أقلام وآراءحكومة "الكاظمي"سرقة العراق

استراتيجية ايرانية جديدة لتشكيل ميليشيات مسلحة بالعراق

يبدو إن ايران قد استفاقت من الضربة التي وجهتها الولايات المتحدة الامريكية لأهم مفاصل سياستها الخارجية والامنية، والتي أدت الى مقتل قائد فيلق القدس الايراني “قاسم سليماني” وأبو مهدي المهندس حيث بدأت ايران تعاود نشاطها السياسي والعسكري في المنطقة وخاصة بالعراق، حيث قام “إسماعيل قاآني”، قائد «فيلق القدس الايراني» بتاريخ30آذار/مارس2020،بزيارة غير معلنة للعراق، لتثير جدلاً كبيراً في الساحة السياسية والامنية العراقية، والتي تعاني من انقسام حاد بين الكتل والاحزاب السياسية والميليشيات المسلحة، التي تعثرت في ترشيح شخصية توافقية لمنصب رئيس الوزراء، حيث تأتي هذه الزيارة ضمن محاولات طهران لتوحيد القوى الشيعية بعد مقتل سليماني وأبو مهدي المهندس ، الامر الذي ترك فوضى كبيرة في العراق والمنطقة، كما جاءت هذه الزيارة لتحشيد الدعم ضد تولي “الزرفي” رئاسة الوزراء، بعد أن وقعت ثماني ميليشيات تابعة وموالية لإيران بياناً قالت فيه “أنه عميل لأمريكا”، كما “استنكرت وجود القوات الامريكية في العراق” ويبدو إن “قاآني” نجح في منع “الزرفي” من تولي الوزارة ، ولكنه لم ينجح في دفع مرشح تابع لطهران لرئاسة الوزراء.

إن قائد فيلق القدس الايراني الجديد “قاآني” يعاني من إشكالية كبيرة في بناء الثقة بينه وبين الميليشيات والكتل السياسية في العراق، بسبب ضعف علاقاته الشخصية مع القادة السياسيين وقادة الميليشيات، وهناك شكوك حول قدرته على سد الفراغ الذي تركه “سليماني”، لذا فهو يريد اثبات قدرته من خلال فرض ارادته السياسية أو الرؤية الايرانية على الميليشيات والكتل الحزبية الشيعية الموالية لطهران، كما كان يفعل سلفه في الماضي، ولكنه بنفس الوقت يعاني من قلة الخبرة في هذه الملفات الساخنة، خصوصاً وأنه يدير ملفات ساخنة ومعقدة وشائكة في العراق، واليمن، وسوريا، وهناك تسريبات ومعلومات تقول بأنه استعان بحزب الله اللبناني في إدارة هذه الملفات الشائكة، لخبرة الحزب الطويلة في هذه البلدان، كونه كان يمثل الداعم اللوجيستي الرئيس لتشكيل هذه الميليشيات.

“يبدو أن ظهور هذه الميليشيات والمسميات الجديدة يأتي ضمن صراع الإرادات والنفوذ بين الولايات المتحدة الامريكية وايران”

إن التدخل الايراني الجديد في العراق يأتي وسط أجواء مشحونة، ومؤشرات تصاعدية، وتهديدات متبادلة بين الولايات المتحدة الامريكية، التي نشرت بطاريات صواريخ دفاع جوي نوع باتريوت في قاعدة “عين الاسد” في محافظة “الانبار” وقاعدة “حرير في اربيل” وبين والميليشيات الولائية، حيث حذرت طهران القوات الامريكية من أي تحرك عسكري ضد الفصائل العراقية التابعة لها، في تطور وتصعيد جديد بين الطرفين ، كما تأتي زيارة قاآني لبحث النوايا الامريكية والتحركات الغامضة لقواتها ،خصوصاً المناورات التي أجرتها مع القوات الامارتية، بما فيها الانسحاب وإعادة التموضع من بعض القواعد العسكرية ذات التحصين الضعيف، والتي لا تؤمن الحماية اللازمة لتلك القوات، وبسبب تفشي فيروس “كورونا” وهذا يأتي بعد أن صعدت الميليشيات التابعة لإيران عملياتها الهجومية على القواعد العسكرية المشتركة في الفترة السابقة، مما أدى الى وقوع خسائر في قوات التحالف الدولي ،والقوات العراقية في قاعدة التاجي، وقاعدة كي وان في كركوك ،وقاعدة القيارة في الموصل، والسفارة الامريكية في بغداد .

