الجمعة 06 ديسمبر 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

كيف أعادت إيران أمريكا إلى العراق من جديد؟

كيف أعادت إيران أمريكا إلى العراق من جديد؟

منذ اللحظة التي سقط فيها العراق بيد الأمريكان، دخل الإيرانيون بكل قوة إلى البلد؛ أولا عبر رموز ومجاميع كانت تتبعهم وجاءت على ظهر الدبابة الأمريكية، وثانيا عبر شراء أخرى كانت موجودة في الداخل، وبدأ العمل عليها بكل قوة عبر المال والنفوذ الديني.

ولم تقف إيران إلى جانب المقاومة المسلحة ضد الغزو الأمريكي، وإن شجعتها بشكل غير مباشر، واستقر رأيها عبر الأتباع على نظرية مفادها أن الشيعة قاوموا البريطانيين في ثورة العشرين، فحصد السنّة الحكم، وأن المشهد سيكون معكوسا هذه المرة، حيث سيقاوم العرب السنّة، بينما يحصد الشيعة الحكم، مع التذكير بأن الجزء الأول مزوّر لأن العرب السنة كانوا حاضرين بكل قوة في ثورة العشرين.

تحت وطأة المقاومة، ازداد لجوء الأمريكان إلى القوى الشيعية، وكان التحالف الذي أسنده بطبيعة الحال مراهقون من العرب السنّة، قبلوا بحشر الفئة التي ينتمون إليها في دائرة الأقلية، وبنسبة غير حقيقية هي 20 في المئة.

توقفنا مرارا عند موقف إيران وأتباعها من المقاومة، ودفاعهم عن مطايا الأمريكان، بمن فيهم حسن نصر الله الذي طالما دافع عن تلك القوى التي ركبت دبابة المحتل.

كان بوسع خامنئي أن يحتفظ بالإنجاز الذي تحقق بسيطرته عمليا على الدولة العراقية، ومن ثم خروج الأمريكان تقريبا من البلد، ولكن الهوس الطائفي وغرور القوة ما لبث أن استكثر على العرب السنّة أن يكونوا جزءا معتبرا من العملية السياسية بعد أن ذهبوا للانتخابات في عام 2010، وحصلوا على نسبة مهمة من مقاعد البرلمان، فدفع تابعه نوري المالكي للإمعان في تهميشهم وإقصائهم. وحين احتجوا سلميا، رد عليهم بقوة السلاح، فعادت دوامة العنف من جديد، وحصل تنظيم الدولة على حاضنة شعبية أعادت له قوته، فكان ما كان.

تحت ضغط الواقع الجديد، وعودة التدخل الأمريكي؛ استثمارا للوضع الجديد، اضطر خامنئي إلى التنازل عن رجله (المالكي)، لصالح آخر من نفس اللون (حيدر العبادي)، لكن الجديد لم يشأ أن يكرر ذات التجربة، فسعى إلى التملص من الهيمنة الإيرانية، وهنا رد عليه قاسم سليماني بإنشاء مليشيات تتبعه، وبالطبع تحت لافتة محاربة تنظيم الدولة.

العبادي يدرك تماما أن استعادة المناطق من تنظيم داعش ما كان له أن يتحقق من دون الغطاء الجوي الأمريكي، لكن إدارة الظهر لإيران ومليشياتها ليس سهلا بحال، ومن هنا نشأت هذه الحالة من المراوحة والارتباك التي يعانيها طوال الوقت، فهو يريد الحضن الأمريكي، لكنه عاجز عن مواجهة النفوذ الإيراني أو تحجيمه.

وفي حين اضطر إلى تشريع ما يسمى مليشيات الحشد الشعبي، مع دفاعه عنها بين حين وآخر، إلا أنه يحاول من جهة أخرى استعادة دولة تتمرد عليه، لأن الجزء العميق منها لا يزال يدين بالولاء للمالكي. وفي ظل هذه المعادلة المعقدة لا يجد المواطن العراقي أي أفق لتحسن معيشته، لكن جزءا معتبرا منه يدرك أن إيران هي التي تصنع مصائبه، ولذلك هتف في مواجهتها “إيران بره بره”، وإن سمعت وطنّشت، بل أدانت وهددت، بل وعاقبت في السر والعلن.

هكذا، وبسبب غرور القوة الإيراني، وعبثية الأحلام التي تلبست خامنئي؛ وهي ذاتها التي دفعته للتدخل المجنون في سوريا، عاد الأمريكان أكثر قوة في العراق (صار لهم موطئ قدم في سوريا أيضا)، بينما أصبحت إيران سببا للمصائب في وعي جمهور معتبر من الشيعة، فيما هي الشيطان في عرف العرب السنّة، وتصاعدت طموحات الأكراد واستخفافهم بالدولة العراقية ورموزها.

هذه هي المعادلة المجنونة في العراق اليوم، والتي يدفع ثمنها الإنسان العراقي الذي سرق لصوص إيران ثرواته، ووضعوه في مأزق الموت والدمار، من دون أن يكسب خامنئي شيئا، ومن يقارن وضعه في العراق 2010، بوضعه الآن سيدرك ذلك تماما.

دخول الموصل لن يوقف النزيف، فالحرب مع الأكراد قادمة، أما الأهم فهو أن جوهر الأزمة سيبقى قائما، لأنه يتمثل في طبقة سياسية فاسدة تحميها إيران، وأهلكت الحرث والنسل.

المصدر:الدستور الاردنية

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات