مصالحنا أو حلفائنا”.

“سيبقى العراق مسرحا للصراع بسبب التدخلات الخارجية وخاصة الامريكية- الايرانية”

يبدو أن الميليشيات تحولت من مرحلة التهديد والوعيد الى مرحلة التنفيذ الفعلي بأوامر مباشرة من ايران ،وهذا يعني أيضاً إن الولايات المتحدة الامريكية تحولت من استراتيجية الفعل ورد الفعل الى استراتيجية الضربات الاستباقية والهجوم الواسع، أي من الدفاع الى المواجهة والدليل أنها قررت تحريك الفرقة(101) ، التي يطلق عليها “النسور الزاعقة” بالإضافة الى نشر بطاريات صواريخ باتريوت هو جزء من استراتيجية دفاعية مما سيؤدي الى زيادة التوتر والتصعيد، وبالتالي تعمل القوات الامريكية على حماية قواتها ومصالحها العسكرية ومواجهة التهديدات المحتملة بالقوة ،وهناك تصريحات بإعادة انتشار القوات الامريكية في العراق ،والذي يمكن أن يشمل الانسحاب من بعض القواعد المواقع العسكرية المشتركة في “القائم ،والقيارة” ولكن لم يتخذ القرار النهائي بذلك.

في العلم العسكري دائما في أي عملية عسكرية يتم أعداد ثلاث أوراق لتقدير الموقف الاول: يسمى “تحليل منطقة الحركات” والثاني: هو “تقدير موقف استخبارات” والثالث: هو “تقدير الموقف “خطة للمعركة القادمة” والتي يمكن أن نسميها بالخطة التي غالباً ما تعمم على شكل أمر حركات وفي هذه التقادير الثلاثة يتم مناقشة القدرات والامكانيات للطرفين ،بما فيها الموقف الجوي الذي غالباً ما يكون حاسماً في تحديد نوع الهجوم(ليلي- نهاري)،وطبيعة المعركة كما يتم مناقشة ساحة المعركة باستعراض القوة للطرفين وبيان نقاط القوة والضعف في الخطة وكيفية معالجتها ،ثم الوصول الى المسالك المحتملة ،والمسلك الافضل ، والاخطر في هذه الخطة وهناك تفاصيل كثيرة يجب مناقشتها والاخذ بها منها الشؤون الادارية وعلى مستويات عليا يدرس الموقف السياسي والاقتصادي والمعنوي والكيمياوي ،ولكني لم أعرف الى اليوم كيف تم بناء الخطة لهذه الميليشيات لمواجهة القوات الامريكية خصوصاً مع رد الفعل العسكري القوي والحازم الذي طال مواقع الحشد الشعبي مع التباين الكبير في موازين القوى.

“الدخول في مواجهة مباشرة أو غير مباشرة بين الميليشيات الايرانية والقوات الامريكية ستؤثر على جهود مكافحة الارهاب”

أما إذا قلنا بأنها حرب العصابات فكيف يكون لهذه الميليشيات التي تخوض حرباً تسميها حرب العصابات وهي لديها نواب في البرلمان العراقي يسرحون ويمرحون، ولماذا لا تتخذ الحكومة الاجراءات اللازمة ضدها باعتبارها أنها ارهابية، ولماذا صمتت الحكومة عن الميليشيات العابرة للحدود والتي تقاتل في سوريا ولم تصنفها أنها إرهابية، أنا أعتقد إن هناك ازدواجية في التعامل مع هذه الميليشيات الارهابية من قبل الطرفين سواء الحكومة أو القوات الامريكية، ويبدو إن الميليشيات غير أبهه بالجنود العراقيين الذين يسقطون جراء عملياتهم المسلحة؟ ولم تقل لنا الحكومة ماذا تسمي عملية قتل الجنود العراقيين هل هي ارهابية أم مقاومة؟ ولم تقل لنا الحكومة لماذا لا تحترم هذه الميليشيات الاتفاقيات التي ابرمتها الحكومات الشيعية المتتالية مع الولايات المتحدة الامريكية؟ ولم تقل لنا القوات الامريكية لماذا لا تستهدف هذه الميليشيات وقياداتها كما تفعل في اليمن وليبيا ،خصوصاً وإن الكثير منها تم تصنيفها على أنها منظمات ارهابية؟ ولماذا تسمح للنواب الذين ينتمون الى هذه الفصائل بممارسة العمل السياسي تحت قبة البرلمان؟.

إن الدخول في مواجهة مباشرة أو غير مباشرة بين الميليشيات الايرانية والقوات الامريكية ستؤثر على جهود مكافحة الارهاب كما تصرح الولايات المتحدة الامريكية وكذلك الحكومة العراقية ،فعندما أوقفت القوات الامريكية العمليات العسكرية والاستخبارية ضد تنظيم الدولة لمواجهة التهديدات الايرانية بعد مقتل سليماني جعل الهجمات العسكرية للتنظيم ترتفع من(15)هجوم في الشهر الى ما يقارب(80)هجوم، علماً بأن القوات المشتركة والحكومة العراقية تقول بانها شكلت لجنة تحقيقية لمعرفة الجهة التي نفذت الهجوم، ولكنها لم تقل لنا أين نتائج التحقيقات السابقة بضرب السفارة الامريكية والقواعد العسكرية الاخرى؟ لذا سيبقى العراق مسرحا للصراع بسبب التدخلات الخارجية وخاصة الامريكية- الايرانية ،يضاف اليها هيمنة الميليشيات الايرانية المسلحة على الوضع العراقي، وكذلك بسبب ضعف الحكومة ومؤسساتها الامنية والعسكرية.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق