الخميس 13 ديسمبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أزمات الاقتصاد العراقي »

باحثون: حكومة بغداد تدير البلاد بعقلية ريعية

باحثون: حكومة بغداد تدير البلاد بعقلية ريعية

يعاني العراق منذ عام 2003 من تدهور القطاعات الاقتصادية التي كان يعتمد عليها قبل الغزو الأميركي، مثل الصناعة والزراعة والسياحة، إذ اعتمد وبشكل أساس على الواردات النفطية فقط، ولم تفلح جهود الحكومات المتعاقبة في إصلاح هذه القطاعات بسبب حجم الدمار الكبير الذي لحق بها، فضلاً عن ضعف التنمية والإصلاح الاقتصادي الذي جعل الاقتصاد العراقي اقتصادا ريعياً .

ويعتمد الاقتصاد الريعي ، على الموارد الطبيعيّة دون الحاجة إلى الاهتمام بتطويرها ، ومن الأمثلة على هذه الموارد “المعادن، والمياه، والنفط، والغاز” ويُعرَّف اقتصاد الريع بأنّه الاقتصاد الذي يهتمّ بالمحافظة على النشاطات التي توفّر الإيرادات من بيع الثروة الريعيّة ، ولكن لا تساعد هذه النشاطات على توفير تصوُّر واضح عن الحالة الاقتصاديّة السائدة في الدولة ، ومن التعريفات الأُخرى لاقتصاد الريع هو اعتماد دولة ما في اقتصادها على مصدر طبيعيّ مستخرج من الأرض ، فيصبح الاقتصاد مُعتمداً على التبادل التجاريّ الذي يؤدي إلى ظهور مُجتمعٍ استهلاكيٍّ مرتبط بالاستيراد ، كما لا يهتمّ هذا النوع من الاقتصاد بالزراعة أو الصناعة التحويليّة .

والريع مفهوم يعني الدخل الذي يتأتى من استخراج النفط الخام وتصديره ، كما هو الحال مع العديد من الدول العربية ، ومنها العراق الذي أصبح دولة ريعية بامتياز بعد أن تعرضت قطاعاته الاقتصادية غير النفطية الى الدمار ، أما الحكومة الريعية فهي التي تعتاش بصورة أساسية على دخل البلاد من دخلها الريعي ، أي أن الريع يكاد يكون الوسيلة الوحيدة لتمويل ميزانيتها السنوية .

وحكومة ريعية ، أي بتكوينها وإمكانياتها الحالية ، لا تعرف مصدراً للدخل ورفد موازنات العراق المالية ، التي تعتمد على الريع الناتج من الصادرات النفطية ، والتي تستحوذ تخصيصات الرواتب والأجور والتقاعد جميعها على نسبة تبلغ خمسين بالمئة من اجمالي سقف النفقات العامة لموازنة البلاد ، وهي تغطى بإيرادات النفط حصريا أو من خلال الاقتراض الداخلي والخارجي .

إذا هنا يجب على السياسة المالية للعراق أن تسعى إلى تعزيز ماليتها ، وتعمل على تنويع مصادر دخلها الوطني عبر برامج إنمائية على الأمد البعيد العراق 2030.

لذا أمست الحاجة إلى تعظيم موارد الموازنة العامة غير النفطية تتطلب إدراكا للعوامل الاقتصادية الموضوعية الآتية :

  1. يعد العراق من البلدان المرتفعة في الانفاق الحكومي نسبة الى الناتج المحلي الإجمالي بنحو أكثر من (46 %) ما يقتضي خفض هذه النسبة لمصلحة اقتصاد السوق ، وتفعيل دور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي لتكوين الطلب الكلي .
  2. مازالت المؤشرات المالية للبلاد تبين اعتماد العراق على إيرادات النفط أو التوسع فيها لتغطية النفقات العامة ، وهو مورد غير مضمون ، ما يقتضي إصلاحا ماليا جذريا جديدا في تركيب الإيرادات العامة.
  3. جاءت الفرصة للتصدي للمصاريف والنفقات الحكومية غير الضرورية ابتداء من الدعم وامتداده لغير مستحقيه ، وانتهاء بالأوعية الضريبية المتهربة التي تراكم دخول وثروات بعيدة عن نطاق المالية العامة وأهدافها الاجتماعية والاقتصادية.
  4. إن أعباء الحرب على الإرهاب وأعباء إعادة الإعمار وتنمية مناطق العراق كافة تتطلب برنامجا ماليا متشددا لا محالة ، بما يخدم توجيه الموارد المالية نحو الاستقرار والتنمية والتصدي لمظاهر الفساد المالي والتبذير وعدم التخطيط .

ومن أهم خصائص الاقتصاد الريعي ما يلي : الدخل الريعي هو الدخل السائد في الاقتصاد ويتأتى الريع من الخارج بحيث لا يحتاج الاقتصاد المحلي الى قطاع انتاجي قوي ، وتشكل الأيدي العاملة المشتغلة في تحقيق الريع نسبة قليلة من مجموع القوى العاملة ، وتكون الدولة / الحكومة هي المتلقي الرئيسي للريع الخارجي.

كما تكون الدولة هي المشغل الرئيس للناس ، مما يجعلها بيروقراطية متضخمة وغير كفئة ، وفي مثل هذه الظروف يصعب ظهور مجتمع مدني نشيط ، وبالتالي لا يكون هناك دافع للتطور نحو الديمقراطية ، وأن الحكومة في ظل اقتصادٍ ريعي غير معنية كثيراً بحيوية النشاط الاقتصادي وخلق حالة من النمو الاقتصادي المستدام من أجل توسيع القاعدة الضريبية وما يستتبع ذلك من زيادة في الضرائب المتحصلة ، لأن الحكومة هنا لا تستند إلى الضرائب في تمويل ميزانيتها.

