الإثنين 27 مايو 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » 15 عامًا على الاحتلال »

كركوك.. حرب الهوية والثروات

كركوك.. حرب الهوية والثروات

قنبلة موقوتة تطفو على بحر من النفط، ولا يحل التعايش الظاهري بين مكوناته أيا من المشاكل الجوهرية والصراعات المؤجلة فيها. كركوك التي تمثل عراقا مصغرا بمكوناتها وخلافاتها وجدت قضيتها أخيرا أمام المصير الذي طالما تهربت منه وخوض الصراع المحتوم، ذلك الصراع المؤجل منذ أعوام حتى تفاقمت أعراضه ونتائجه ووصلت حدا لا يرضي أيا من أطرافه، وبعد أعوام من السجال والجدال انتهت الحكاية خلال ساعات.

إلا أن أكثر الكرد تشاؤما لم يخطر بباله انسحاب البيشمركة من كركوك في ليلة واحدة كانسحاب القوات العراقية أمام داعش قبل ثلاثة أعوام. هذه الأحداث المتسارعة والمشهد المغاير عن سابقاته في العراق أثار عددا مع علامات الاستفهام، فلماذا كركوك؟ ولماذا الآن؟ وكيف استحال حلم الدولة الكردية كابوسا؟

العملية السياسية العراقية بنت هيكلها على دستور لم تكن مصلحة الشعب فيه أولوية بقدر مصلحة الأحزاب والسياسيين الذين وضعوه بل لم تكن أولوية أصلا، ولذلك فإن الوثيقة التشريعية التي جمعت الأحزاب المشتركة في الحكم منذ ذلك الحين احتوت ثغرات قاتلة وعبارات فضفاضة ليتسنى للطرف الأقوى حسب الظروف فرض تفسيراته لنص التشريع المقدس لدى السلطة القادمة مع الاحتلال، وكانت أبرز هذه الثغرات هي المتعلقة بالخلافات مع الكرد والمناطق المتنازع عليها وأهمها كركوك.

كركوك لأنها النفط.. فقط لا غير. صراعات الهوية والتاريخ وقومية الأرض بحسب شعبها وحسابات القوميات كل على هواه

كركوك لأنها النفط.. فقط لا غير. صراعات الهوية والتاريخ وقومية الأرض بحسب شعبها وحسابات القوميات كل على هواه، هي صراعات على الثروة مغلفة بشعارات الحفاظ على الهوية وأرض الآباء والأجداد ومستقبل الأبناء والأحفاد، صراع على أرض لما في باطنها إذ تنحسر عن جبل من ذهب أسود، أرض طالما استهوت الطالمعين والغزاة والطغاة، وشعب ما عاد شعبا وما عاد يبصر غير الشتات، ففي داخل العراق الواحد وفي قلب خارطته بعيدا عن حدوده الدولية ينادي العرب والكرد والتركمان بأن هوية كركوك القومية تابعة لقوميته، علما بأنهم جميعا عراقيون شاؤوا أم أبوا. ولكنهم أبوا، وجادلوا وماطلوا وركب كل رأسه، ولم يرتض أي من أطراف الأزمة إلا لعبة القوة والتصعيد ومواصلة السباق نحو ثروات المحافظة

تنامي القاعدة الشعبية للأحزاب المعارضة واتساعها؛ قادت البرزاني إلى تهلكة سياسية، ولم تكن خسارة كركوك سوى أول قطرة فيها، وقج تنتهي بانتهاء الحياة السياسية للعائلة البرزانية، وقد بلغت الأزمة نقطة اللاعودة، فكان استفتاء الانفصال، وهذه الخطوة التي على ما يبدو أنها لم تكن مدروسة مثلت هروبا إلى الأمام بالنسبة لرئاسة إقليم كردستان التي حاولت أن تضرب أكثر من عصفور بحجر، فالشرعية التي فقدتها حكومة مسعود البرزاني منذ عامين إضافة إلى بسط نفوذها بالقوة على المناطق المتنازع عليها مع بغداد، وكذلك التغطية على الفساد المستشري في مفاصل الحكومة الإقليمية أمام تنامي القاعدة الشعبية للأحزاب المعارضة واتساعها؛ قادت البرزاني إلى تهلكة سياسية لم تكن خسارة كركوك سوى أول قطرها، ومن المرجح أنها ستنتهي بانتهاء الحياة السياسية للعائلة البرزانية وحزبها بعد أن فقدت التأييد الداخلي والخارجي وأفقدت الكرد السيطرة على كركوك والمناطق المتنازع عليها في سهل نينوى وديالى أيضا، وأضاعت عمل سنوات طوال على تغيير طبيعة تلك المناطق ديموغرافيا.

وبعد محاولات التغيير الديموغرافي -وما أكثرها- أصبحت المحافظة مركزا لاحتقان جميع الصراعات الأخرى وساحة لتصفية حسابات طال تأجيلها وتصاعدت الخلافات شيئا فشيئا حتى بلغت اليوم ذروتها وألقى عرب القضية وكردها اللوم على البرزاني الذي لن تكون إزاحته سهلة، في وقت يرى خصومه السياسيون أن أفضل فرصة قد تسنح لهم لتولي رئاسة كردستان هي الآن.

وكما أن لأحداث كركوك ما قبلها فإن لها ما بعدها أيضا، فهل سيسلم إقليم كردستان من الصراع الداخلي لا سيما بعد الانقسام في المواقف بين الحزبين الرئيسين الوطني والديمقراطي في ظل اتساع شعبية أحزاب أخرى، خاصة أن الحزب الديمقراطي الحاكم اتهم الوطني الكردستاني بالخيانة وتسليم كركوك للحكومة الاتحادية في وقت تجيشت عواطف الشعب الكردي تجاه دولة كردية مستقلة تعتمد على نفط كركوك في قيامها.

كل هذه الأحداث والصراعات المنتهية أو المؤجلة وحتى المستقبلية تثير السؤال الأهم في القضية (متى يرتاح العراق؟) متى يلقي العراقي سلاحه ويصحو ذات يوم ولا حرب؟ هنا ينبغي أن أسأل السؤال بصيغة أخرى (متى يتنهي نفط العراق؟)

المصدر:الجزيرة نت

تعليقات