لم يكن انتشار فيروس كورونا هو أفضل ما كان يحلم به النظام السياسي في العراق، فقد جاء في ظرف عصيب يمر به النظام على مستويات عديدة، السياسي منها والأمني والاقتصادي ليزيد من تعقيدها. جعل حكومة بغداد لا تتعامل معه بشكل إيجابي وسريع، في ظل انهيار شبه تام للمنظومة الصحية، ناتجا عن تغلغل الفساد في كل مفاصل الدولة العراقية، ومنها القطاع الصحي. ومع استمرار الأزمة السياسية الناتجة عن تداعيات التظاهرات الاحتجاجية، جعلت من هذا النظام يصاب بحالة من الشلل، افقدته القدرة على التعامل مع فيروس بحجم فيروس كورونا القاتل؟

التعامل الحكومي مع بداية انتشار الفيروس

“دأبت الحكومة ومنذ بداية انتشار الفيروس بالعراق، على إخفاء الأرقام الحقيقية للإصابات والوفيات”

لم تأخذ الحكومة العراقية موضوع احتمالية انتقال الفيروس إلى العراق وانتشاره بالجدية الكافية – رغم امتلاكها للفرصة المناسبة لمنع دخوله إلى البلاد – أو على الأقل الحد من انتشاره عندما انتشر بالدولة الجارة إيران، وتفاقمت الحالة الصحية هناك. تباطأت الحكومة بالتعامل مع الازمة تعمدا أو جهلا، رغم أن ممثل منظمة الصحة العالمية في العراق أعتبر إيران المسبب الرئيسي لانتقال الفيروس إلى العراق، بالإضافة إلى ستة عشر دولة أخرى. واستمرت العلاقات التجارية وحركة انتقال المسافرين مع هذا البلد حتى بعد تصنيف إيران من البلدان الموبوءة بالفيروس إلى أن تم الإعلان عن أول حالة إصابة بالفيروس في العراق، لطالب ايراني يدرس بالنجف، لتتوالى بعد ذلك الإصابات وبمناطق متعددة أغلبها في المدن القريبة من الحدود الإيرانية، والمناطق الشيعية التي اعتاد أبناؤها زيارة إيران، أو استقبال زوار إيرانيين في مناطقهم.

لكن الكارثة الكبيرة حدثت حينما توافقت زيارة الامام موسى الكاظم في خضم انتشار الوباء. ورغم دعوات الأطباء والعاملين في القطاع الصحي لمنع الزيارة، لكنها شهدت الالاف من الزوار، في تعبير صريح لمدى التجاهل الذي أبداه أبناء الطائفة الشيعية للإرشادات الصحية، لا سيما بعد تشجيع المعممين منهم لتزيد من حدة انتشار الفيروس إلى مستويات قياسية.

لم يكن دور المرجعيات الدينية الشيعية مساعدا في الحد من انتشار الفيروس، بل كان مشجعا لانتشاره. مرد كل ذلك هو للحيلولة دون المساس بالطقوس الدينية التي يعتبرونها الأساس في استمرار سيطرتهم على اتباعهم. فتجدهم يغامرون بصحة اتباعهم ويحثونهم على الشفاء من الفيروس من خلال التعلق بالغيبيات والتعلق بالقبور بطريقة غير مبررة من أجل تجهيل الناس حتى لا ينتفضوا عليهم.

“فاقم انتشار فيروس كورونا من المشكلة السياسية التي يمر بها البلد، والذي يعاني بالأصل مشاكل سياسية لا تنتهي في ظل التظاهرات الاحتجاجية”

دأبت الحكومة ومنذ بداية انتشار الفيروس بالعراق، على إخفاء الأرقام الحقيقية للإصابات والوفيات، لكي تبقى مسيطرة على الوضع في العراق والحيلولة دون تفجره. فمن ناحيته يقول رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي: “إن الأوضاع الصحية بالعراق بخير”، ويرد على من يشكك بذلك، حتى جاءت الاخبار التي أوردتها وكالة رويترز لتكشف كذبه وتدليسه بالمعلومات، فقامت حكومته بالرد على ما أوردته الوكالة وأغلقت مكاتبها في بغداد، حينما نقلت خبرا عن مسؤولين وأطباء عراقيين، بأن اعداد الإصابات ربما تتراوح بين الثلاثة ألاف إلى تسعة ألاف، لكن أفراد الامن الوطني يأمرون السلطات الصحية بعدم الكشف عن الحقيقة.