فموارد الريع النفطية ، تمول الخزينة الحكومية ، ولا حاجة إذاً لفرض الضرائب على الناس ، وهنا نجد دور الحكومة متراخٍ وكسول ، وهي لا تتحمل مسؤولياتها في تنشيط الاقتصاد ، وتنميته باستغلال الحيوية الطبيعية وتفعيل دور القطاع الخاص ، والسعي للتنمية الاقتصادية ، ولا تسعى لخلق فرص عمل مجزية للمواطنين ، طالما أمكن تكديسهم في الجهاز الحكومي المنتفخ باستمرار ، وهو المكان التقليدي للبطالة المقنعة ، أو ضخهم بقطاعها العام الفاشل وغير الكفوء ، ليزداد فشله ويضعف تنافسية منتجاته بزيادة كلفة الإنتاج .

ويؤكد خبراء اقتصاد عراقيون ، أن الاقتصاد العراقي يعاني من تبعات الأزمة المالية ، والفساد المالي والإداري ، ومشاكل طالت جميع قطاعات الدولة ، إذ تراجع القطاع الزراعي العراقي ، وتناقصت نسبة الفلاحین إلى مجموع السكان ، وارتفاع دور النفط الخام المستخرج والمصدر ، في تكوین الناتج المحلي الإجمالي ، أدى إلى قلة الاهتمام بإقامة المشاریع الصناعیة التحویلیة ، فأصبح القطاع النفطي هو الأول والرئيس للناتج المحلي الإجمالي ، مما أدى إلى التطور الوحيد للجانب الاقتصادي ، وتشوه بنیة المجتمع الطبقیة ، وخضوع الدولة للمراكز الرأسمالیة العالمیة التي تقف عائقا دون التخلص من طابعھا الریعي.

إذ أعلنت وزارة الزراعة أن الجفاف وشح الأمطار قلصا عشرين بالمئة من إنتاج القمح والشعير للعام الحالي ، رغم تأكيدات جهات حكومية أنها تخطط لاستكمال زراعة نحو مليون وستمئة ألف هكتار من القمح.

هذا ، وتعاني أغلب المصانع من التوقف ، بينما يزداد الاستيراد من إيران وتركيا وغيرها من البلدان ، وعدم استغلال القطاع السياحي بشكل أمثل بسبب الوضع الأمني.

من جهة أخرى ، لجأت الحكومة العراقية إلى فرض ضرائب على عدد من السلع والخدمات لتعويض عجز الموازنة الذي تجاوز أحد عشر مليار دولار ، ما ينعكس سلبا على الأوضاع الاقتصادية ، خصوصا لدى الفئات الفقيرة ، كما أن ارتفاع قيمة الضرائب على الخدمات والدخل والعقار وبعض السلع المستوردة بلغت أكثر من (25%) من سعرها ، ما سيرفع من مستويات التضخم.

ويرى الخبير الاقتصادي “صالح الهماشي” أن من أهم عوائق اللجوء إلى اقتصاد بديل ، هو تداخل الصلاحيات بين وزارات الدولة وهيئاتها ، فالمستثمرون يصطدمون بالكثير من العراقيل الإدارية ، فضلا عن الفساد المالي الذي أدى إلى إفلاس عشرات المشاريع وتلكؤ الاستثمار .

ويبلغ معدل النمو السكاني في العراق نحو 2.7%، وهو من النسب المرتفعة عالميا ، ولا تقابله محاولات جادة لخلق فرص اقتصادية ، بينما ترتفع نسب من يعيشون تحت خط الفقر إلى نحو 30% من السكان .

ويضيف الهماشي أن الاعتماد على النفط في موازنة عام 2018 بلغ 94% ، بينما تحاول الحكومة من خلال الخطة الخمسية التي بدأت العام الحالي خفض النسبة إلى 80-75% ، وتؤكد التقارير خسارة العراق يوميا سبعة ملايين دولار نتيجة حرق الغاز الطبيعي الذي ينبعث أثناء استخراج النفط ، مما دفع الحكومة لتوقيع عدة عقود مع شركات أميركية لاستخراج الغاز في البصرة ومناطق أخرى.

ويرى الخبير النفطي “حمزة الجواهري” أن معظم الغاز يخرج مع النفط وبكميات محدودة ، ولا تبلغ عدد الحقول العاملة في هذا المجال أكثر من ثلاثة حقول صغيرة تحت التطوير ، إلا أنها تسد حاجة العراق .

وأضاف الجواهري ، أن عدة مناطق تتمتع باحتياطي هائل من الغاز لكنها “هشة” أمنيا ، خاصة في محافظتي الأنبار وديالى ، وهو ما يجعل العراق محتاجا لتعويض احتياجه من الغاز بالاستيراد .

ان بقاء الاقتصاد العراقي ريعي ، فهذا يعني بقاء إقتصاده ضعیف ، وهذا ما یعیق تحقیق عملیة إعادة إنتاج وضعف التنمية المستدامة لتطوير جميع القطاعات للنهوض بالواقع المرير للبلد ، وعدم استغلال لثرواته الطبيعة والبشرية ، وتحسين المستوى المعيشي ، وزیادة في التشغیل ، وتحسین مستوى الدخل .

المصدر:وكالة يقين

تعليقات