يبدو أن ظهور هذه الميليشيات والمسميات الجديدة يأتي ضمن صراع الإرادات والنفوذ بين الولايات المتحدة الامريكية وايران، وتأتي ضمن استراتيجية ايرانية جديدة يطلقها قائد فيلق القدس الايراني ” اسماعيل قاآني”، لمواجهة تطورات الاحداث المحتملة في العراق، بما فيها تشكيل جماعات وميليشيات مسلحة جديدة ،منها سري على غرار فرق الموت الخاصة التي تشكلت عام2006،بعد تفجيرات “سامراء ” لتقوم بعمليات تتوافق مع سياستهم الجديدة في العراق والمنطقة، ولا ترتبط بالحشد الشعبي، أو بالميليشيات الولائية الاخرى، ومنها علني كما حصل خلال هذه الفترة حيث ظهرت ميليشيات وتنظيمات جديدة مثل:

أولا/ ميليشيا عصبة الثائرون: وهي الميليشيا التي سطع اسمها بعد أن تبنت هجوم “التاجي” وهي الميليشيا التي شكلت من قبل ميليشيات حزب الله العراق، وبتعليمات من “اسماعيل قاآني” على أن يكون قوام هذه الميليشيا (2000)مقاتل، على أن يجري تسليحهم بأسلحة متطورة ونوعية، وهي من تبنت الهجوم على معسكر “التاجي” في أول بيان لها بتاريخ 16 اذار/ مارس الماضي.

ثانيا/ ميليشيات أصحاب الكهف: وقد كان أول ظهور لهذه الميليشيا من خلال بث مقاطع فديو لمستودعات صواريخ عيار122ملم ، علماً أنها من الميليشيات الولائية ،كون بيرقها يحمل صورة الخميني ،والمرشد الاعلى الخامنئي، وقد أصدرت بياناً يحمل الكثير من الاخطاء الاملائية، تكلمت فيه عن الاجماع الشيعي حول ترشيح “الكاظمي” لمنصب رئيس الوزراء، قالت فيه: “إن الاخوة وبترشيحهم الاخير للمدعو “مصطفى الكاظمي” المزدوج الجنسية والمشهور بعمالته للمحتل الامريكي، قد كسروا كلمة المقاومة الاسلامية في العراق” في اشارة واضحة بتبعيتها لإيران.

ثالثا/ ميليشيا قبضة المهدي: وهي من التشكيلات المسلحة الجديدة التي ظهرت في هذه الفترة “قبضة المهدي” والتي أصدرت بياناً مليء بالأخطاء الاملائية أيضاً، جاء فيه تهديد صريح للسفير الامريكي، والبريطاني، وطالبهم بمغادرة العراق خلال (48) ساعة، وألا “سيخرجونهم من العراق قتيلان، وقد أعذر من أنذر” هؤلاء من يتحكمون بمصير العراق الان، وهم غير قادرين على كتابة بيان بدون اخطاء إملائية ونحوية، هم من يعملون على زعزعة استقرار العراق بصمت وتوطأ حكومي.

التحليل:

“نجاح هذه الميليشيات من عدمه يعتمد على الارادة السياسية لحكومة بغداد وقدرتها على اتخاذ قرارات حاسمة لمواجهة هذه التنظيمات”

إن ظهور هذه التنظيمات المسلحة قد تكون حقيقية وقادرة على تنفيذ عمليات هجومية، وهذا يعني أننا أمام ظهور جيل جديد من الجماعات المقاتلة اكثر تطرفاً وولاءً لإيران، مما يجعل أمكانية تعقبها من قبل القوات الامريكية أو العراقية صعب جداً خلال هذه الفترة القصيرة، وهو خلط للأوراق في الساحة، لعدم توفر قاعدة معلومات مفصلة عن أفرادها، وتسليحها ،وواجباتها ،وأماكن تواجدها، وساحة عملياتها المحتملة، وهذا كله يجري مع صمت حكومي مطبق، وتواطئ واضح على ما تفعله ايران وميليشياتها في العراق، مما يجعلنا أمام اشكالية جديدة في مخالفة الدستور العراقي، وتدخل صريح بالشأن الداخلي، وعجز تام عن مواجهة هذه التنظيمات، ولو سألنا ما هي الاجراءات الحكومية التي تم اتخذتها للجم هذه الميليشيات ووقف هجماتها أو تهديداتها ضد القواعد العسكرية المشتركة ؟الجواب لا توجد إجراءات حقيقة وإنما توجد إجراءات شكلية لا ترتقى الى إجراءات الردع ؟.