لم تتعامل الحكومة العراقية بشفافية مع حقائق الفيروس بالعراق، وصرح أكثر من مسؤول صحي بأن العراق يواجه مشكلة كبيرة وهناك خشية من عدم السيطرة عليه، بسبب افتقار الوزارة للعدد الكافي من أجهزة التنفس الاصطناعي، والاسرَّة في اقسام العناية الخاصة، بل وتفتقر حتى للعدد الكافي من المستشفيات لاستيعاب الاعداد المتزايدة من المصابين. وإذا احسنا الظن بتقارير وزارة الصحة ذات الاعداد المنخفضة للمصابين، فإننا نرجح إن ذلك عائد لافتقار العراق لأجهزة الفحص الكافية. ظهر ذلك واضحا حينما أعلنت وزارة الصحة ‏العراقية، أنها وبعد ما يزيد عن الشهر من انتشاره بالعراق، أصحبت قادرة على فحص 1300 شخص يوميا ‏بدل 100 ‏للكشف عن إصابتهم.‏

عدم احترام الحظر من قبل المواطنين

من الملاحظات البارزة التي تم تشخيصها على المواطن العراقي، هو لامبالاته وعدم احترامه لتطبيق حظر التجوال داخل المدن. ومرد ذلك في رأي الكثيرين يعود لانعدام الثقة بالبيانات التي تصدرها الدولة حول الوضع الصحي، كنتيجة للكذب والتدليس الذي تمارسه الحكومة، بالإضافة إلى عمليات التجهيل لأوساط المجتمع البسيطة خاصة في المجتمع الشيعي، من قبل رجال الدين الشيعة حول دعوى أن لا عدوى يمكنها الانتشار في أوساطهم ما داموا يقومون بزيارة الاضرحة، ناهيك عن افتقار الدولة لقدرتها على السيطرة وفرض حظر تجوال في مدنهم بسبب سطوة المليشيات على المدن العراقية. أضف إلى ذلك، أن طبقة كبيرة من المواطنين الذين يعتمدون في معيشتهم على السعي اليومي لرزقهم، وفي ظل عدم وجود دعم مالي حكومي لتلك الطبقة الفقيرة، يجد هؤلاء المواطنين أنفسهم مجبرين على الخروج لتحصيل رزقهم.

ما تأثير انتشار الوباء سياسيا واقتصاديا؟

“العراق على مفترق طريق في موضوع انتشار فيروس كورونا، إما أن يتحجم انتشاره، أو يتسع بشكل تفقد الإدارات الصحية السيطرة عليه”

فاقم انتشار فيروس كورونا من المشكلة السياسية التي يمر بها البلد، والذي يعاني بالأصل مشاكل سياسية لا تنتهي في ظل التظاهرات الاحتجاجية المستمرة منذ أشهر، والتي أدت الى استقالة الحكومة، وفشل الأحزاب الحاكمة في إيجاد بديل لرئيس الوزراء المستقيل حتى الان. كما أن من تورط في توجيهات صحية كارثية لأتباعه من السياسيين دفع ثمنه أو سيدفع ثمنه بالقريب العاجل. اخص بالذكر مقتدى الصدر، حينما انتقد اغلاق المساجد وحث اتباعه على ارتيادها ودعم استمرار زيارات المراقد الشيعية. الامر الذي فاقم من انتشار الوباء. كما سبَّب انتشار الفيروس بالعراق عزلة دولية، وأصبح العالم يعامل العراق كبؤرة حاضنة للفيروس. حيث قامت الولايات المتحدة الامريكية بتخفيض مستوى تمثيلها الدبلوماسي، وأمرت موظفي سفارتها في بغداد وقنصليتها في أربيل بمغادرة العراق مبررة ‏إجراءاتها تلك، كنتيجة لانتشار وباء ‏كورونا ‏COVID-19‎‏.‏

أثر الوباء بشكل غير مباشر على الاقتصاد العراقي، كونه بلدا ريعيا في اقتصاده، ولم تنجح كل حكومات ما بعد 2003، من تنويع موارده، وبقي معتمدا بما يفوق عن 97% من إيراداته على بيع النفط الخام. وحينما هوت أسعار النفط عالميا بسبب الركود الذي فرضه انتشار الفيروس في العالم، دخل العراق في ازمة اقتصادية حادة، ستجعله ينهار اقتصاديا خلال الثلاث أشهر القادمة، في الوقت الذي كشفت خلية الازمة التي تعمل مع ‏المجلس الوزاري، أن واردات العراق من بيع النفط لا تتجاوز المليار دولار شهريا فقط، حينها ستكون الحكومة عاجزة عن دفع مرتبات موظفيها. الامر الذي سيتبعه بلا شك، انفلات أمني قريب في ظل انتشار الفاقة والعوز بين أوساط الشعب العراقي. بالإضافة إلى تعرض القطاع الخاص لضربة قوية ‏بسبب فرض ‏حظر التجول على مدار 24 ساعة.‏ حيث أضطر عمال البناء والباعة المتجولون وسائقو سيارات الأجرة ‏الى البقاء في منازلهم، ‏بسبب هذا الحظر.‏

ماهي السيناريوهات المستقبلية لتأثير انتشار وباء كورونا في العراق؟

“العراق على السيطرة على هذا الوباء، ليس بقدرة الحكومة على تحشيد كافة القوى على مكافحته”

صرح أكثر من مسؤول صحي، أن العراق على مفترق طريق في موضوع انتشار فيروس كورونا، إما أن يتحجم انتشاره، أو يتسع بشكل تفقد الإدارات الصحية السيطرة عليه، سيحدد ذلك الأسبوعين المقبلين. وفي ظل هذا الوضع المأساوي للقطاع الصحي، فإن أكثر السيناريوهات تفاؤلا تبقى سيناريوهات بائسة.

السيناريو الأكثر تشاؤما

يجعلنا نرجح تفاقم المرض للدرجة التي لا يمكن فيها السيطرة على انتشاره، يرافق ذلك عجز صحي كبير على مستوى المعدات وأجهزة التنفس الاصطناعي، وافتقار المؤسسات الصحية للأعداد المناسبة من العاملين في القطاع الصحي، وسيدخل العراق بشكل عاجل في السيناريو الإيطالي أو الاسباني من حيث عدد الإصابات وعدد الوفيات. الامر الذي سيؤثر بلا شك على الأمن الاجتماعي، ليزيده تفاقما وسوداوية.

السيناريو الأكثر تفاؤلا

هو قدرة العراق على السيطرة على هذا الوباء، ليس بقدرة الحكومة على تحشيد كافة القوى على مكافحته، إنما بسبب تغيير الاحوال الجوية المتوقعة قريبا في العراق، نتيجة ازدياد درجات الحرارة بسرعة ونحن ندخل بشهر نيسان. هذه الأجواء ستؤثر بشكل سلبي على قدرة الفيروس على المقاومة، حسب ما ذكرت ذلك منظمة الصحة العالمية. كما وأن انخفاض متوسط أعمار العراقيين، ربما سيؤثر في أعداد الوفيات جراء هذا المرض، والذي أشد ما يكون تأثيره على الناس المعمرين ومن هم فوق سن الـ65 سنة. حيث إن هذه الفئة لا تشكل بالعراق سوى 3.3 % من مجموع الشعب العراقي.