وكالة يقين

هل يتحمل العراق حروبا إضافية ؟

“هدف الحرب الأساسي ليس بالضرورة تدمير حياة الناس، بل تدمير نتاج العمل الإنساني. فالحرب هي السبيل لتبديد واهدار موارد كان من شأنها لو استخدمت في ما ينفع الجماهير العريضة أن ترتد عليهم بالخير و الرفاهية” جورج أورويل.

الحروب و الصراعات المسلحة تجلب الويلات على الشعوب والأوطان، ولكنها في المقابل تجلب الأرباح و الأموال الطائلة لتجار الحروب و الأزمات ممن يعملون في تجارة الأسلحة و الادوية و المواد الغذائية و يستغلون أوقات الازمات لرفع مستوى ارباحهم. والعراق لم يتعاف بعد من آثار الحرب على تنظيم داعش والتي استمرت لأكثر من ثلاثة أعوام (2014- 2017) و أدت الى إلحاق خسائر مالية كلفت العراق أكثر من 100 مليار دولار أمريكي في الجانب الاقتصادي و البنى التحتية ، بالإضافة الى مقتل أكثر من 113 ألف مدني و الآلاف من القوات الأمنية و الملايين من النازحين و اللاجئين و ارتفاع كبير في نسبة الفقر و البطالة والفوضى والفساد .

ثالوث الأزمة يهدد العراق

“بدأت الميليشيات الولائية الموالية لإيران بدق طبول الحرب من جديد بحجة الانتقام من الولايات المتحدة”

الازمة الأولى : الانسداد في الأفق السياسي لدى الأحزاب السياسية الحاكمة و زيادة الشرخ بين المواطنين والطبقة السياسية ستؤدي الى تفاقم الازمة السياسية ، وخاصة أن الشارع أكد مجددا رفض المكلف “مصطفى الكاظمي” الذي اتفقت عليه الأحزاب السياسية و رحبت فيه إيران و الولايات المتحدة الامريكية كبديل مناسب لإدارة الحكومة المؤقتة في هذه المرحلة. وفي حال نجح الكاظمي في تمرير كابينته او تم تجديد الثقة لرئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي ، في الحالتين العراق يسير إلى التصعيد في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وعدم استجابة الحكومة لمطالب المتظاهرين و بقاء الأسباب التي دفعت المواطنين إلى الخروج للشوارع.

الازمة الثانية: تدهور الوضع الأمني المتمثل في عودة تحركات تنظيم داعش في عدة محافظات عراقية بعد توقف عمليات القوات الامريكية في العراق بسبب انتشار كورونا ، في ظل عجز القوات الأمنية عن مواجهة التنظيم بشكل منفرد دون دعم من قوات التحالف بقيادة القوات الامريكية. وهذا الأمر قد يهدد بعودة التنظيم و استغلال انتشار فيروس كورونا للتوسع و الانتشار مجددا وتشكيل مخاطر أمنية مستقبلا.

الازمة الثالثة: تراجع أسعار النفط و غياب أي استراتيجية او رؤية اقتصادية لدى الحكومة العراقية لمواجهة الازمات الاقتصادية و ضمان توفير الرواتب قد يؤدي لانهيار اقتصادي ، وخاصة ان الحكومة غير قادرة على محاسبة حيتان الفساد و إيقاف الشبكات التي تعمل داخل الدولة و تنشط في عمليات الكسب الغير مشروع. وهذا النزيف المستمر في خزينة الدولة العراقية ستؤدي إلى الانهيار الاقتصادي.

طبول الحرب تقرع من جديد

بدأت الميليشيات الولائية الموالية لإيران بدق طبول الحرب من جديد بحجة الانتقام من الولايات المتحدة الامريكية و المتورطين في مقتل قائد فيلق القدس الإيراني (قاسم سليماني) في بغداد. وتستمر هذه الجماعات في إطلاق الصواريخ على الأهداف الامريكية لإشعال العراق مجددا و إدخاله في الحروب و الفوضى ، لأن الميليشيات ظهرت على الساحة بحجة محاربة الإرهاب، و وبانتهاء الإرهاب زال سبب وجودها ، وعلى الرغم من ارتفاع العديد من الأصوات التي تطالب بحل الميليشيات و العصابات المسلحة و تسليم سلاحها للدولة ، إلا انها قررت ان تقاوم هذه المطالب مصرة على الاحتفاظ بسلاحها و تعمل على إشعال الحروب والصراعات لتبرير استمرارها على الساحة العراقية.

“من خلال النظر إلى الطبقة السياسية الحاكمة في العراق نرى غياب رجال الدولة الحقيقيين”

عدم التزام الميليشيات الولائية بالتوجيهات الحكومية و الإصرار على إدخال البلاد في دوامة أخرى من الحروب عن طريق استهداف القوات الامريكية سيؤدي الى تحول العراق إلى بؤرة صراع مستمرة و ساحة لتصفية الحسابات بين إيران و الولايات المتحدة الامريكية. ويبدو ان هذا الخيار يصب في مصلحة الجماعات و الفصائل المسلحة لإنعاش نشاطاتها التي تتمثل في عمليات الاختطاف و الاغتيال و ابتزاز التجار و اخذ الاتاوات و السيطرة على المعابر الحدودية و احتكار تجارة البلاد .

من الواضح أن تصرفات الميليشيات الموالية لإيران في العراق يؤدي الى تقويض الاستقرار مستقبلا ، عن طريق إدخال العراق في دوامة الصراع مجددا و مواجهة القوات الامريكية ، بالتزامن مع التسبب بقصد او بغير قصد بعودة نشاطات تنظيم داعش والتي ستزيد الخروقات الأمنية و عمليات العنف .

هل يتحمل العراق حروبا إضافية ؟

يقول المؤرخ البريطاني” توينبي ” ( أن الدولة تصل ، إلى مرحلة السقوط والانهيار ، عندما تعجز عن التصدي ، أو الاستجابة للتحديات التي تواجهها ، وهنا ما يحدث ما يسمى بقتل روح الدولة وقدراتها الإبداعية)

من خلال النظر إلى الطبقة السياسية الحاكمة في العراق نرى غياب رجال الدولة الحقيقيين ممن يظهرون وقت الازمات ليقودوا شعوبهم إلى بر الأمان. بل يسود رجال انتهازيون يحاولون جني الأرباح و المغانم من خلال المناصب دون التفكير في الأجيال القادمة. إضافة إلى ضياع المليارات من الدولارات خلال السنوات الماضية بسبب الصراعات و الفساد ، وبالتالي يعجز العراق عن تحمل أي حروب أخرى قد تواجهها مستقبلا بسبب الضغوطات الإيرانية و التصرفات الصبيانية للميليشيات الطائفية و الولائية الموالية لطهران.