قد يكون ظهور هذه الميليشيات هي بأسماء وهمية، ولا وجود لها على أرض الواقع، ويأتي إعلانها ضمن استراتيجية لتظليل القوات الامريكية، والاجهزة الامنية والعسكرية الحكومية، عن الميليشيات الحقيقة التي تقوم بتنفيذ هذه الهجمات، وبكل الاحوال إن تشكيل هذه الميليشيات هي محاولة لدفع الضربات الامريكية عن ميليشيات الحشد الشعبي الحقيقة، التي هي من تقوم بتنفيذ الضربات الصاروخية ضد القوات الامريكية، كما أنها تأتي للمحافظة على شرعية الميليشيات ضمن المؤسسة الامنية والعسكرية، ولعدم أحراج الحكومة والقائد العام للقوات المسلحة العراقية، باعتبار إن هناك تشكيلات وتسميات جديدة، هي من تقوم بتنفيذ هذه الهجمات والمهام ضد القوات الامريكية.

إن ظهور هذه التنظيمات المسلحة وهيمنتها على المشهد العراق يأتي كمحاولةً من قبل إيران لإظهار قوتها بعد مقتل سليماني، وأنها تريد ايصال رسائل متعددة من خلالها ،ومنها بأن مقتل سليماني لن يغير شيء من المعادلة على الارض، وأننا لا زلنا قادرين على تحريك الكثير من الاوراق في العراق والمنطقة، وإن النظام الايراني لازال يرى نفسه بانه على قدم المساواة مع أعدائه، ويجب على القوات الامريكية وعلى المسؤولين الأمريكيين أن يأخذوا التهديدات الايرانية على محمل الجد، وأنها استوعبت الضربة وعاودت نشاطها في العراق والمنطقة.

“زيارة قاآني لم تحظى باهتمام كبير لدى بعض الاطراف السياسية في العراق”

إن نجاح هذه الميليشيات من عدمه يعتمد على الارادة السياسية لحكومة بغداد وقدرتها على اتخاذ قرارات حاسمة لمواجهة هذه التنظيمات وتطبيق القانون عليها، كما يعتمد على قوة الاجهزة الامنية وجديتها وقدرتها في مواجهة هذه الميليشيات، التي تعتبر خارج اطار التشكيلات العسكرية التابعة للقوات المسلحة ، كون جميع الحكومات التي حكمت بعد عام2003تتواطأ بشكل كبير مع هذه الميليشيات، بل وتغض النظر عن جرائمها التي ارتكبتها في الفترة الماضية، بل دعني أقول إن الحكومات والاجهزة الامنية تخشى من مواجهة هذه الميليشيات، التي سيطرت وهيمنت على المشهد العراقي ،كما يعتمد نجاحها على القدرة في تنفيذ المهام الهجومية التي أسست من أجلها، بالإضافة الى قدرة هذا الميليشيات على التخفي، بحيث لا يمكن تعقبها من قبل الاجهزة الامنية والاستخبارية الامريكية أو العراقية.

في الختام نقول إن زيارة قاآني لم تحظى باهتمام كبير لدى بعض الاطراف السياسية في العراق، ومنها المرجعية في النجف التي رفضت اللقاء معه ،وكذلك زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الذي ألغى اجتماعا مقررا سلفا مع قائد فيلق القدس، كما إن قاآني لم يلتقي بالأطراف العراقية الاخرى من السنة، والكرد، كما كان يفعل سلفه “سليماني”، كما رفضت هذه الزيارة من قبل تيار الحكمة، التي أعتبرها غير لائقة وتدخل واضح في تشكيل الحكومة، كما رفض تحالف القوى السنية هذه الزيارة، التي وصفها بأنها تدخل سافر في الشؤون الداخلية للعراق، بينما قالت كتلة النصر بزعامة “العبادي” بان زيارة “قاآني” كانت فاشلة، علماً أنه عقد العديد من الاجتماعات مع “المالكي” و”هادي العامري” وقادة بعض الميليشيات، وهنا يمكننا أن نقول لماذا يسمح لهذا المسؤول الايراني أن يقوم بكل هذه الاجتماعات، واللقاءات مع قيادات الميليشيات ، وبعض القيادات السياسية، وماذا تفعل المخابرات العراقية جراء هذا الخرق الكبير ؟والتدخل السافر في الشؤون الداخلية العراقية، وهذا يعطي دلالة واضحة بأن العراق أصبح ساحة مفتوحة للتدخلات الخارجية والايرانية خاصة، بسبب ضعف الحكومة وتبيعة قرارها السياسي الطائفي.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق