ثمّة كلامٌ كثيرٌ عن جوائح أخرى، غير جائحة العصر كورونا، قيل إنها ستجتاح العراق. مسؤولون رسميون وقادة عسكريون ومحللون ومغرّدون على مواقع التواصل أفصحوا عن خطط قابلة للتسويق والترويج، تُنبئ بعمل عسكري تحضر له الولايات المتحدة ضد وكلاء إيران في العراق يفضي إلى تقليص نفوذ طهران وإرباك مشروعها التوسعي في المنطقة الذي يشكل الفضاء العراقي رأس الحربة فيه، ولدى بعض من سياسيين وعسكريين عراقيين ضرب من التمني في أن يؤدي ذلك إلى إسقاط “العملية السياسية” الطائفية الماثلة، والشروع بعمليةٍ سياسيةٍ وطنيةٍ تقيم نظاما ديمقراطيا، وتضمن عدلا وحرية، وتستجيب لأماني الثوار وتطلعاتهم.

واستطرادا مع ما يدور هنا وهناك يبشّرنا أصدقاء أميركا بأنها تريد أن تكفّر عن خطيئتها بغزو العراق وتسليمه إلى إيران، وهي نادمةٌ على ما فعلت، وقادمةٌ لتصحيح ما في وسعها تصحيحه، وعلينا أن نغفر لها خطيئتها الأولى، وهي القادرة، بلا منازع، على إنجاز التغيير الذي نطمح له، فيما ينذرنا وكلاء إيران بأن مغامرة أميركية كهذه تمثل إعادة إنتاج لاحتلالٍ عانى منه العراقيون الأمرّين، وأن علينا أن نتصدّى لها ولمخططاتها بالنار.

“لم يكتم الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، سرّا في إعلانه أن إيران سيكون عليها دفع ثمن باهظ، إذا ما غامرت هي، أو وكلاؤها، في ضرب أهداف أو مصالح أميركية في العراق”

ومنذ واقعة مطار بغداد التي قتل فيها قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس على يد الأميركيين، والعراقيون يعيشون هذا المناخ العاصف الذي يتبادل فيه الطرفان، الأميركي والإيراني، القذائف المميتة والتهديدات النارية، كما يتسابق وكلاؤهما للحصول على مواقع لهم في التشكيلة الوزارية القادمة، كي يُمكنهم من خلالها اللعب لصالح الجهة التي يتمتعون برعايتها على نحو أو آخر. أما حكومة بغداد، إن برئيسها المنصرف أو برئيسها المكلف، فهي واقعةٌ في حيص بيص، إذ تجد نفسها في حالٍ لا تُحسد عليها، ولا تريد أن تخسر رضا أحدٍ من الطرفين، تدعو إلى التهدئة تارة، وتعرض وساطتها بينهما تارة أخرى، تحذّر وتنذر مرّة، وتستنكر وتشجب أخرى، والطرفان لا يقيمان لها وزنا، إذ يدركان عجزها عن إدارة الأزمة، ويعرفان جيدا أنها تقف على أرضية دولةٍ فاشلةٍ لا تملك من مقوّمات السيادة سوى اسمها!

في خضم هذه التداعيات، لم يكتم الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، سرّا في إعلانه أن إيران سيكون عليها دفع ثمن باهظ، إذا ما غامرت هي، أو وكلاؤها، في ضرب أهداف أو مصالح أميركية في العراق والمنطقة، فيما ردت طهران على هذا التهديد بالسخرية منه، والزعم أنها ستلقن الأميركيين دروسا إذا ما أقدموا على فعل ضدها. وتظهر الوقائع أن الطرفين في المواجهة الحامية الدائرة بينهما وصلا إلى نقطة اللارجوع، وهي النقطة التي لا تحتمل سوى التقدّم إلى أمام بخطوةٍ من أحد الطرفين قد تكون القشّة التي تقصم ظهر البعير، وإذا كان الأميركيون يراهنون على قوتهم العسكرية الضاربة التي لها القدرة على الفعل، والتي يمثلها في العراق نحو سبعة آلاف جندي، فإن الإيرانيين يدركون بذكاء من تعلم من تجربته أن “المنازلة” بينهم وبين “الشيطان الأكبر” سوف تكون محدودة، وأن ميدانها لن يتعدّى أرض العراق الذي يعتبرونه موقعهم المتقدم، وأن الأوضاع الدولية والإقليمية المستجدّة في ضوء ظهور جائحة كورونا وتعقيداتها، وحتى أوضاع الداخل الأميركي وتطلع ترامب لنيل رئاسة ثانية لن يسمحا له بإطلاق أكثر من عمليات تأديبية صغيرة، لا تؤدّي إلى “كسر عظم” للإيرانيين، ولن تنال من هيمنتهم على القرار العراقي، وقد أعطى قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، الجنرال إسماعيل قاآني، في زيارته بغداد أخيرا الضوء الأخضر للمليشيات الولائية التابعة له للتصرّف ضمن الرؤية الاستراتيجية الإيرانية. وبالتوافق مع هذه الرؤية، استبقت تلك المليشيات أية خطوة عسكرية أميركية محتملة، بالإشارة إلى قدرتها على “تحويل العراق إلى جحيم”، وتصعيد المقاومة لغاية خروج الأميركيين من العراق.

“تصاعد المواجهة بين واشنطن وطهران على هذا النحو لم يحظ بردود أفعال معتبرة من القوى الإقليمية الفاعلة في المنطقة”

يلاحظ هنا أن تصاعد المواجهة بين واشنطن وطهران على هذا النحو لم يحظ بردود أفعال معتبرة من القوى الإقليمية الفاعلة في المنطقة، خصوصا في ظل توغل جائحة كورونا، وبدا أن الأتراك يفضلون الابتعاد وعدم زج أنفسهم في لعبة رهاناتٍ مجنونة. أما العرب، وبالأخص الدول العربية القريبة من العراق، فيبدو أنها تعلمت هي الأخرى من الأزمات السابقة، وأدركت أن النأي بالنفس عما يجري يوفّر لها القدرة في النهاية على اتخاذ موقفٍ يطمئن مصالحها، ويضمن لها السلامة.

يبقى أن هذا الكلام الكثير، وفي ظل تسيد جائحة كورونا على العالم، قد يتبدّد من دون أن يترك ظلا له على أرض الواقع.